من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
حكاية: اسلم حبيش على بعد العيش
ذكر أبو عمر بن العباس بن حَيُّوَيْهِ الخزاز، ونقلته من خطه، أن أبا بكر محمد خلف بن المَرْزُبان حدثهم، قال: حدَّثنا أبو عبد الله محمد بن يوسف الكوفي، حدَّثنا الهيثم بن عدي، حدَّثني سعيد بن شيبان عن أبي مسعود الأسلمي عن أبيه، قال: نشأ فينا غلامٌ يُقال له عبد الله بن علقمة، وكان جميلًا، فهويَ جارية من غير فخذه يُقال لها حُبَيشة، فكان يأتيها ويتحدَّثُ إليها. قال: فخرج ذات يومٍ من عندها ومعه أمه، فرأى في طريقه ظبيةً على رابية، فأنشأ يقول:
يا أمَّنا خبِّرينا غير كاذبةٍولا تشوبي سَئول الخير بالكذِبِ
حُبيش أحسن أم ظبيٌ برابيةٍلا بل حُبيشة من دُرٍّ ومن ذهبِ
ثمَّ انصرف من عندها مرَّة أخرى، فأصابتْه السماء، فأنشأ يقول:
وما أدري إذا أبصرتُ يومًاأصَوبُ القطرِ أحسنُ أم حُبيشُ
حُبيشٌ والذي خلق البراياعلى أن ليس عند حُبيشَ عيشُ
فلما يئسوا من أن ينصرف عنها قال بعضُهم لبعض: عليكم بحُبيشة وطمعوا أن يأتوا الأمر من قِبَلها، فقالوا: والله لئن أتاكِ لا تَزرين به وتتجهمينه وتقولين له: أنتَ أبغض الناس إليَّ، فلا تقربني، ونحن بمرأى منك ومسمع، ليفعلنَّ بك ما يسوءُك. فأتاها فلم تُكلمه بشيءٍ مما قالوا، ولم تَزِد على أن نظرت إليه ونظر إليها، ثمَّ أرسلت عينيها بالبكى، فانصرف عنها وهو يقول:
وما كان حُبي عن نوالٍ بذلتهوليس بمُسليَّ التجهم والهجرُ
سوى أنَّ دائي منك داء مودَّةٍقديمًا ولم يُمزَج كما تُمزَجُ الخمرُ
وما أنسَ مِلْ أشياء لا أنسَ دمعَهاونظرتها حتى يُغيِّبني القبرُ
فبينما هما على أشد ما كانا عليه من الهوى والصبوة إذ هجَم عليه جيش خالد بن الوليد يوم الغُمَيصاء، فأخذ الغلامَ رجلٌ من أصحاب خالد، فأراد قتله، فقال له: ألمِم بي أهل تلك البيوت أقضي إليهن حاجة ثمَّ افعل ما بدا لك.
قال: فأقبلتُ به حتى انتهى إلى خيمة منها، فقال: اسلم حُبيش بعدَ انقطاع العيش. فأجابته فقالت: سَلِمتَ وحيَّاك الله عشرًا، وتسعًا وِترًا، وثلاثًا تترى، فلم أر مثلك يُقتَلُ صبرًا. وخرجَتْ تشتدُّ وعليها خِمارٌ أسودُ، وقد لاثته على رأسها، وكان وجهها مثل القمر ليلة البدر، فقال حين نظر إليها:
أرَيتُك إن طالبتُكم فوجدتكمببرزة أو إن لم تفُتْني الخرانقُ
أما كان حَقًّا أن يُنوَّل عاشِقٌتَكلَّف إدلاج السُّرى وهو راهقُ
فإنيَ لا سِرًّا لديَّ أضعتُهولا راق عيني بعد وجهك رائقُ
على أنَّ ما بات العشيةَ شاغلٌفلا ذكر إلا أن تكون تُوامِقُ
فها أنا مأسورٌ لديكِ مُكبَّلٌوما أنا بعد اليوم بالعتبِ ناطِقُ
فأجابته:
أرى لك أسبابًا أظنُّك مُخرِجًابها النفس من جنبيَّ والرُّوح زاهقُ
فأجابها فقال:
فإن يقتلوني يا حُبيش فلم يَدَعْهواكِ لهم مني سوى غُلَّة الصدرِ
وأنتِ التي قفَّلتِ جِلدي على دميوعظمي وأسبلتِ الدموعَ على النهرِ
فأجابته فقالت:
ونحن بكَينا من فراقِك مَرَةًوأخرى، وقايَسْنا لك العُسرَ باليُسرِ
فأنتَ فلا تبعد فنعم أخو النَّدَىجميلُ المُحيَّا في المُروءةِ والبِشْرِ
قال الذي أخبر به: فلما سمعتُ ذلك منهما أدركَتْني الغيرةُ، فضربتُه ضربةً، فقطعتُ منها يده وعُنقه، فلما رأتْه قد سقط قالت لي: ائذن لي أن أجمع بعضه إلى بعض. فأذنت لها، فجمعته وجعلت تمسحُ التراب عن وجهه بخمارها وتبكي، ثمَّ شهقت شهقةً خرجت معها نفسُها.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع