من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
الجارية الصوفية
أخبرنا أبو القاسم عبد العزيز بن علي، حدَّثنا علي بن عبد الله بن الحسن الهمذاني بمكة، حدَّثنا محمد بن عبد الله الشكلي، حدَّثني محمد بن جعفر القنطري، قال: قال ذو النون: بَينا أنا أسيرُ على ساحل البحر، إذ بصُرتُ بجاريةٍ عليها أطمار شَعَرٍ، وإذا هي ناحلة ذابلة، فدنوت منها لأسمع ما تقول، فرأيتها مُتصلة الأحزان بالأشجان، وعصفَتِ الرياح واضطربَتِ الأمواج، وظهرَتِ الحيتان، فصرخت ثمَّ سقطت إلى الأرض، فلما أفاقت نحبَت، ثمَّ قالت: سيِّدي! بك تقرَّب المتقرِّبون في الخَلَوات، ولعظمتك سبَّحت النِّينان في البحار الزاخرات، ولجلال قُدسك تصافقَت الأمواج المتلاطمات. أنت الذي سجد لك سواد الليل وبياض النهار والفلك الدوار والبحار الزخار والقمر النوار والنجم الزهار وكل شيء عندك بمقدار، لأنك الله العلي القهار:
يا مؤنس الأبرار في خلواتهميا خيرَ من حطَّت به النُّزَّالُ
من ذاق حُبَّك لا يزالُ مُتيَّمًاقرح الفؤاد يعودُه بلبالُ
من ذاق حبك لا يُرى متبسِّمًافي طول حُزنٍ للحشا يَغتالُ
فقلت لها: مَن تريدين؟ فقالت: إليك عني. ثمَّ رفعت طرفها نحو السماء فقالت:
أحِبُّك حُبَّين، حب الودادوحُبًّا لأنك أهلٌ لذاكا
فأمَّا الذي هو حُبُّ الوِدادِفحُبٌّ شُغِلتُ به عن سواكا
وأمَّا الذي أنت أهلٌ لهفكشفُكَ للحُجْبِ حتى أراكا
فما الحمد في ذا ولا ذاك ليولكن لك الحمدُ في ذا وذاكا
ثمَّ شهقتْ شهقةً فإذا هي قد فارقت الدنيا، فبقيتُ أتعجَّبُ مما رأيت منها، فإذا أنا بنسوةٍ قد أقبلن وعليهنَّ مدارعُ العشر، فاحتملنها فغيَّبنَها عني فغسلنَها، ثمَّ أقبلن بها في أكفانها، فقلن لي: تقدَّم فصلِّ عليها. فتقدَّمت فصليت عليها، وهن خلفي، ثمَّ احتملنها ومَضَين.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع