تجاوز إلى المحتوى

من «تاريخ آداب العرب» لمصطفى صادق الرافعي (ت ١٣٥٦هـ)

محبوك الطرفين

ويريدون أيضًا بهذا النوع من المنظوم أن تكون كل أبيات القصيدة أو القطعة مبتدأة ومختتمة بحرف واحد من حروف المعجم، وأول من جاء بشيء من ذلك أبو بكر محمد بن دريد المتوفى سنة هـ، وقد ذكر المسعودي أنه كان شاعرًا كثير الشعر يذهب في كل مذهب، غير أنه لم يشتهر من شعره إلا مقصورته التي مدح بها ابن ميكال، وهي مشهورة، وقد نظم ابن دريد المذكور قطعًا مربعة على عدد الحروف لم يلتزم فيها بحرًا واحدًا بل جعل كل قطعة منها مستقلة عن سائرها في الوزن كما هي مستقلة في الروي، وأولها قوله في حرف الألف:

أبقيت لي سقما يمازج عبرتيمن ذا يلذ مع السقام بقاء
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبقيت لي سقما يمازج عبرتي»
أشمت بي الأعداء حين هجرتنيحاشاك مما يشمت الأعداء
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبقيت لي سقما يمازج عبرتي»
أبكيتني حتى ظننت بأننيسيصير عمري ما حييت بكاء
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبقيت لي سقما يمازج عبرتي»
أخفي وأعلن باضطرار إننيلا أستطيع لما أجن خفاء
للشاعر ابن دريد الأزدي، من قصيدة «أبقيت لي سقما يمازج عبرتي»

وفيها أبيات جيدة؛ لأن الشعر مع هذا القيد ولا جرم قريب من الانطلاق، إلا حيث تكون الألفاظ المستكرهة في بعض الأحرف المعدودة كالخاء والظاء.

ثم جاء بعد ابن دريد وأبو الحسن علي بن محمد الأندلسي البرزي فانسحب على آثاره ونسج على منواله، ولكنه أبلغ أبيات كل قطعة إلى العشرة، ولذلك تعرف منظومته بالقصائد المعشرة.

وتلاهما صفي الدين الحلي الشاعر الشهير المتوفى سنة هـ فنظم من هذا النوع تسعًا وعشرين قصيدة على عدد الأحرف الهجائية، والتزم هذا العدد بعينه في نسق كل قصيدة، فجاء من ذلك بالشيء العجيب، ولو كان ابن دريد من المصنعين ولم يكن حيث هو من العربية وفنون الأدب لأخمله الصفي.

وقد مدح الحلي بقصائده تلك السلطان الأرتق المنصور نجم الدين أبا الفتح ولذلك تعرف بالأرتقيات ومطلع القصيدة الأولى منها:

أبت الوصال مخافة الرقباءوأتتك تحت مدارع الظلماء
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «أبت الوصال مخافة الرقباء»
أصفتك من بعد الصدود مودةوكذا الدواء يكون بعد الداء
للشاعر صفي الدين الحلي، من قصيدة «أبت الوصال مخافة الرقباء»

وهي مشهورة في ديوانه، ثم ختمت به الإجادة في هذا النوع على ما أظن، إذ لم يتفق لغيره من ذلك إلا القليل، كأبيات أبي جعفر الألبيري الأندلسي -وكان معاصرًا للصفي- فيما التزم في أوله حرف الدال، وقد أوردها صاحب "نفح الطيبص ج" وكذلك جرى بعضهم على نمط ابن دريد في قصائد مسدسة في المديح النبوي، وذكر المقري من ذلك قصيدتين في آخر كتابه، وساق هناك قصيدة أخرى للشيخ أبي عبد الله بن عمران في المديح، وهو يذكر في أول كل بيت حرفًا من حروف

المعجم منطوقًا به على أن يكون جزءًا من عروضه، ومطلعها:

ألف يا خير البرية هذيمدحي وما أنا في مقامي هاذي
باء بها أظهرت صدق محبتيوبذلك الجاه الكريم لياذي

ومن هذا النوع أخذ المتأخرون ما يسمونه التطريز، وذلك أنهم إذا أرادوا أن ينظموا في مدح أحمد مثلًا جعلوا أوائل الأبيات على حسب حروف هذا الاسم فيبتدئون بالألف، ثم بالحاء، ثم بالميم، إلخ.

وهو نوع كان يعرف في القرن الحادي عشر بالمشجر وأورد منه ابن معصوم في السلافة بعض مقاطيع، وربما جاءوا بالتشجير في المصراعين فتكون أوائل الشطور الأولى على حروف الاسم المشجر به، وكذلك أوائل الشطور الثانية؛ وليس في ذلك كله من البراعة إلا ما اصطلحوا عليه من أنه صناعة.

وللصفي أيضًا أبيات تقرأ طولًا وعرضًا فلا يتغير وضعها، ولم أر غيرها لغيره إلا ما سيجيء في القصائد التي تقلب على وجوه كثيرة؛ لأن ذلك يكون من قراءتها طولًا وعرضًا وطردًا وعكسًا، والأبيات هي:

ليت شعري لك علممن سقامي يا شفائي
لك علم من زفيريونحولي وضنائي
من سقامي ونحوليدواني إذ أنت دائي
يا شفائي وضنائيأنت دائي ودوائي

النص من طبعة دار الكتاب العربي، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمات الناشر وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «تاريخ آداب العرب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.