تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

إياس وابنة عمه صفوة

أخبرنا أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التَّنُوخِي في ما أجاز لنا، قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حَيُّوَيْهِ الخزاز، قراءةً عليه، قال: أخبرنا محمد بن خلف إجازةً، قال: حدَّثنا قاسم بن الحسن، قال: حدَّثنا العمري، قال: أخبَرَني الهيثم بن عدي أن إياس بن مُرَّة بن مُصعَب القيسي كان له أخٌ يُقال له فِهر، وكانا يَنزلان الحيرة، وأن فِهرًا ارتحَلَ بأهله وولده، فنزل بأرض السراة وأقام مُرَّة بالحيرة، وكانت عند مرة امرأة من بكر بن وائل، فلبثَت معه زمانًا لم يُرزَق منها ولدًا حتى يئس من ذلك. ثمَّ أُتي في منامه ليلةً من ذلك، فقيل له: إنك إن باشرت زوجتك من ليلتك هذه رأيتَ سرورًا وغِبطةً، فانتَبَه فباشرَها فحملت، فلم يزل مسرورًا إلى أن تمَّت أيَّامها، فولدت له غُلامًا فسماه إياسًا لأنه كان آيِسًا منه، فنشأ الغلام منشأً حسنًا.

فلما ترعرع ضمَّه أبوه إليه، وأشركه في أمره، وكان إذا سافر أخرَجَه معه لقلة صبره عنه، فقال له أبوه يومًا: يا بني، قد كبرت سني، وكنتُ أرجوك لمثل هذا اليوم، ولي إلى عمِّك حاجة، فأحب أن تشخص فيها. فقال له إياس: نعم يا أبه، ونِعمَ عين وكرامة، فإذا شئتَ فأنا لحاجتك. فأعلَمَه الحاجة، فخرج متوجِّهًا حتى أتى عمه، فعظُم سروره به وسأله عن سبب قدومه، وما الحاجة فأخبره بها، ووعده بقضائها، فأقام عند عمه أيَّامًا ينتظر قضاء الحاجة.

وكان لعمه بنتٌ يُقال لها صفوة ذات جمال وعقل، فبَينا هو ذات يوم جالسٌ بفناء دارِهِم إذ بدت له صفوةُ زائرةً بعض أخواتها، وهي تَهادى بين جوارٍ لها، فنظر إليها إياسٌ نظرةً أورثت قلبه حسرةً، وظلَّ نهارَه ساهيًا، وبات وقد اعتكرت عليه الأحزان ينتظر الصباح، يرجو أن يكون فيه النجاح، فلما بدا له الصباح خرَج في طلبها ينتظر رجوعها، فلم يلبث أن بدت له، فلما نظَرت إليه تنكَّرت ثمَّ مضت فأسرعت، فمر يسعى خلفها يأمُلُ منها نظرة، فلم يصل إليها، وفاتَتْه فانصرف إلى منزله، وقد تضاعف عليه الحزن واشتد الوجد، فلبث أيَّامًا وهو على حاله إلى أن أعقبه ذلك مرضًا أضناه وأنحل جسمه، وظلَّ صريعًا على الفراش.

فلما طال به سُقمُه وتخوَّف على نفسِه بَعَثَ إلى عمه ليَنظر إليه ويوصيه بما يُريد، فلما رآه عمُّه ونظر إلى ما به سبَقَتْه العبرة إشفاقًا عليه، فقال له إياس: كفَّ، جُعلت فداك يا عم، فقد أقرَحْتَ قلبي. فكف عن بعض بُكائه، فشكا إليه إياس ما يجد من العلة، فقال له: عزَّ والله عليَّ يا ابن أخي، ولن أدع حيلةً في طلب الشفاء لك. فانصرف إلى منزله وأرسل إلى مولاةٍ له كانت ذات عقلٍ فأوصاها به وبالتعاهُد له والقيام عليه.

فلما دخلَتِ المولاة عليه فتأمَّلته عَلِمَت أن الذي به عِشقٌ، فقعدت عند رأسه، فأجرت ذكر صفوة لتَستيقِنَ ما عنده، فلما سمع ذكرها زفر زفرةً، فقالت المرأة: والله ما زفر إلا من هوًى داخله، ولا أظنُّه إلا عاشِقًا. فأقبلت عليه كالمُمازحة فقالت له: حتى متى تُبلي جسمك، فوالله ما أظنُّ الذي بك إلا هوى. فقال لها إياس: يا أمَّه، لقد ظننتِ بي ظنَّ سوءٍ، فكفي عن مُزاحك. فقالت: إنك والله لن تُبديه إلى أحدٍ هو أكتم له من قلبي. فلم تزل تُعطيه المواثيق وتقسم عليه إلى أن قالت له: بحقِّ صفوة! فقال لها: لقد أقسمت عليَّ بحق عظيمٍ لو سألتِني به روحي لدفعتها إليك. ثمَّ قال: والله يا أمه ما أُعظِمَ دائي إلا بالاسم الذي أقسمتِ عليَّ بحقَّه، فاللهَ اللهَ في كتمانه وطلب وجهِ الحيلة فيه.

فقالت: أما إذا أطلَعْتَني عليه، فسأبلُغُ فيه رِضاك إن شاء الله، فَسُرَّ بذلك، وأرسل معها بالسلام إلى صفوة. فلما دخلَتْ عليها ابتدأتها صفوةُ بالمسألة عن الذي بلَغها من مرضه وشدة حاله، فاستبشَرتِ المولاة بذلك، ثمَّ قالت: يا صفوة، ما حالةُ من يبيت الليل ساهِرًا محزونًا يَرعى النجوم ويتمنى الموت؟ فقالت صفوة: ما أظنُّ هذا على ما ذكرتِ بباقٍ، وما أسرع منه الفِرَاق.

ثمَّ أقبلت على المولاة فقالت: إنِّي أريد أن أسألك عن شيءٍ، فبحقِّي عليك لما أوضحتِه. فقالت: وحقك إن عرفتُه لا كتمتُك منه شيئًا. قالت: فهل أرسلك إياس إلى أحدٍ من أهل وده في حاجة؟ فقالت المولاة: والله لأصدُقنَّك، والله ما جُلُّ دائه وعِظَم بلائه إلا بك، وما أرسلني بالسلام إلا إليكِ، فأجيبيه إن شئتِ أو دعي. فقالت: لا شفاه الله، والله لولا ما أوجَبَ من حقك لأسأتُ إليكِ، وزجَرَتْها. فخرجت من عندها كئيبة، فأتَتْه فأعلمته، فازداد على ما كان به من مرضه، وأنشأ يقول:

كتمتُ الهوى حتى إذا شبَّ واستوَتقواه أشاع الدمعُ ما كنتُ أكتُمُ
فلمَّا رأيتُ الدمعَ قد أعلن الهوىخلعتُ عِذاريَ فيه، والخلعُ أسلمُ
فيا ويحَ نفسي كيف صبري على الهوىوقلبي ورُوحيَ عندَ من ليس يرحمُ

قال: ثمَّ إن عمه دخل عليه ليَعرف خبره، فقال له: يا عم، إنِّي مُخبرك بشيءٍ لم أُخبرك به حتى برح الخفاء ولم أُطق له محملًا. فأخبره الخبر، فزوَّجه فأفاق وبرأ من عِلَّتِه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.