تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

من الحب اليائس إلى التعبد

أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي بن شكر، قال: حدَّثنا أبو الحسن علي بن عبد الله الهمذاني بمكة، قال: حدَّثنا إبراهيم بن علي، قال: حدَّثنا محمد بن جعفر الكاتب، عن محمد بن الحسن البرجلاني، عن جعفر بن معاذ، قال: أخبرني أحمد بن سعيد العابد، عن أبيه، قال: كان عندنا بالكوفة شابٌّ يتعبَّد مُلازِمًا للمسجد الجامع، لا يكاد يخلو منه، وكان حسَن الوجه، حسَن القامة، حسَن السمت. فنظرَت إليه امرأة ذات جمال وعقل، فشُغِفَت به، وطال ذلك عليها، فلما كان ذات يوم وقفَت له على طريقه وهو يريد المسجد، فقالت له: يا فتى، اسمع مني كلمات أُكلِّمك بها، ثمَّ اعمل ما شئت. فمضى ولم يكلمها، ثمَّ وقفت له بعد ذلك على طريقه، وهو يريد منزله، فقالت له: يا فتى، اسمع كلمات أكلمك بها. فأطرق، فقال لها: هذا موقف تُهمة، وأنا أكره أن أكون للتُّهمة موضِعًا. فقالت له: والله ما وقفتُ موقفي هذا جهالةً مني بأمرك، ولكن معاذ الله أن يتشوَّف العباد إلى مثل هذا مني، والذي حمَلني على أن لقيتك في هذا الأمر بنفسي معرفتي أن القليل من هذا عند الناس كثيرٌ، وأنتم معاشر العُبَّاد في مثال القوارير؛ أدنى شيء يَعيبه، وجُملةُ ما أكلمك به أن جوارحي كلها مشغولةٌ بك، فاللهَ اللهَ في أمري وأمرك.

ثمَّ جاءت بعد ذلك بأيام فوقفت على طريقه، فلما رآها من بعيد أراد الرجوع إلى منزله لئلا يراها، فقالت: يا فتى لا ترجع، فلا كان المُلتقى بعد هذا أبدًا إلا بين يدَي الله عز وجل. وبكَت بُكاءً كثيرًا، ثمَّ قالت: أسأل الله عز وجل الذي بيده مفاتيح قلبك أن يُسهِّل ما قد عسِر من أمرك. ثمَّ تبعته فقالت: امنُن عليَّ بموعظة أحملها عنك، وأوصني بوصية أعمل عليها! فقال لها الفتى: أوصيك بحفظ نفسك من نفسك، وأُذكِّرك قوله عز وجل: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ .

قال: فأطرقت، وبكت بُكاءً أشدَّ من بُكائها الأول، ثمَّ أفاقت، فقالت:

والله ما حملتْ أنثى ولا وضعتْإنسًا كمثلك في مِصري وأحيائي

وذكرت أبياتًا آخرها:

لألبسنَّ لهذا الأمر مِدرَعةًولا ركنتُ إلى لذَّات دُنيايا

ثمَّ لزمت بيتها، فأخذت بالعبادة. قال: فكانت إذا أجهدها الأمر تدعو بكتابه فتضعه على عينَيها، فيُقال لها: وهل يُغني هذا شيئًا؟ فتقول: وهل لي دواءٌ غيره؟! وكان إذا جَنَّ عليها الليل قامت إلى مِحاربها، فإذا صلَّت قالت:

يا وارث الأرض هَبْ لي منك مغفِرةًوحلَّ عني هوى ذا الهاجر الداني
وانظر إلى خلَّتي، يا مُشتكى حَزَنيبنظرةٍ منك تجلو كلَّ أحزاني

قال لنا الشيخ أبو القاسم الأزجي رحمه الله: ووجدت في نسخة زيادةً مسموعةً عن الزينبي شيخنا رحمه الله، قال: ثمَّ إن الجارية لم تلبث أن بُليَت ببليَّة في جسمها، فكان الطبيب يقطع من لحمها أرطالًا لأنه قد عرف حديثها مع الفتى، فكان إذا أراد أن يقطع لحمها يُحدِّثها بحديث الفتى، فما كانت تجد لقطع لحمها ألمًا، ولا كانت تتأوَّه، فإذا سكَتَ عن ذكره تأوَّهت. قال: فلم تزل كذلك حتى ماتت كمدًا.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.