تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

خليلان في الجنة

أخبرنا أبو إسحاق إبراهيم بن سعيد بمصر بقراءتي عليه، قال: حدَّثنا أبو صالح السمرقندي الصوفي، قال: حدَّثنا أبو عبد الله الحسين بن القاسم بالقرافة، قال: حدَّثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن عمرو الدِّينَوَرِي، قال: حدَّثنا أبو محمد جعفر بن عبد الله الصوفي، قال: حدَّثنا أبو حمزة الصوفي، قال: حدَّثنا محمد بن الأحوص الثقفي، قال: حدَّثني أبي قال: حدَّثني رجلٌ من أصحابنا، قال: كان محمد بن الحُسَين الضَّبِّي وعبد العزيز العزيز بن الشاه التيمي كأنهما هِلالان أو دُرَّتان من حُسنِهِما وجمالِهما، فسَمِعا كلام أبي عبد الله الديلمي، وكان من أحسن الناس كلامًا وأظهرهم خشوعًا وأكثرهم صلاةً واجتهادًا، فصَحِباه، وكان معه لا يأمن عَلَيهما أبواهما أحدًا غيره، فكان يحجُّ بهما في كلِّ عامٍ، ويُرابِطُ معهُما في السواحل سائر سِنيه، حتى أخذا منه ووعَيا عنه وتأسَّيَا بأخلاقه، واحتَذَيا على طريقته، وكانا مُقبلَين على طلب الخير والجهاد، فخرَج بهما فرآهما رجُلٌ من الجُند، فرأى شيئًا لم يرَ مثلَه، فأراد أخذهما منه، فحال بينه وبينهما، وأعانه الناس على ذلك، وكان مشهورًا بالنسك والعفاف، فاغتاله الجندي فقتله، وقبض على الغلامين فامتنعا عليه، واستغاثا بالناس، فجاءُوا فنظروا إلى أبي عبد الله الديلمي مقتولًا، فأخذوا الجندي وأتوا به السلطان، فقتله.

قال أبي: فحدثني هذا الرجل، قال: كنت حاضِرًا لهما، وقد دفنَّاه ورَجعا عن قبره، يُعرَف الحُزنُ عليهما، والكآبة فيهما، فسمعتُ أحدهما يقول لصاحبه: ما ترى يا أخي؟ قال: أرى أن يكون على عزيمتنا أو يَمضي على ما عقدنا من نيتنا حتى نقضي رباطَنَا، ونرجع إلى بلادنا. فقال له الآخر: لستُ أرى رأيك، ولا ما أشرتَ به، ولكن مصيبتنا بهذا الرجل ليست بصغيرة، ولا حقُّه علينا بيَسير، له علينا حق الوالد بالشفقة وحق التعليم وطول الصحبة وطهارة العشرة وحسن المرافقة. قال: فما ترى؟ قال: أرى أن نقيم على قبره مِقدار رباطنا نستغفر له، ثمَّ ننصرف، فإن عزمت أن نرابط بعد فعَلنَا، وإن أحببت أن نرجع صَدَرْنا.

قال: لقد قلتَ قولًا لن أخالِفَك عليه، فسألاني الإسعاد لهُما على ذلك، فأقمتُ معهُما نيِّفًا على عشرين يومًا، فاعتلَّ محمَّد بن الحسن، فاشتدَّت علَّتُه، فقلق عبد العزيز قَلَقًا شديدًا، وجَزِعَ جَزَعًا لم أرَه من أحدٍ قط، فقلتُ: ما هذا الجزَعُ يا أخي؟

قال: أفلا يحقُّ لي أن أجزَعَ على أخٍ شقيقٍ وحبيبٍ شفيقٍ؟

فسمعنا محمد فقال: يا عبد العزيز لا تجزع، فإن الجزع لا يُغني عني شيئًا مما نزل بي من الموت، واعلَم يا أخي أنك أرفع عند الله عز وجل درجةً مني.

فقال: وبِمَ ذاك؟

قال: بمُصابِك بي، فبكى عبد العزيز حتى ألصق خدَّه بالأرض وأبكى من حَضَرَ من النُّسَّاك وغيرهم. فقال له محمد: يا أخي، لا تَبكِ فإني في أمرٍ عظيم، وعلى خطرٍ جسيمٍ هو أكبر عندي وأجلُّ في قلبي من بُكائِك، وقد شغلني الفكرُ فِيكِ وفي وَحدَتِك بعدي عن بعض ما أنا فيه من ألم العلة، وقد تزايدت عِلَّتي لما أراه في وجهك من الحزن والغم، فإن استطعت أن تحتسبني عند الله عز وجل، فافعلنَّ، ولا تُطلِقن عليَّ عبرةً ولا تُذرين بعدي دمعة، فإني منقولٌ إلى رحمةٍ وصائِرٌ إلى نعمة، ولو كان أحدٌ أحق بالبكاء من أحد لكنتُ أحقَّ به لما نزل بي من الموت وشدة كربه وحياءً مما حضرني من ملائكة ربي.

فصُعِقَ عبد العزيز، وخرَّ مغشيًّا عليه، فدنوتُ من محمد بن الحسن، فقلت: ألك حاجةٌ أو أمرٌ توصيني به؟

فقال: أوصيك بإيثار تقوى الله عز وجل على جميع الأمور، وحاجتي أن تحفظني في أخي هذا، فإنه من أهمِّ من أترك بعدي.

فقال له أبو المغلَّس الصوفي، وكان يُشبَّه خشوعه بخشوع أبي عبد الله الديلمي: يا أبا عبد الله! قد عشتُما مصطحبَين منذ كنتما صغيرين، لا نعرِفُ لأحدٍ منكُما خِزيَةً ولا نحفَظ عليكم زلَّة، فنشأتما على أمر واحد لم تتهاجرَا ولم تختصما ولم تَتفرَّقا، وقد تكلَّم بعض الناس فيكما بكلامٍ قد رفع الله أقداركما عنه لما بيَّن الله تعالى اليوم من أمورِكما، ونشر من حسن طَويتكما، فالحمد لله على ما أولاكما من ذلك. وقد تذكر أن أعلام الموت إليك قد أقبلَت، والملائكة منك قد اقتربت، وإني أثِقُ بفهمك، لما أعلم من حُسنِ عقلك، فهل ترى أحدًا مِنهُم؟

فقال: إنِّي أرى صُوَرًا تُقبِلُ ولا أُثبِتُها على حقيقة النظَر.

قال: فما تجد؟

قال: أجِدُ ألمًا لو قُسِمَ على جميع الخلائق لكانوا في مثل حالي.

قال: صِفه لي.

قال: وما عسى أن أصِفَ لك منه؟ أجدُ نفسي كأنها بين جبلين قد اصطكَّا عليَّ، وكأن أسنَّة تُوخَزُ في بدني، وكأن نارًا تَوقَّدُ في عيني وأجِدُ لهاتي قد يَبِسَت، فما أجِدُ فيها شيئًا من ريقي.

فقال له أبو المغلَّس: إنِّي قرأتُ في بعض الأخبار، وما رُويَ في الآثار: حتى يرى مقعده من النار أو الجنة، فهل رأيتَ شيئًا من ذلك؟

قال: أما في وقتي هذا فلا.

فلما اشتد به الأمر، وكاد أن يَغلبه الكَرْبُ أو ما بيده إلى أبي المغلس، فأصغى بأذنه إليه، فقال: إنك سألتني عن مقعدي، وهذه الرُّوح قد خرجت من بعض جسدي، وارتفعت إلى حقويَّ، وقد رأيت مقعدي.

قال: وأين رأيته؟

قال: رأيته في جنة عدن.

قال: فهل رأيتَ أبا عبد الله الديلمي؟

قال: إن رُوحه لتُرفرِفُ عليَّ، وقد رأيتُ مقعده أفضل من مقعدي ودرجته أفضل من درجتي، ولا أحسب أنه قال إلا بالعلم الذي سَبَقَ إليه قبلي، أو بالشهادة التي اختصَّه الله تعالى بها دوني، وهذه رُوحه تُبشِّر روحي بما أعده الله تعالى لي مما لم يَبلغه عملي ولا أحاط به فهمي، ولا استحققتُه بفعلي مما يعجزُ عن صفته قول. ثمَّ مدَّ يده وغَمضَ عينيه، وقُضيَ رحمة الله عليه.

ثمَّ إن عبد العزيز أفاق بعد طويل، فحضر غُسله وجهازه، ودفنه ورجع، ورجعنا معه، فمكث أيَّامًا لا يطعم ولا يتكلم، وحضرت صلاة الغَداة، فقام إلى جانبي في الصف، فسمعته يدعو بعد ما فرغ من الصلاة، وهو يقول: اللهمَّ لا تجمع عليَّ كرب الدنيا وعذاب الآخرة، وعجِّل خُروجي عن الدنيا سالِمًا منها إلى رِضاك ومغفرتك، وارحم غربتي وأجِب دعوتي، واجمع بيني وبينَ من أحبَّني فيك، وأحببتُه لك، ولا تُفرِّق بيني وبينه، واجعل اجتماعنا في محل الفائزين.

ثمَّ قال: أقسمتُ عليك ألا فعلت. ثمَّ خرَّ ساجِدًا فظننتُ أنه قد سَجَدَ وأطال السجود، فدنوت منه فحرَّكته، فإذا هو قد قُضي، فدفنتُه إلى جنب صاحبه، فكُنَّا حينًا من الدهر نتحدَّثُ بحديثهم، وبما وهب الله عز وجل لهم من الاجتماع في الدنيا والآخرة، وبما أفضوا إليه من الكرامة والرحمة.

قال: فمكثت سِنين أتمنَّى أن أرى واحِدًا منهم في منام، فرأيت عبد العزيز بن الشاه، وعليه ثيابٌ خُضرٌ وهو يَطير بين السماء والأرض، فناديته فوقف، فقلت: ما فعل الله بك؟

قال: غفر لي.

قلت: بماذا غفر لك؟

قال: بقول الناس فيَّ ما لا يعلمون، وبرَميهم إيَّاي بالإفك والظنون.

قلتُ: فما فَعَلَ محمد بن الحَسَن؟

قال: جمع الله بيني وبينه، وأنا وهو في درجةٍ واحدةٍ.

قلتُ: فما فعل أبو عبد الله الديلمي؟

قال: هيهات! ذاكَ رجُلٌ أُبيحَ له الجنَّةُ، فهو يسرَحُ فيها ويَحِلُّ منها حيثُ يَشاءُ.

قلتُ: وبم ذاك؟

قال: بما سَبَقَ له من السعادة، وبفضل أجرِ الشهادة، وبحفظه لفَرْجه عن الحرام، وطرفه ولسانه عن الآثام.

فقلت: كيف وجدت الموت؟

قال: هوَّنه الله عليَّ لِما عَلِمَ من ضعفي وطول حزني.

قلتُ: هل رأيت جَهَنَّم؟

قال: وهل الصراط إلا عليها، والورود إلا إليها؟ نعم قد رأيتها ووردتها، فما آلمني حَرُّها ولا أفزعني زَفيرُها.

قلت: فكيف كان ممرُّك على الصِّراط؟

قال: كما يجري الفرسُ الجواد على الأرض البسيطة التي ليس فيها حجَرٌ يُخافُ أن يُعثَر به.

قلت: هل رأيت مُنكَدِرًا الشَّعرَاني؟

قال: رأيته وسَلَّمت عليه، وما أقرب درجته من درجة أبي عبد الله الديلمي.

قلتُ: وبم أُعطي ذلك؟

قال: بغضِّه لطرفه وحِفظِه لفرجه.

قلت: فهل رأيت مُغلِّسًا الصوفي؟

قال: نعم، رأيته على فرسٍ من ياقوتٍ أحمر، يطيرُ به في الجنة.

فقلت له: أين تريد؟

فقال: أريد أن أستقبل أرواحَ قومٍ قُتِلوا في البحر.

قلت: وكيف أُعطي ذلك؟

قال: بفضلِ رحمة الله.

قلتُ: قد علمت أنه إنما نال ذلك بفضل الله تعالى وبرحمه.

قال: بكثرة البكاء ومُلازمة الدعاء وطول الظماء وصبره على البلاء.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.