تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

الهارب إلى ربه والآبق من ذنبه

أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي بن الحسين التَّوَّزِي بقراءتي عليه، قال: أخبرنا أبو الفتح يوسف بن عمر بن مسرور الزاهد القوَّاس، رحمه الله، قال: حدَّثنا أبو الفضل محمد بن أحمد بن محمد بن سهل إملاءً، سمعتُه من لفظه، قال: حدَّثنا سعيد بن عثمان بن عباس الخياط، قال: حدَّثنا أحمد بن محمد بن عيسى الإسكندراني واصله مصيصي، قال: حدَّثني منصور بن عمار، قال: بَينَا أنا سائرٌ في بعض طُرُقات البصرة إذا أنا بقصرٍ مُشيد، وخَدمٍ وعبيدٍ، وبسُمرِ القنا منصوبة وقِباب الأدمِ مضروبةً، وإذا حاجِبٌ قد جلس على كرسي من حديد، وثنى رِجلًا على رِجل، كأنه جبار عنيد، فهممتُ بأن أدنو من القصر، فصاح بي تجبُّرًا وتحكُّمًا: ويحك! أما كان لك قصدٌ غير هذا الطريق إلى غيره؟ قلت: هذا مَلِكٌ يموت والحي في السماء مَلكٌ لا يموت، والله لأدنونَّ من القصر، فأنظر لمن هو.

فقلت: لمن يكون هذا القصر؟

فقالوا: لملك البصرة، وابن سيدها.

فدخلت إليه فنظر إليَّ وأجال حماليق عينَيه، كأنهما عينا ظبي تتفرَّس إليَّ، فقال لي: لقد اجترأتَ عليَّ إذ نظرت إلى حرمتي.

فصرخ الغُلامُ صَرْخَةً، ثمَّ قال: يا طبيب قَتلتَني، وبأسهُم المنايا رَشقتني، فما أخطأت صميم كبدي، ويحك يا طبيب، ما أحرَّ مكاويك وأرشق نَبَلَك.

فقلت له: حبيبي، قد أعجبتك نشوَانُ، فلو نظرت إليها بعد ثالثة من وفاتها، وقد تمعَّط شعرُها، وسال صديدها وبَليَ بدنُها إذن لمقتَّها، أفلا أصِفُ لك نشوان الجِنَان التي ذكرها الله تعالى في القُرآن: إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا * لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ، جارية إذا خطرت مالت الأشجار إلى حُسن وجهها، وصَفَرَت الطيرُ إلى جمالها طربًا، وإذا وقَفَت وقفَ جاري الماء لوقوفها، وإذا مشت تبسَّمت الخضرةُ من تحت زِمام نَعلِها، ويكادُ ينطوي من رطوبة جسمِها، جاريةٌ خُلِقَت من الزَّعفَرَان والمسك الأذفر، بلا تَعَبٍ ولا نَصَب، فترى مجرى الدم منها كما ترى الخمرة في الزجاجة البيضاء، قال لها بارئ النسم: كوني، فكانت.

قال: فصاح الغُلام: يا طبيب قتَلتني، وبسهم المنايا رشقتني. ثمَّ ضرب بيده إلى أقبيته فشقَّها، ورمى بسيفه ومنطقته، ووثبَ قائِمًا على قدميه يرتعِدُ كالسَّعفة في يومٍ ريحٍ عاصِفٍ. ثمَّ قال: يا قصرُ! عليك السلام، قد هرَّبني هذا الطبيب الشفيق الرفيقُ.

قال منصور: فصرخَت نشوان صرخة من داخل القصر وقالت: يا مولاي، والله ما تُنصِفني، تهرُب وتترُكني، رويدًا مكانَك. فخرجت عليَّ نشوان، وقد قصَّرت من شعرِها، ثمَّ قالت: يا مولاي! من أراد السفر إلى بلدٍ قفرٍ هيَّأ الزاد، ومن أراد التوبة شمَّر لها.

قال منصور: ثمَّ هربا جميعًا، فخرجتُ إلى باب القصر، فإذا بالقُباب قد نُزعت وبالخيام قد رُفعَت، وبالحُجُب قد نُحِّيَت، فوقفتُ فناديت بأعلى صوتي: يا أيُّها الهارب إلى ربه، والآبق من ذَنبِه، لقد هربتَ إلى أكرمِ الأكرمين.

قال منصور: فلما كان بعد حولين كاملَين حججتُ إلى بيت الله الحرام، فبَينَا أنا في الطواف إذ سمعت صوتَ محزُونٍ مكروبٍ مغمومٍ، وهو يقول: إلهي وسيدي! نحل جسمي ودقَّ عظمي ورقَّ جلدي وخرجت من مالي رجاءَ أن تريني وجهك الكريم الجميل، وتجمع بيني وبين نشوان في الجنان.

قال منصور: فدنوت منه فقلت: يا غُلام، ما أقل حياءَك! بأي حقٍّ تطلب من ربك نشوان الجنان؟ فنظر إليَّ وبكى وقال لي: رفقًا يا طبيب! رِفقًا! هكذا تَضربُ بسوطِكَ جسمًا عليلًا، ثمَّ لا تَعرِفه؟ أنا والله مَلِكُ البصرة وابنُ سيدها.

قال منصور: فوالله ما عرفته إلا بخالٍ كان في وجهه، وقد نحل وذابَ جسمه، فقلت له: حبيبي، ما فعلت نشوانُك؟ فبكى: وقال: يا ابن عمَّار، والله لو رأيتَها ما عرفتها، فقد ذهب البُكا ببصرها، ومَحتِ الدموع محاسنَ وجهها.

فقلت له: حبيبي! ما كان أحوَجَني إلى رؤيتها. فأخذ بيدي فأوقفني إلى بابِ خيمة من الشَّعر، فقلتُ: أحبَّتي! بعد القُصور صرتم إلى خيامِ الشعر، قد أبلغتُم في العِبادة.

فخرجت نشوانُ من داخل الخيمة فقالت: بالله! أنت منصورُ بن عمَّار؟ فقلت لها: نعم! فقالت لي: يا منصور، أترَى ربي يُسكُنني الجنان ويُريني نشوان الجِنان؟ فقلت لها: جُدِّي في الطلب، وأحسني المعاملة، تخُدمكِ الوِلدان وتسكني الجِنان، وترَي نشوان الجِنان، وتزوري الله عز وجل الملك الديَّان.

قال منصور بن عمَّار: فشهقت شهقةً خرَّت منها ميِّتة بإذن الله. قال: فبكى الغلام وقال: بأبي والله مَن كانت مُساعدتي على الشدة والرخاء! ولم يتمالك الغُلامُ أن شهقَ أيضًا شهقةً خرَّ منها ميِّتًا.

قال منصور: فأخذنا في جهازِهِما، وغسلناهُما وكفَّنَّاهُما، وصلَّينا عليهما، ودفنَّاهُما رحمهما الله.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.