من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)
على قبر ابن سُريج
وقفنا على قبرٍ بدسم فهاجَناوذكَّرنا بالعيش إذ هو مُصْحَبُ
فجالت بأرجاء الجفون سوافحٌمن الدمع تَستبكي الذي تتعقبُ
إذا أبطأت على ساحة الخد ساقهادَمٌ بعد دَمعٍ إثرَه يتصبَّبُ
فإن تنفدا نندُب عُبيدًا بعَولةٍوقلَّ لها مِنَّا البُكا والتحوُّبُ
فلما أتى عليها نزل صاحبه فعقر ناقته، وهو رجلٌ من جُذام، يُقال له عُبيد الله بن المنتشر، فاندفع يتغنَّى عند الخلوات:
فارَقوني وقد عَلِمتُ يقينًاما لمن ذاق ميتةً من إيابِ
إن أهل الحِصابِ قد تركونيمودَعًا مولَعًا بأهل الحِصابِ
أهل بيتٍ تتابَعوا للمناياما على الدهرِ بعدهم من عِتابِ
سكَنوا الجِزعَ جزعَ بيت أبي موسى إلى الشِّعبِ من صفي الشباب
كم بذاك الحجون من حي صِدقٍمن كُهولٍ أعِفَّةٍ وشَبابِ
قال ابن أبي دباكل: فوالله ما أتم منها ثالثًا حتى غشيَ على صاحبه ومضى غير معرِّج عليه، حتى إذا فرغ جعل ينضح الماء في وجهه ويقول: أنت أبدًا منصوبٌ على نفسك من كلفاتِ ما ترى. فلما أفاق قَرَّبَ إليه الفرس، فلما علاه استخرج الجُذامي من خُرْجٍ على البغل قدحًا وإداوة، فجعل في القدح تُرابًا من تُرابِ القبر، وصب عليه ماء، ثمَّ قال: هاك! فاشرَب، هذه السلوة، فشرِبَ، ثمَّ جَعلَ الجُذاميُّ مثل ذلك لنفسه، ثمَّ نزل على البغل وأردفني فخرجنا، لا والله ما يُعرِّجان ولا يُعرِّضان بذكر شيءٍ مما كانا فيه، ولا أرى في وُجوههما مما كنتُ أرى قبلُ شيئًا.
قال: فلما اشتمل علينا أبطحُ مكة مَدَّ يَدَهُ إليَّ بشيءٍ، وإذا عشرون دينارًا، فوالله ما جلستُ حتى ذهبت ببعيري، واحتملت أداة الراحلتين، فبِعتُهما بثلاثين دينارًا.
النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع