تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

أعشقُ من كثَيِّر عزَّة

أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قراءةً عليه، أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حَيُّوَيْهِ، حدَّثنا محمد بن خلف، أخبرني عبد الله بن محمد الطالقاني، أخبرني السري بن يحيى الأزدي، عن أبيه، عن المفضل بن الحسن المخزومي، قال: دخل كُثير عزَّة على عبد الملك بن مروان، فجعل يُنشده شعرَه في عزة وعيناه تذرفان، فقال له عبد الملك: قاتلَك الله يا كُثيِّر! هل رأيتَ أحدًا أعشق منك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، خرجتُ مرَّةً أسيرُ في البادية على بعيرٍ لي، فبينا أنا أسيرُ إذ رُفع إليَّ شخصٌ فأمَمتُه، فإذا رجلٌ قد نَصَب شَرَكًا للظباء، وقعد بعيدًا منه، فسلَّمت عليه فردَّ السلام، فقلت: ما أجلسكَ ها هنا؟ قال: نصبتُ شرَكًا للظباء فأنا أرصدها. قلت: إن قمت له لديك فصِدتُ أتُطعِمُني؟ قال: إي والله.

قال: فنزلتُ فعقلتُ ناقتي، وجلست أحدِّثه فإذا هو أحسنُ خلقِ الله حديثًا وأرقُّه وأغزله. قال: فما لبثنا أن وقعت ظبيةٌ في الشَّرَك، فوثب ووثبتُ معه فخلَّصها من الحبال، ثمَّ نظر في وجهها مليًّا، ثمَّ أطلَقها وأنشأ يقول:

أيا شِبهَ ليلى لن تُراعَي؛ فإننيلكِ اليوم من بين الوحوش صديقُ
ويا شبهَ ليلى لن تَزالي بروضةٍعليكِ سحابٌ دائمٌ وبُروقُ
فما أنا إذ شبَّهتُها ثمَّ لم تؤبسليمًا عليها في الحياة شفيقُ
فديتُك من أسرٍ دهاكِ لحُبِّهافأنتِ لليلى ما حَييتِ طليقُ

ثمَّ أصلح شَرَكَه، وعدَونا إلى موضعنا، فقلت: والله لا أبرح حتى أعرِف أمْر هذا الرجل. فأقمنا باقيَ يومنا فلم يقع شيء، فلمَّا أمسينا قام إلى غارٍ قريبٍ من الموضع الذي كُنَّا فيه، وقمت معه فبِتنا به، فلما أصبح غدَا فنَصَب شَرَكه، فلم يلبث أن وقعت ظبيةٌ شبيهةٌ بأختها بالأمس، فوثب إليها ووثبتُ معه، فاستخرَجها من الشَّرَك ونظر في وجهها مليًّا ثمَّ أطلقها فمرَّت، وأنشأ يقول:

اذهبي في كلاءة الرحمنأنتِ مني في ذمَّةٍ وأمان
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «اذهبي في كلاءة الرحمن»
تَرهبيني؟ والجيدُ منكِ كلَيْلىوالحشا والبُغامُ والعينان
لا تخافي بأن تُفاجَيْ بسوءٍما تغنَّى الحَمام في الأغصانِ

ثمَّ عُدنا إلى موضعنا فلم يقع يومَنا ذلك شيء، فلما أمسينا صِرنا إلى الغار فبِتْنا فيه، فلما أصبَحنا عدَل إلى شَرَكه، وغدوتُ معه، فنصبه، وقعدنا نتحدَّث وقد شغلني يا أمير المؤمنين حُسنُ حديثه عما أنا فيه من الجوع، فبِتْنا نتحدَّثُ إذ وقعت في الشَّرَك ظبيةٌ فوثَب إليها ووثبتُ معه، فاستخرجها من الشَّرَك، ثمَّ نظر في وجهها وأراد أن يُطلِقها، فقبضتُ على يده وقلت: ماذا تُريد أن تعمل؟ أقمتَ ثلاثًا كلما صِدت شيئًا أطلقته. قال: فنظر في وجهي وعيناه تذرفان وأنشأ يقول:

أتَلحى مُحِبًّا هائمَ القلب أن رأىشبيهًا لمن يَهواه في الحبل مُوثَقًا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أتلحى محبا هائم القلب أن رأى»
فلما دنا منه تذكَّر شجوَهوذكَّرَه مَن قد نأى فتشوَّقا
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أتلحى محبا هائم القلب أن رأى»

قال أبو بكر: وبيتٌ آخَرُ ذهب عليَّ، فرحمتُه والله يا أمير المؤمنين، فبكيتُ لبكائه ونسبتُه، فإذا هو قيس بن مُعاذٍ المجنون، فذاك والله أعشقُ مني يا أمير المؤمنين.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.