تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

صريعا الحب

أخبرني القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التَّوَّزِي قراءةً عليه، قال: أخبرنا أبو محمد عُبيد الله بن محمد بن علي الجرادي الكاتب، قال: أخبرنا أبو بكر بن دُرَيْد، قال: أخبرنا عبد الرحمن، عن عمه، عن يونس، قال: انصرفتُ من الحج فمررتُ بماوية، وكان لي فيها صديقٌ من بني عامر بن صعصعة، فصرت إليه مُسلِّمًا، فأنزلني، فبينا أنا عنده، ونحن قاعدان بفنائه، إذا نِساءٌ مُستبشرات، وهن يَقُلن: تكلَّم تكلَّم! فقلتُ: ما هذا؟ فقالوا: فتًى مِنَّا كان يعشق ابنة عمٍّ له، فزُوِّجت، وحُمِلت إلى ناحية الحجاز، فإنه لعلى فراشه منذ حَوْلٍ ما تكلَّم، ولا أكل، إلا أن يؤتى بما يأكله ويشربه. فقلت: أُحبُّ أن أراه. فقام، وقمتُ معه فمشَينا غير بعيد، وإذا بفتًى مُضطجع بفناء بيت من تلك البيوت، لم يبقَ منه إلا خيالٌ، فأكبَّ الشيخ عليه يسأله، وأمه واقفةٌ، فقالت: يا مالك! هذا عمُّك أبو فلان يَعُودُك. ففتح عينيه، وأنشأ يقول:

ليَبكني اليوم أهل الوُدِّ والشفقِلم يبقَ من مهجتي إلا شفا رَمَقِ
اليومَ آخِرُ عهدي بالحياة، فقدأُطلِقتُ من رَبقَةِ الأحزان والقلقِ

ثمَّ تنفَّس الصُّعَدَاء فإذا هو ميت، فقام الشيخ، وقمتُ فانصرفت إلى خبائه، فإذا بجارية بضة تبكي وتتفجَّع، فقال الشيخ: ما يبكيك؟ فأنشأت تقول:

ألا أبكي لصبٍّ شفَّ مُهجتَهطولُ السقام وأضنى جسمَه الكمدُ
يا ليتَ من خلَّف القلبَ الهَيوم بهعندي، فأشكو إليه بعض ما أجِدُ
أَنَشْرُ تُربِك أسرى لي النسيم بهأم أنت حيث يُناطُ السَّحْر والكَبِدُ؟

ثمَّ انثنت على كبدها، وشهقت، فإذا هي ميتة.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.