تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

لم يُفرِّق بين المحبين

أخبرنا علي بن أبي علي المعدل، حدَّثني أبي قال: روى أبو رَوق الهراني عن الرياشي أن بعض أهل البصرة اشترى صبيَّة فأحسن تأديبها وتعليمها، وأحبَّها كل المحبة، وأنفق عليها حتى أملق، ومسه الضرُّ الشديد، فقالت الجارية: إنِّي لأرثي لك يا مولاي مما أرى بك من سوء الحال، فلو بعتَني واتَّسعتَ بثمني، فلعلَّ الله أن يصنع لك وأقع أنا بحيث يَحسن حالي، فيكون ذلك أصلح لكل واحدٍ مِنَّا.

قال: فحمَلها إلى السوق، فعُرضت على عمر بن عُبيد الله بن مَعمر التيمي، وهو أمير البصرة يومئذٍ، فأعجبَتْه، فاشتراها بمائة ألف درهم. فلما قبض المولى الثمن وأراد الانصراف، استعبر كلُّ واحد منهما لصاحبه باكيًا، وأنشأت الجارية تقول:

هنيئًا لك المال الذي قد حويتَهولم يبقَ في كفَّي غيرُ التذكُّرِ
أقول لنفسي وهي في عيشِ كُربةأقِلِّي، فقد بان الحبيبُ أو اكثري
إذا لم يكن للأمر عندكِ حيلةٌولم تَجِدي شيئًا سوى الصبر فاصبري

واشتدَّ بكاء المولى، ثمَّ أنشأ يقول:

فلولا قعود الدهر بي عنكِ لم يَكُنيُفرِّقنا شيءٌ سوى الموتِ فاصبري
أروحُ بهمٍّ في الفؤاد مُبرِّحٍأناجي به قلبًا طويل التفكُّر
عليكِ سلامٌ لا زيارة بينناولا وصلَ إلا أن يشاء ابن مَعمَرِ
للشاعر المغيرة بن حبناء، اقرأ القصيدة

فقال له ابن معمر: قد شئتُ، خُذها ولك المال. فانصِرفا راشدَين، فوالله لا كنتُ سببًا لفرقة محبِّين.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.