من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
حنين المغنية الحسناء إلى بغداد
أخبرني أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الأندلسي بمصر، وكتبه لي بخطه قال: أخبرني أبو محمد اليزيدي قال: حدَّثنا الزبير قال: حدَّثني أبو علي بن الأشكري المضري، قال: كنتُ من جُلاس تميم بن أبي أوفى، وممن يَخفُّ عليه، فبعث بي إلى بغداد، فابتعت له هناك جاريةً رائعةً جِدًّا، فلمَّا حصلت عنده أقامَ دعوةً لجُلسائه، قال: وأنا فيهم، ثمَّ وُضِعَت الستارة، وأمرَها بالغِناء ليَسمع غناءها، ويُحاسِنَ الحاضرين بها، فغنَّت:
وبَدا له من بَعد ما اندَمل الهوىبرقٌ تألَّقَ موهنًا لَمعَانُه
يبدو كحاشية الرِّداء ودونَهصعبُ الذُّرَى مُتمنِّعٌ أركانه
فالنارُ ما اشتملَت عليه ضلوعهوالماءُ ما سَمحَت به أجفانه
قال: فأحسنَت ما شاءت، وطرب تميم وكل من حَضَر، ثمَّ غنت:
سيُسليكَ عما فات دولةُ مُفضِلٍأوائله محمودةٌ وأواخِرُه
ثنى الله عِطفَيهِ وألَّف شخصَهُعلى البرِّ مذ شُدَّت عليه مآزِره
قال: فطرب تميمٌ، ومن حَضَر طربًا شديدًا، ثمَّ غنَّت:
أستودع الله في بغداد لي قمرًابالكرخِ من فَلكِ الأزرار مطلِعُه
قال: فاشتدَّ طربُ تميم، وأفرط جِدًّا، ثمَّ قال لها: تمني ما شِئت، فَلَكِ مُتَمَنَّاك. فقالت: أتمنَّى عافية الأمير وبقاءه. فقال: والله لا بدَّ لك أن تتمني. فقالت: على الوفاء أيها الأمير بما أتمنَّى؟ فقال: نعم! فقالت له: أتمنى أن أغني بهذه النوبة ببغداد. قال: فاستنقعَ لونُ تميم، وتغيَّر وجهه، وتكدر المجلس، وقام وقُمنا كُلُّنا.
قال ابن الأشكري: فلحقني بعض خدمه، وقال لي: ارجع فالأميرُ يدعوك، فرجعت فوجدته جالسًا ينتظرني، فسلَّمت وجلست، فقال: ويحك، أرأيتَ ما امتُحِنَّا به؟ قلت: نعم أيها الأمير. فقال: لا بدَّ من الوفاء لها، وما أثقُ في هذا بغيرك، فتأهَّب لتحملها إلى بغداد، فإذا غنَّت هُناك فاصرِفْها. فقلتُ: سمعًا وطاعةً. قال: ثمَّ قمت وتأهَّبت وأمرها بالتأهُّب وأصحبها جارية سوداء تخدُمها، وأمر بناقةٍ ومحْمل، فأُدخلَت فيه، وجعلها معي، ثمَّ دخلنا الطريق إلى مكة مع القافلة، فقضينا حجَّنا، ثمَّ دخلنا في قافلة العراق، فلما وردنا القادسية أتَتْني السوداء عنها، فقالت: تقول لك سيِّدتي: أين نحن؟ فقلت لها: نحن نزول بالقادسية. فانصرفَت إليها وأخبرتها، فلم أنشب أن سمعت صوتها قد اندفع بالغناء:
لما وَرَدنا القادسيــةَ حيث مُجتمَع الرِّفاق
وشممتُ من أرض الحجاز نسيمَ أنفاسِ العراق
أيقنتُ لي ولمن أُحِــبُّ بجمعِ شملٍ واتفاقِ
وضَحِكتُ من فرحِ اللقاء كما بكيتُ من الفِراقِ
فتصايح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله! أعيدي بالله! فما سُمع لها كِلمة. قال: ثمَّ نزلنا بالياسِريَّة، وبينها وبين بغداد قريبٌ في بساتين متصلة من الناس فيَبيتون ليلتهم، ثمَّ يُبكِّرون لدخول بغداد. فلما كان قرب الصباح إذا أنا بالسوداء قد أتتني ملهوفةً، فقلت: ما لك؟ فقالت: إن سيِّدتي ليست حاضرة! فقلت: وأين هي؟ قالت: والله ما أدري. قال: فلم أُحسَّ لها أثرًا، فدخلت بغداد وقضيت حوائجي بها، وانصرفت إلى تميم فأخبرته الخبر، فعَظُم ذلك عليه، ثمَّ ما زال بعد ذلك ذاكِرًا لها واجمًا عليها.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع