من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
العاشق التقي
أخبرنا الشيخ الصالح أبو طالب محمد بن علي بن الفتح العشاري بقراءتي عليه، قال: أخبرنا أبو الحسين محمد بن عبد الله القطيعي إجازة، قال: حدَّثنا جعفر بن محمد بن نصير الخالدي، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن مسروق، قال: حدَّثنا محمد بن الحسين، قال: حدَّثنا سُوَيْد بن سعيد أبو محمد، قال: سمعتُ عليَّ بن عاصم يقول: قال لي رجلٌ من أهل الكوفة من بعض إخواني: ألا أريك فَتًى عاشِقًا؟ قال: بلى والله؛ فإني أسمع الناس يُنكِرون العشق وذهاب العقل فيه، وإني لأحب رؤيته، فعِدني يومًا أجئ معك فيه.
قال: فوعدته يومًا، فمضينا، فأنشأ صاحبي يحدِّثني عن نُسكِه وعبادته، وما كان فيه من الاجتهاد، قلتُ: وبِمَن هو متعلق؟ قال: بجارية لبعض أهله؛ كان يَختلِف إليهم، فوقعَت في نفسه، فسألَهم أن يبيعوها منه فأبوا، وبذَل لهم جميع ملكه، وهو سبعمائة دينار، فأبوا عليه ضِرارًا وحَسَدًا أن يكون مثلها في مُلكه، فلما أبوا عليه بعثَت إليه الجارية، وكانت تحبه حُبًّا شديدًا: مُرني بأمرك، فوالله لأُطيعنَّك ولأنتهين إلى أمرك في كل ما أمرتني. فأرسل إليها: عليكِ بطاعة الله عز وجل؛ فإنَّ عليها المُعوَّل والسكون إليها، وبطاعة من يَملك رقَّك؛ فإنها مضمومة إلى طاعة ربك عز وجل، ودَعي الفكر في أمري؛ لعلَّ الله عز وجل أن يجعل لنا فرجًا يومًا من الدهر، فوالله ما كنتُ بالذي تطيبُ نفسي بنَيلِ شيء أحبُّه أبدًا في ملكي، فأمنعه، أمُد يدي إليه حَرامًا بغير ثمن، ولكن أستعين بالله على أمري، فليكن هذا آخر مُرْسَلَك إليَّ، ولا تعودي فإني أكره والله أن يَراني الله تعالى وأنا في قبضته مُلتمسًا أمرًا يَكرهه مني، فعليكِ بتقوى الله، فإنها عصمة لأهل طاعته، وفيها سُلُوٌّ عن معصيته.
قال: ثمَّ لزم الاجتهاد الشديد، ولبس الشَّعر وتوحَّد، فكان لا يدخل منزله إلا من ليلٍ إلى ليلٍ، وهو مع ذلك مشغول القلب بذكرها ما يكاد يُفارقه، فوالله ما زال الأمر به حتى قطعه، فهو الآن ذاهب العقل والِهٌ في منزله.
قال: فالتفتٌّ فإذا أنا بوَردة حمراء مشدودةٍ في عضُده، قال: فقلتُ لصاحبي: ما هذه؟ فوالله ما رأيتُ العامَ وردًا قبل هذه! فقال: أظن فُلانة — وسمَّاها — بعثَت بها إليه. فلمَّا سماها رفع رأسه فنظر إلينا، ثمَّ قال:
جعلتُ مِن وردتهاتميمةً في عَضُدي
أشُمُّها من حبهاإذا علاني كمَدي
فمَن رأى مثلي فتًىبالحُزن أضحى مُرتدي
أسقمه الحُبُّ فقدصار حليف الأوَدِ
وصار سهوًا دهرُهمُقارِنًا للكمَدِ
قال: ثمَّ أطرق، فقلت: الساعة واللهِ يَموت. قال علي بن عاصم: وَوَرَدَ عليَّ من أمره ما لم أتمالك، وقمتُ أجرُّ ردائي، فوالله ما بلغتُ الباب حتى سمعت الصراخ، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: مات والله! قال عليٌّ: فقلت: والله لا أبرح حتى أشهده. قال: وتسامَع الناس فجاءوا بطبيبٍ فقال: خذوا في أمر صاحبكم، فقد مضى لسبيله، فغسلوه وكفَّنوه ودفنوه، وانصرف الناس.
فقال لي صاحبي: امضِ بنا! فقلتُ: امضِ أنت؛ فإني أريد الجلوس ها هنا ساعة، فمضى، فما زلت أبكي وأعتبر به، وأذكُر أهل محبة الله عز وجل وما هم فيه. قال: فبَينا أنا على ذلك إذا أنا بجارية قد أقبلَت كأنها مَهاة، وهي تُكثِر الالتفات، فقالت لي: يا هذا! أين دُفِن هذا الفتى؟ قال: عليٌّ: فرأيتُ وجهًا ما رأيت قبله مثله، فأومأتُ إلى قبره. قال: فذهبت إليه، فوالله ما تركت على القبر كثير تُرابِ إلا ألقتْه على رأسها، وجعلت تتمرغ فيه حتى ظننتُ أنها ستموت، فما كان بأسرع من أن طلع قومٌ يسعَون حتى جاءُوا إليها، فأخذوها وجعلوا يَضربونها، فقُمت إليهم فقلت: رِفقًا بها، يَرحمكم الله! فقالت: دعهم أيها الرجل يبلغوا هِمَّتهم، فوالله لا انتفعوا بي بعدَه أيامَ حياتي، فليصنعوا بي ما شاءوا.
قال عليٌّ: فإذا هي التي كان يحبُّها الفتى، فانصرفتُ وتركتُها.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع