تجاوز إلى المحتوى

من «مصارع العشاق» لجعفر بن أحمد السراج (ت ٥٠٠هـ)

مدرك الشيباني وعمرو النصراني (٣)

أخبرنا القاضي أبو عبد الله القضاعي إجازةً، أخبرنا أبو يعقوب يوسف بن يعقوب بن خرزاد النحيرمي بقراءتي عليه، أخبرنا جعفر بن شاذان القُمِّي أبو القاسم، قال: كان عمرو بن يوحنا النصراني يسكن في دار الروم ببغداد، في الجانب الشرقي، وكان من أحسن الناس صورةً وأجملهم خَلقًا، وكان مُدرك بن علي الشيباني يهواه، وكان من أفاضل أهل الأدب، وكان له مجلس يَجتمعُ إليه الأحداث لا غَير، فإن حَضرَه شيخٌ أو كهلٌ قال له: إنه ليَقبحُ بمثلك أن يختلط بالأحداث والصبيان، فقم في حفظ الله.

وكان عمرو بن يوحنا ممَّن يَحضر مجلسه، فعشقه مُدرك، وهام به، فجاء عمرو يومًا إلى المجلس، فكتب مُدرك رقعةً وطرَحها في حجره، فقرأها فإذا فيها:

بمجالِسِ العِلمِ التيبكَ تمَّ جَمعُ جموعِها
ألا رَثَيتَ لمُقلَةٍغَرِقَتْ بماءِ دُموعِها
بَيني وبَينَكَ حُرمَةٌالله في تضييعها

فقرأ الأبيات، ووقَف عليها من كان في المجلس، وقرءوها واستحيا عمرو من ذلك، فانقطع عن الحضور، وغلب الأمر على مُدرِك، فترك مجلِسَه، ولزم دار الروم، وجعل يتَّبع عمرًا حيثُ سلك، وقال فيه قصيدة مزدوجة عجيبة، وله أيضًا في عمرو أشعارٌ كثيرةٌ، ثمَّ اعترى مُدرِكًا الوسواس وسُلَّ جسمُه، وذهبَ عقلُه، وانقطَعَ عن إخوانه، ولزم الفراش، فحضَرَه جماعةٌ فقال لهم: ألستُ صديقكم القديم العِشرة لكم، فما فيكم أحد يُسعدني بالنظر إلى وجه عمرو؟ فمضوا بأجمعهم إليه. وقالوا له: إن كان قتلُ هذا الفتى دينًا، فإنَّ إحياءه لَمروءة. قال: وما فعل؟ قالوا: قد صار إلى حالٍ ما نحسبُك تلحقُه، فلبسَ ثيابَه، ونهضَ معهم، فلمَّا دخلوا عليه سلَّم عليه عمرو، وأخذ بيده، وقال: كيف تجدك يا سيِّدي؟ فنظرَ إليه وأُغمي عليه ساعة، ثمَّ أفاق وفتح عينيه، وهو يقول:

أنا في عافية إلا من الشوْقِ إلَيكَا
أيها العائِدُ ما بيمِنكَ لا يَخفَى عَلَيكَا
لا تَعُد جِسمًا وَعُدقَلبًا رَهينًا في يَدَيكَا
كَيفَ لا يَهلِكُ مَرشوقٌ بسَهمَي مُقلَتَيكا

ثمَّ شهق شهقَةً فارَقَ الدنيا بها حتى دفنوه.

النص من طبعة مؤسسة هنداوي كما في «مدونة الكتب العربية الإلكترونية» (رخصة المشاع الإبداعي: نسب المصنف ٤٫٠)، والنص الأصلي في الملكية العامة، بعد حذف الحواشي. الرخصة · مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.