من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
كمون الحب في الحشا
أخبرنا أبو الحسين أحمد بن علي الوكيل، قال: حدثا الحسن بن حسين بن حكمان قال: حدَّثنا أبو الفتح البصري قال: حدَّثنا إبراهيم بن محمد الصوفي قال: حدَّثنا أبو العباس بن عطاء قال: حُكيَ لنا عن الأصمعي قال: دخلتُ بعض أحياء العرب فإذا بقومٍ شُحبٍ ألوانُهُم، فقلتُ في نفسي: إن هؤلاء قد وقعوا على داء، فأنا أخرج من بينهم.
قال: فذهبتُ لأخرُج فإذا بعضُهم يقول لي: إلى أين يا أخا العرب؟ فقلت: أطلبُ لدائكم دواءً. فقال: ارجع عافاك الله، فإنا قومٌ ليس لدائنا دواءٌ، نحن قومٌ فَشَت في قلوبنا محبَّة الله فتغيَّرت ألواننا. قال الأصمعي: فأعجبني ما سمعت لأنني ما سمعت مثله قط. قال: فرجعتُ إلى الحي، ولم أزل أدورُ فرأيت خباءَ شَعر مُنفردًا عن البيوت، فقصدته فاطَّلعت فيه، فإذا أنا بفتًى حسنِ الوجه في عنقِه سلسلة مشدودةٌ إلى سِكَّةٍ في الأرض، قال: فهالني ما رأيتُ منه، فقلت: يا فتى، ما شأنك؟ فقال: يا ابن عمي! يقولون إنِّي مجنون! فقلت: أهو كما يقولون؟ فقال لي: لا والله ما أنا بمجنون، ولكني بحبِّ الله مفتون.
قال: قلت: فصِف لي الحب! قال: إليك عني يا أخا العرب، جَلَّ عن أن يُحَدَّ، وخفيَ أن يُرى، كمنَ في الحشا كُمون النار في الحجر، إن أقدحته أورى، وإن تركته توارى. ثمَّ صفَّق وأنشأ يقول:
أأنتَ الذي أصفيتُ منك مودَّةًقلائِعُها في ساحةِ القلب تُغرَسُ
وإن كان لي من فَقدِ قَلبيَ مُوحشٌفقد ظلَّ لي من فكرَتي فيك مؤنسُ
أناجِيكَ بالإضمار حتى كأننيأراك بعينَي فكرَتي حين أجلِسُ
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع