من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
يجتمعان في القبر
ذكر أبو عمر بن حَيُّوَيْهِ ونقلته من خطه قال: حدَّثنا أبو بكر بن المَرْزُبان، قال: حدَّثنا إبراهيم بن محمد، قال: حدَّثنا الحسن بن محمد بن عيسى المقَّري، قال: أخبرني محمد بن عبيد الله العتبي، قال: حدَّثنا ابن المنبِّه، قال: سمعتُ أبا الخطاب الأخفش يقول: خرجت في سَفَرٍ، فنزلنا على ماءٍ لطيءٍ، بصرت بخيمةٍ من بعيدٍ فقصدتُ نحوَها، فإذا فيها شابٌّ على فراشٍ كأنه الخيال، فأنشأ يقول:
ألا ما للحبيبةِ لا تعودُأبخلٌ بالحبيبةِ أم صُدودُ
مَرِضْتُ فعادَني عُوادُ قوميفما لكِ لم تُرَي في مَن يَعود
فلو كنتِ المريض، ولا تكونيلعُدتُكم، ولو كَثُرَ الوَعِيدُ
ولا استبطأتُ غيرَكِ، فاعلميهوحَولي من ذوي رَحِمي عديدُ
قال: ثمَّ أُغمي عليه، فمات. فوقعتِ الصيحة في الحي، فخرَج من آخر الماء جاريةٌ كأنها فِلقَةُ قَمَرٍ، فتخطَّت رقاب الناس حتى وقفت عليه، فقبَّلته، وأنشأت تقول:
عَداني أن أعودك يا حبيبيمعاشِرُ فيهمُ الواشي الحسودُ
أذاعوا ما عَلِمتَ من الدواهيوعابونا وما فيهم رشيدُ
فأمَّا إذ حللتَ ببطنِ أرضٍوقصرُ الناسِ كُلهم اللحود
فلا بقيَتْ لي الدنيا فواقًاولا لهمُ ولا أثرى عديدُ
قال: ثمَّ شهقت شهقة فخرَّت ميِّتة منها، فخرَج من بعض الأخبية شيخٌ فوقف عليهما فترحَّم عليهما، وقال: والله لئن كنتُ لم أجمع بينكما حيَّين لأجمعنَّ بينكما ميِّتَين! فدفنهما في قبر واحد احتفره لهما، فسألته، فقال: هذه ابنتي، وهذا ابن أخي.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع