من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
سأل الله أن يبتليه
حدَّثنا أبو طاهر محمد بن محمد بن علي العلاف الواعظ من حفظه، قال: سمعت أبا الحسين محمد بن أحمد بن سمعون الواعظ شيخنا يقول: سمعت أبا عبد الله الغلفي، أو قال لي أبو عبد الله الغلفي بطرطوس صاحب أبي العباس بن عطاء يقول: سمعت أبا العباس بن عطاء يقول: قرأتُ القرآن، فما رأيتُ الله عز وجل ذكر عبدًا فأثنى عليه حتى ابتلاه، فسألت الله تعالى أن يَبتليَني، فقلت: اللهم ابتلِني واحفظني في ما تبتليني، فما مضت الأيام والليالي حتى خرج من داري نيفٌ وعشرون ما رجع منهم أحدٌ، وذهَب ماله، وذهب عقله، وذهب ولده وأهله.
قال أبو عبد الله الغلفي: فمكث بحكمِ الغلبة سبعَ سنين أو نحوها، فما رأيت أحدًا صحا بعد غَلَبَةٍ فنطق بالحكمة أحسن من أبي العباس بن عطاء، فكان أول شيءٍ قال بعد صحوه من غلبته:
حقًّا أقولُ لقد كلَّفتَني شططًاحملي هواك وصبري ذانٍ تعجيبُ
جمعتَ شيئينِ في قلبٍ له خَطَرٌنوعينِ ضِدَّين تبريدٌ وتلهيبُ
نارٌ تُقَلقِلُني والشوقُ يُضرِمُهافكيف قد جُمعا والعقل مسلوبُ
لا كنتُ إن كنتُ أدري كيف يُسلمنيصبري إليك كما قد ضُرَّ أيوبُ
لما تطاوَلَ بلواه اقشعرَّ لهافصاح من حَملِها غرثان مكروبُ
قد مسَّني الضر والشيطان يَنصب بيوأنت ذو رحمةٍ والعبد منكوبُ
قال لنا شيخنا أبو طاهر بن العلاف: قال لنا أبو الحسين بن سمعون رحمه الله: أظن كان بقيَ عليه من الغلبة شيء، فقال: لقد كلَّفتني شططًا، وأنا أقول: لقد حمَّلتني عَجَبًا.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع