تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

نوح داود

أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد الأردستاني بقراءتي عليه بمكة في المسجد الحرام، حدَّثنا أبو عبد الرحمن السلمي، حدَّثنا عبد الرحمن بن محبوب، حدَّثنا زكريا بن يحيى البزاز، حدَّثنا محمد بن الحسين، حدَّثنا سلمة بن شبيب، حدَّثنا محمد بن يحيى البصري، حدَّثنا عمرو بن جميع العجلي عن عامر بن يسار عن يحيى بن أبي كثير، قال: بلغنا أنه إذا كان يوم نَوحِ داود عليه السلام كان يمكث قبلَ ذلك لا يأكل الطعام ولا يَشرب ولا يقرب النساء، فإذا كان قبل ذلك بيوم أخرج له مِنبرًا إلى البرية، وأمرَ مُناديًا قبل ذلك بيوم ليستنفر في البلاد ومن حولها: ألا من أحب أن يسمع نَوح داود فليأت. فتأتي الوحوش والسباع والهوام والطير والرهبان والعذارى من خدورهنَّ، وبنو إسرائيل، كل صنفٍ على حِدتِه، فيُصغون إليه. قال: وسليمان قائمٌ على رأسه، فيأخذ في الثناء على الله عز وجل، فيضجُّون بالصراخ والبُكاء، ثمَّ يأخذ في ذكر الجنة فتموت طائفةٌ من الناس والوحوش والسباع والرهبان وطائفةٌ من العذارى، ثمَّ يأخذ في ذكر النار فتموت طائفةٌ منهم، ثمَّ يأخذ في أهوال القيامة والنَّوح على نفسه فتموت طائفة من هؤلاء ومن كل صِنف.

قال: فإذا رأى سُليمانُ ما قد كثُرَ من الموتى في كل فرقة نادى: يا أبتاه! قد مزَّقتَ المُستمعين كل ممزَّق من بني إسرائيل والوحوش والهوام والسباع. قال: فيقطع النَّوح ويأخذ في الدعاء.

قال: فبينما هم كذلك إذ ناداه بعض عُبَّاد بني إسرائيل: يا داود! عجَّلتَ على ربك تطلبُ الجزاء. فيخرُّ داود مغشيًّا عليه، فإذا نظر إليه سليمان وما أصابه أتى بسرير فحمله عليه، ثمَّ أمر مناديًا فنادى: من كان له مع داود حميمٌ أو قريبٌ فليأت بسرير، فإن الذين كانوا معه قد قتَلَهم ذكر الجنة والنار.

قال: فكانت المرأة تأتي بالسرير، فتقف على ابنها وأبيها وأخيها وهم أمواتٌ، فينادي: وا أبي! مَن قتَله ذكرُ النار، وا أبي! من قتله ذكر الجنة، وا أبي! من قتله ذكر الخوف من الله تعالى. حتى إن الوحوش ليجتمعنَ على من مات منهنَّ فيحملنه، وكذلك السباع والهوام.

قال: ثمَّ يتفرَّقون، فإذا أفاق داود من غشيتِه قال لسليمان: ما فعلت عُبَّاد بني إسرائيل؟ فيقول سليمان: يا أبتاه ماتوا عن آخرِهم. قال: فيقوم داود فيضع يده على رأسه، ثمَّ يدخل بيت عِبادته، ويُغلق عليه بابه ثمَّ يُنادي: يا إله داود! أغضبانٌ أنت على داود أم كيف ذا، إذ قصَّرتُ من الموتِ خوفًا منك.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.