تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

زوجتان من الحور العين

فبينَا هو كذلك إذ ضَحِكَ، فقلنا: إنه حي. ثمَّ مكث مليًّا ثمَّ ضحك، ثمَّ مكث مليًّا ثمَّ بكى، ففتح عينيه. فقلنا: أبشِر يا فُلان، فلا بأس عليك، لقد رأينا منك عَجَبًا، كُنَّا نظن أنك قد مُتَّ إذ ضَحِكتَ، ثمَّ مكثت مليًا. قال: إنِّي لمَّا أصابني ما أصابني أتاني رجلٌ فأخذ بيدي فمضى بي إلى قصرٍ من ياقوتةٍ، فوقف بي على الباب، فخرج إليَّ غِلمان مُشمِّرين لم أرَ مِثلَهُم، فقالوا: مرحبًا بسيدنا! فقلت: من أنتم بارك الله فيكم؟ قالوا: نحن خُلِقنا لك.

ثمَّ مضى بي حتى أتى بي قصرًا آخر، وخرج إليَّ منه غِلمانٌ مُشمِّرين هم أفضل من الأولين، فقالوا: مرحبًا وأهلًا بسيدنا! فقلت: من أنتم بارك الله فيكم؟ فقالوا: نحن خُلِقنا لك.

ثمَّ مضى بي إلى بيتٍ لا أدري من ياقوتٍ أو زَبَرجَدٍ أو لؤلؤٍ، فخرج إليَّ غِلمانٌ مشمِّرين سوى الأولين، فقالوا مثل ما قال الأولون، وقلت لهم مثل ذلك، فوقف بي على باب البيت فإذا بيتٌ مبسوطٌ في فُرشٌ موضوعةٌ بعضها فوق بعض ونمارِقُ مبسوطة، فأدخلني البيت وفيه بابان، فألقيتُ نفسي بين الوسادتين، فقال: أقسمت عليك إلا ألقيت نفسك فوق هذه الفُرُش، فإنك قد نَصِبتَ في يومك هذا. فقمت فاضطجعت على تلك الفرش على وِطاءٍ لم أضع جنبي على مثله قط.

فبَينَا أنا كذلك إذ سمعتُ حِسًّا من أحد البابين، فإذا أنا بامرأة لم أرَ مثل جمالها، وعليها حُليٌّ وثيابٌ لم أرَ مِثلَها، وأقبلت حتى وقفت عليَّ، ولم تتخطَّ تلك النمارق، ولكن أقبَلَت بين السماطين حتى وقَفَت وسلَّمت، فرددت عليها السلام. فقلت: من أنتِ بارك الله فيكِ؟ فقالت: أنا زوجتك من الحور العين. فضحكت فرحًا بها، فأقامت تحدِّثني وتُذكِّرني أمر نساء أهل الدنيا كأن ذلك معها في كتاب.

فبَينَا أنا كذلك إذ سمعتُ حِسًّا من الشق الآخر، فإذا أنا بامرأةٍ لم أرَ مثلها ولا مثل حليها وجمالها، فأقبلَت حتى وقفت كنحوِ ما صنعت صاحبتها، ثمَّ مكثتْ تحدِّثُني، فأقصرت الأخرى، فأهويتُ بيدي إلى إحداهما، فقالت: تأنَّ لم يأنِ لك، إن ذلك مع صلاة الظهر. فما أدري أقالت ذلك أم رُميَ بي إلى صَحراء، فلم أرَ منهم أحدًا، فبكيتُ عند ذلك.

فقال الرجل: فما صلَّيتُ الظهر أو عند الظهر حتى قبضه الله عز وجل.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.