تجاوز إلى المحتوى

من «تاريخ آداب العرب» لمصطفى صادق الرافعي (ت ١٣٥٦هـ)

المنازعة بين امرئ القيس وعلقمة

لما نزل امرؤ القيس في طيئ تزوج امرأة منهم تسمى أم جندب، وكان مفركًا وكانت تكرهه، فنزل به علقمة بن عبدة فتذاكر الشعر وادعاه كل واحد منهما على صاحبه، فقال علقمة: فقل شعرًا تمدح فيه فرسك والصيد، وأقول في مثل ذلك، وهذا الحكم بيني وبينك -يعني تلك المرأة- فبدأ امرؤ القيس يقول:

خليلي مرا بي على أم جندبنقض لبانات الفؤاد المعذب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

فنعت فرسه والصيد حتى فرغ، وقال علقمة:

ذهبت من الهجران في غير مذهبولم يك حقا كل هذا التجنب
للشاعر علقمة الفحل، من قصيدة «ذهبت من الهجران في غير مذهب»

فنعت فرسه والصيد حتى فرغ، وكان في قول امرئ القيس:

فللساق ألهوب وللسوط درةوللزجر منه وقع أهوج منعب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

وفي قول علقمة:

فأقبل يهوي ثانيًا من عنانهيمر كمر الرائح المتحلب

فتحاكما إليها، فقالت: هو أشعر منك؛ لأنك ضربت فرسك بسوطك وامتريته بساقك وزجرته بصوتك وأدرك فرس علقمة ثانيًا من عنانه. "ص: ديوان امرئ القيس".

وفي رواية أخرى أنهما احتكما إلى أم جندب لتحكم بينهما، فقالت: قولا شعرًا تصفان فيه الخيل على روي واحد وقافية واحدة، فأنشداها جميعًا، فلما حكمت لعلقمة قال امرؤ القيس: ما هو بأشعر مني ولكنك له وامقة؛ فطلقها فخلفه عليها علقمة. "ابن قتيبة".

وما رأيت أحدًا من أهل النقد وازن بين القصيدتين، بل كلهم متبعون كلمة هذه المرأة، وبعضهم لا يعرف ما كان بينها وبين امرئ القيس فيقول إنهما تحاكما إليها في المفاضلة بينهما؛ لأنها من ذوات العقل والمعرفة. مع أن علقمة معدود من الشعراء المغلبين وامرؤ القيس يقول في قصيدته:

وإنك لم يفخر عليك كفاخرضعيف، ولم يغلبك مشل مغلب
للشاعر امرؤ القيس، من قصيدة «خليلي مرا بي على أم جندب»

وما أرى أم جندب إلا أرادت ما تريد الفارك من بعلها، فقرعت أنفه على حمية ونخوة وهي تعلم أنها لا بد مسرحة في زمام هذه الكلمة، وإلا فالبيت الذي توافيا على معناه ليس بموضع تفضيل؛ لأن في قصيدة امرئ القيس ما هو أبلغ في هذه الصنعة من بيت علقمة، وهو قوله:

إذا ما جرى شأوين وابتل عطفهتقول هزيز الريح مرت بأثأب
للشاعر الفروسية، من قصيدة «خليلّي مرّ بي على أم جندب»

وقد مر شرحه وبيان وجه البلاغة فيه، ولكن من التمس عيبًا وجده، ومن تدبر صنعة امرئ القيس للخيل في شعره وجد السوط لا يفارقه، فلعلها كانت عادته.

وقصيدة علقمة بجملتها ليست بشيء؛ لأنه كل ما فيها من الألفاظ البارعة والمعاني الحسنة مأخوذ من قصيدة امرئ القيس، حتى ليأخذ البيت برمته والشطر بحاله، ومع ذلك فقد أبر عليه امرؤ القيس، في الصنعة، وما أدري كيف هذا، فلولا أن الرواة مجمعون على أن قصيدة علقمة مما صح له لقلت إنها مصنوعة، ثم إن الذين رووا خبر هذه المنازعة منهم، وهم عمرو بن العلاء؛ وأبو عبيدة، والأصمعي، لم يزيدوا شيئًا على ما سبق، وكان طبيعيا أن يتكلم امرؤ القيس في ذلك كلمة؛ لأن علقمة إنما رد إليه بضاعته، ولن يبلغ التوارد بين الشاعرين هذا المبلغ وأحدهما يسمع من الآخر، إلا أن يكون الاثنان قد اتفقا في الأخذ عن ثالث، وهو أغرب؛ وإن صح خبر هذه المنازعة فيكون ذلك هو السبب في تعفف امرئ القيس على الشعراء وإدلاله بشعره وذهابه إلى الظنة فيه؛ لأنه رأى من استحذاء علقمة واستجدائه ما ينفخ مثله إلى حد الروم، وما زال على ضلالة حتى لقي التوأم اليشكري فقال له: إن كنت شاعرًا كما تقول فملط لي أنصاف ما أقول فأجزها، قال نعم، فقال امرؤ القيس:

أحار ترى بريقًا هب وهنًا

فقال التوأم:

كنار مجوس تستعر استعارا

وهي أبيات ستجيء في بحث الصناعات، فلما رآه امرؤ القيس قد ماتنه، ولم يكن في ذلك العصر من يطاوله، آلى أن لا ينازع الشعر أحدًا آخر الدهر. كذا رواه أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء "ص ج: العمدة" وعلى ذلك يكون علقمة إنما غلب امرأ القيس بكلمة امرأته لا بقصيدته.

وقد رأينا أن نروي القصيدتين هنا ليكون وجه المقابلة فيهما بيتًا، ولا بد أن ننبه على أن أكثر ما في قصيدة امرئ القيس مفرق بألفاظه ومعانيه في قصائد أخرى له، ومنها أبيات لم يغير منها إلا القافية، وذلك بعض ما أخذناه على شعره "انظر الوسيلة الأدبية ص، والجزء الأول من شعراء النصرانية ص، وديوان امرئ القيس".

وقد رأينا أن نقف من الكلام على امرئ القيس عند هذا الحد؛ ففي بعض الكفاية كفاية؛ وما يكون دون غاية من الغايات فربما كان في نفسه غاية.

النص من طبعة دار الكتاب العربي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تاريخ آداب العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.