تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

ضحيَّتا الهوى

وجدت بخط أبي عمر بن حَيُّوَيْهِ ونقلته منه، قال: حدَّثنا أبو بكر محمد بن خلف بن المَرْزُبان، أخبرني صالح بن يوسف المحاربي، قال: أخبرني أبو عثمان المازني، أخبرنا العتبي عن شبابة بن الوليد العذري، أن فتًى من بني عُذرة يُقال له أبو مالك بن النضر كان عاشِقًا لابنة عمٍّ له عِشقًا شديدًا، فلم يزل على ذلك مدة، ثمَّ إنه فُقد بضع عشرة سنة ولم يُحسَّ له خبر.

قال شبابة بن الوليد: فضلَّتْ إبل لي، فخرجتُ في طلبها، فبينا أنا سيرُ في الرمال إذا بهاتفٍ يهتف بصوتٍ ضعيفٍ وهو يقول:

يا ابن الوليد ألا تحمونَ جاركمُوتحفَظون له حقَّ القرابات
عهدي إذا جارُ قومٍ نابَهُ حدثٌوقَوه من كل أضرار المُلِمَّاتِ
هذا أبو مالك المُمْسي ببلقعةٍمع الضبِّاع وآسادٍ بغابات
طليحُ شوقٍ بنارِ الحب محترقٌتعتادُه زفراتٌ إثر لوعاتِ
أما النهارُ فيُضنيه تذكُّرهوالليل مُرتقِب للصبح هل ياتي؟
يَهذي بجارية من عُذرة اختلسَتفؤاده فهو منها في بَليات

فقلت: دلُّني عليه رحمك الله. فقال: نعم اقصد الصوت. فلما قصدت غير بعيد سمعت أنينًا من خباء فأصغيتُ إليه، فإذا قائلٌ يقول:

يا رسيس الهوى أذبتَ فؤاديوحشوتَ الحشا عذابًا أليمًا

فدنوت منه، فقلت: أبو مالك؟ قال: نعم! قلت: ما بلَغ بك ما أرى؟ قال: حبي سعاد ابنة أبي الهيذم العذري، فشكوتُ يومًا إلى ابن عمٍّ لنا من الحي ما أجد من حبها، فاحتملني إلى هذا الوادي منذ بضع عشرة سنة، ويأتيني كلَّ يوم بخبرها، ويُقوِّتني حفظه الله من عنده، فقلت له: إنِّي أصيرُ إلى أهلها فأُخبرهم بما رأيت. قال: أنت وذاك.

فانصرفتُ وصرتُ إلى أهل الجارية، فخبَّرتهم بحال الفتى وما رأيت منه، وحدَّثتهم حديثه، فرقُّوا له فزوَّجوه بحضرتي، ورجعتُ إليه عامدًا لأُفرِّج عنه لما رأيتُ منه، فلما أخبرته الخبر حدَّد النظر إليَّ، ثمَّ تأوَّه تأوُّهًا شديدًا بلغ من قلبي، ثمَّ أنشأ يقول:

الآن إذ حشرجَتْ نفسي وحاصرَهافِراقُ دُنيا وناداها مُناديها

ثمَّ زَفَرَ زفرةً فمات، فدفنتُه في موضعه ثمَّ انصرفت فأعلمتهم الخبر، فأقامت الجارية ثلاثًا لا تطعمُ طعامًا ثمَّ ماتت.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.