من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
الجارية المجنونة والزرع
أخبرنا القاضي أبو الحسين أحمد بن علي التَّوَّزِي بهذا الإسناد عن زُرَيْق الصوفي، عن عبد الواحد، قال: قال عتبة الغلام: خرَجتُ من البصرة والأُبُلَّة، فإذا أنا بخِباءِ أعرَاب قد زرعوا، وإذا أنا بخيمة، وفي الخيمة جاريةٌ مجنونةٌ عليها جبَّةُ صوفٍ لا تُباع ولا تُشترى، فدنوت فسلَّمت، فلم ترُدَّ السلام، ثمَّ وليتُ فسمعتُها تقول:
زَهِدَ الزاهدون والعابدوناإذ لمولاهُمْ أجاعوا البطونا
أسهَرُوا الأعيُنَ القريحة فيهفمضى ليلُهم وهُم ساهِرونا
حيَّرتهم محبَّة الله حتىعلم الناسُ أن فيهم جُنونا
هم ألِبَّا ذوو عقولٍ، ولكنقد شجاهُم جميعُ ما يعرِفونا
قال: فدنوتُ إليها فقلت: لمن الزرع؟ فقالت: لنا إن سلِم. فتركتها وأتيتُ بعض الأخبية، فأرخَّتِ السماء كأفواه القرَب فقلت: والله لآتينَّها فأنظر قصَّتها في هذا المطر، فإذا أنا بالزرع قد غرِق، وإذا هي قائمةٌ نحوه وهي تقول: والذي أسكن قلبي من طرف سحر بصفيَّ محبة اشتياقك، إن قلبي ليُوقِن منك بالرِّضا، ثمَّ التفتَت إليَّ فقالت: يا هذا! إنه زرعه، فأنبَته، وأقامه، فسنبلَه، ركَّبه، وأرسل عليه غيثًا فسقاه، واطلع عليه فحفظه، فلما دنا حصاده أهلكه. ثمَّ رفعت رأسها نحو السماء فقالت: العبادُ عبادُك، وأرزاقُهُم عليك، فاصنع ما شِئتَ! فقلتُ لها: كيف صبرك؟ فقالت: اسكت يا عُتبة.
إن إلهي لغنيٌّ حميدفي كل يومٍ منه رِزقٌ جديد
الحمدُ لله الذي لم يَزَليفعل بي أكثر مما أريد
قال عتبة: فوالله ما ذكرتُ كلامها إلا هيَّجتني.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع