من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
موت جميل بثينة
أخبرنا أبو طاهر أحمد بن علي السواق، أخبرنا محمد بن أحمد بن فارس، حدَّثنا أبو الحسين عبد الله بن إبراهيم، حدَّثنا محمد بن خلف، حدَّثنا أبو بكر العامري، أخبرني أبو الحسن بن محمد بن أبي سيف، أخبرني أبو عبد الرحمن العجلاني، عن سهل بن سعد الساعدي، قال: بينا أنا بالشام إذ لقيَني رَجَلٌ من أصحابي فقال: هل لك في جميل تعودُه، فإنه ثقيل بالمرض؟ قلت: نعم! فدخلنا عليه، وهو يجودُ بنفسه، وما يُخيَّلُ إليَّ إلا أن الموت عَلِقَ به، فنظر إليَّ وقال: يا ابنَ سعد! ما تقول في رجلٍ لم يَزنِ قط، ولم يشرب خمرًا قط، ولم يَسفِك دمًا حرامًا قط، يشهد أن لا إله إلا الله وأن مُحَمَّدًا عبده ورسوله، منذ خمسين سنة؟
قال: قلت: مَن هذا الرجل؟ فإني أظنه والله قد نجا؛ لأن الله تعالى يقول: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا .
قال: أنا. قال: فقلت: والله ما رأيتُ كاليوم أعجب من هذا، وأنت تُشبِّب ببُثَينة منذ عشرين سنة.
قال: أنا في آخر يوم من أيام الدنيا وأول يوم من الآخرة، فلا نالتْني شفاعةُ محمد إن كنت وضعتُ يدي عليها لريبة قطُّ، وإن كان أكثر ما كان مني إليها أني كنتُ آخذُ يدَها أضعُها على قلبي فأستريحُ إليها.
قال: ثمَّ أُغميَ عليه، ثمَّ أفاق، فقال:
صدَعَ النعيُّ وما كنى بجميلِوثوى بمصرَ ثواءَ غير قَفُولِ
ولقد أجرُّ الذيل في وادي القُرىنشوانَ بَينَ مَزارعٍ ونخيلِ
قُومي بُثينة فاندبي بعويلِوابكي خليلك دون كل خليلِ
ثمَّ أغمى عليه فمات.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع