تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

كيف يقتل الفاسق

أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي بن السواق، رحمه الله، حدَّثنا محمد بن أحمد بن فارس، حدَّثنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم، حدَّثنا أبو بكر محمد بن خلف، حدَّثنا أبو بكر العامري، حدَّثنا عبد الله بن عمر، حدَّثنا أبو عباد شيخ قديم، قال: أدركتُ الخادم الذي كان يقوم على رأس الحَجاج، فقلت له: أخبرني بأعجبِ شيءٍ رأيتَ من الحجاج؟ قال: كان ابن أخيه أميرًا على واسط، وكان بواسط امرأةٌ يُقال: إنه لم يَكُ بها في ذلك الوقت امرأةٌ أجمل منها، فأرسل ابنُ أخيه إليها يريدها على نفسها مع خادمٍ له، فأبت وقالت: إن أردتَني فاخطُبني إلى إخوَتي، وكان لها إخوَةٌ أربَعةٌ، فأبى وقال: لا! إلا كذا، وعاوَدَها، فأبت إلا أن يخطبها إلى إخوَتها، فأما حرامٌ فلا، فأبى هو إلا الحرام، فأرسل إليها بهديةٍ فأخذَتْها فعزَلتها، ثم أرسل إليها عشية جُمعة أني آتيك الليلة، فقالت لأمها: إنَّ الأمير قد بَعثَ إليَّ بكذا وكذا، فأنكرت أُمُّها ذلك وقالت لإخوتها: إن أختكم قد زَعَمت كذا وكذا، فأنكروا ذلك وكذَّبوها، فقالت: إنه قد وَعدَني أن يأتيني الليلة فسترَونه.

فقعد إخوتها في بيتٍ حيال البيت الذي هو فيه، وفيه سراجٌ، وهم يَرَوْنَ من يدخل إليها، وجويرية لها على باب الدار قاعدة. حتى جاء الأمير فنزل عن دابته وقال لغلامه: إذا أذَّن المؤذن في الغَلس فأتني بدابتي. ودخل فمشت الجارية بين يديه، فقالت له: ادخل. فدخل وسيدتها على سريرٍ مُستلقية، فاستلقى إلى جانبها، ثم وضع يده عليها وقال: إلى كم هذا المطْل؟ فقالت له: كفَّ يدك يا فاسق. فدخل إخوتُها عليها ومعهم سيوفٌ فقطَّعوه ثم لفُّوه في نِطعٍ وجاءوا به إلى سِكَّةٍ من سِكَك واسط فألقَوه فيها.

وجاء الغلام بالدابة فجعل يَدُقُّ الباب دقًّا رفيقًا وليس يُكلِّمه أحد، فلما خشيَ الصبح وأن تُعرَفَ الدابة انصرف، وأصبحوا فإذا هم به، فأتوا به الحَجاج فأخذ أهل تلك السكة، فقال: أخبروني ما هذا؟ وما قصته؟ قالوا: لا نعلم ما حاله وما قصته. غير أنا وجدناه مُلقًى. ففطن الحجاج، فقال: عليَّ بمن كان يخدمه. فأُتي بذلك الخصي الذي كان الرسول، فقال: هذا كان صاحب سرِّه. فقال له الحجاج: اصدقني! ما كان حاله وما قصته؟ فأبى، فقال له: إن صدقتني لم أضرِب عنقك، وإن لم تصدُقني فعلتُ بك وفعلت. فأخبره الأمر على جهته، فأمر بالمرأة وأمها وإخوتها فجيء بهم، فعُزِلت المرأة عنهم، فسألها فأخبرته بمثل ما أخبر به الخصي، ثم سأل الإخوة على انفراد فأخبروه بمثل ذلك، وقالوا: نحن صنَعنا به الذي ترى. فصرفهم وأمر برفيقه ودوابِّه وماله وكلِّ قليلٍ وكثيرٍ له أن يُعطى للمرأة.

فقالت المرأة: عندي هديتُه التي وَجَّه بها إليَّ. فقال: بارك الله لكِ فيها وأكثر في النساء مثلك، هي لك، وكلُّ ما ترك من شيءٍ فهو لك، فأعطاها جميع ما ترك وخلَّى عنها وعن إخوتها، وقال: إن مثل هذا لا يُدفَنٌ، فألقوه للكلاب. ودعا بالخصيِّ فقال: أما أنت فقد قلت لك إني لا أضربُ عُنقَك، وأمَرَ بضربِ وَسطه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.