من «تاريخ آداب العرب» لمصطفى صادق الرافعي (ت ١٣٥٦هـ)
قصيدة امرئ القيس
خليلي مرا بي على أم جندبلتقضى لبانات الفؤاد المعذب
فإنكما إن تنظراني ساعةمن الدهر تنفعني لدى أم جندب
ألم ترياني كلما جئت طارقًاوجدت بها طيبًا وإن لم تطيب
عقيلة أتراب لها لا دميمةولا ذات خلق إن تأملت جانب
ألا ليت شعري كيف حادث وصلهاوكيف تراعى وصلة المتغيب
أقامت على ما بيننا من مودةأميمة أم صارت لقول المخبب
فإن تنأ عنها حقبة لا تلاقهافإنك مما أحدثت بالمجرب
تبصر خليلي هل ترى من ظعائنسوالك نقبًا بين حزمي شعبعب
علون بأنطاكية فوق عقمةكجرمة نخل أو كجنة يثرب
فلله عينا من رأى من تفرقأشت وأنأى من فراق المحصب
فريقان منهم جازع بطن نخلةوآخر منهم قاطع نجد كبكب
عيناك غربا جدول في مفاضةكمر الخليج في صفيح المصوب
وإنك لم يفخر عليك كفاخرضعيف ولم يغلبك مثل مغلب
ومرقبة لا يرفع الصوت عندهامضم جيوش غانمين وخيب
غزرت على أهوال أرض أحافهابجانب منفوح من الحشو شرحب
ودوية لا يهتدى لفلاتهابعرفان أعلام ولا ضوء كوكب
تلافيتها والبوم يدعو بها الصدىوقد ألبست أقراطها ثني غيهب
بمجفرة حرف كأن قتودهاعلى أبلق الكشحين ليس بمغرب
يغرد بالأسحار في كل سدفةتغرد مياح الندامى المطرب
أقب رباع من حمير عمايةيمج لعاع البقل في كل مشرب
بمحنية قد آزر الضال نبتهامجر جيوش غانمين وخيب
وقد أغتدي قبل الشروع بسابحأقب كيعفور الفلاة مجنب
بذي ميعة كأن أدنى سقاطهوتقريبه هونًا دآليل ثعلب
عظيم طويل مطمئن كأنهبأسفل ذي ماوان سرحة مرقب
يباري الخنوف المستقل زماعهترى شخصه كأنه عود مشجب
له أيطلا ظبي وساقا نعامةوصهوة عير قائم فوق مرقب
كثير سواد اللحم ما دام بادنًاوفي الضمر ممشوق القوائم شوذب
له جؤجؤ حشر كأن لجامهيعالى به في رأس جذع مشذب
وعينان كالماويتين ومحجرإلى سند مثل الصفيح المنصب
ويخطو على صم صلاب كأنهاحجارة غيل وارسات بطحلب
له كفل كالدعص لبده الندىإلى حارك مثل الغبيط المذأب
ومستفلك الذفرى كأن عنانهومثناته في رأس جذع مشذب
وأسحم ريان العسيب كأنهعثاقيل قنو من سميحة مرطب
وبهو هواء تحت صلب كأنهمن الهضبة الخلقاء زحلوق ملعب
يدير قطاة كالمحالة أشرفتإلى سند مثل الغبيط المذأب
إذا ما جرى شأوين وابتل عطفهتقول هزيز الريح مرت بأثأب
إذا ما ركبنا قال ولدان أهلناتعالوا إلى أن يأتي الصيد نحطب
فيومًا على سرب نقي جلودهاويومًا على بيدانة أم تولب
ويخضد في الآريّ حتى كأنمابه عرة أو طائف غير معقب
خرجنا نريغ الوحش حول ثعالةوبين رحيات إلى فج أخرب
فآنست سربًا من بعيد كأنهرواهب عيد في ملاء مهدب
فكان تنادينا وعقد عذارهوقال صحابي قد شأونك فاطلب
فلأيا بلأي ما حملنا غلامناعلى ظهر محبوك السراة محنب
فقفى على آثارهن بحاصبوغيبة شؤبوب من الشد ملهب
وولى كشؤبوب العشي بوابلويخرجن من جعد ثراه منصب
فللساق ألهوب وللسوط درةوللزجر منه وقع أهوج منعب
فأدرك لم يجهد ولم يثن شأوهيمر كخذروف الوليد المثقب
ترى الفأر في مستنقع القاع لاحبًاعلى جدد الصحراء من شد ملهب
خفاهن من أنفاقهن كأنماخفاهن ودق من عشي مجلب
وظل لصيران الصريم غماغميداعسها بالسمهري المعلب
فكاب على حر الجبين ومتقبمدرية كأنها ذلق مشعب
ففئنا إلى بيت بعلياء مردحسماوته من أتحمي معصب
وقلنا لفتيان كرام ألا انزلوافعالوا علينا فضل ثوب مطنب
وأطنابه أشطان خوص نجائبوصهوته من أتحمي مشرعب
فلما دخلناه أضفنا ظهورناإلى كل حاري جديد مشطب
فظل لنا يوم لذيذ بنعمةفقل في ميل نحسه متغيب
كأن عيون الوحش حول خبائناوأرحلنا الجزع الذي لم يثقب
ورحنا كأنا من جواثي عشيةنعالي النعاج بين عدل ومحقب
نمش بأعراف الجياد أكفناإذا نحن قمنا عن شواء مضهب
إلى أن تروحنا بلا متعتبعليه كسيد الردهة المتأوب
وراح كتيس الربل ينغض رأسهأذاة به من صائك متحلب
حبيب إلى الأصحاب غير ملعنيفدونه بالأمهات وبالأب
فيوما على بقع دقاق صدورهويومًا على سفع المدافع ربرب
كأن دماء الهاديات بنحرهعصارة حناء بشيب مخضب
وأنت إذا استدبرته سد فرجهبضاف فويق الأرض ليس بأصهب
النص من طبعة دار الكتاب العربي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر وحواشيه. مصادر الموقع