من «الفاخر» للمفضل بن سلمة (ت ٢٩٠هـ)
قولهم عذبة عذاب جرجس
كان من حديث جرجس فيما ذكر اسحاق بن بشر القرشي بإسناده عن وهب ابن منبه أنه كان رجلاً من أهل فلسطين على دين عيسى بن مريم في الفترة. وكان في تلك الفترة جبابرة قد ابتدعوا ديناً واتخذوا أصناماً يعبدونها من دون الله جل وعز، كل جبار على حياله.
وكان بالموصل جبار يقال له دادبة، عزيز الملك كثير الغلبة. ولم يأمن جرجس على نفسه عبدة الأوثان الذين ببلده فقال: لا اعلم ملكاً أمنع ولا أهيب في سلطانه من دادبة ببلد الموصل فأخرج فأكون في جواره. فخرج إليه وجاءه حتى دخل عليه فسلم فأنكره؛ ووافق ذلك يوماً قد جلس فيه يعرض الناس على دينه، فمن خالفه عذبه بأنواع العذاب.
لما رأى ذلك جرجس أعظمه وقطع به، ثم إنه شجع نفسه وقال: ما يسعني أن اكون في ذمة هذا، وقذف الله في قلبه بغضه واستحقار ما هو فيه، فقال له: اسمع أيها الملك بغير غضب، واملك نفسك حتى أبلغ ما أريد، ثم أنت بعد أعلم وما ترى. قال: نعم.
قال: أيها العبد الذي لا يملك لنفسه شيئاً ولا لغيره، إن لك رباً يملكك ويملك أهل السماء والأرض، وهو الذي خلقك ورزقك، ثم يميتك ويحييك، وإن شاء حال بينك وبين قلبك ولسانك. إنك عمدت إلى خلق من خلق الله ﷿، حجر أصم ابكم لا يسمع ولا يبصر ولا يغني، فنحته ثم زينته بالذهب والفضة ثم نصبته فتنة للناس، ودعوته ربا وشبهته بالله تعالى، وليس ينبغي أن تعبد من دون الله شيئاً. فافهم قولي وتدبره، ولا يمنعك خلاف ما تسمع مني لهواك أن ترد الحق.
قال دادبة: إنك جئت يا هذا مغتاظاً علينا مستصغراً لشأننا، فأزريت بنا وبإلهنا، فأخبرني من أنت؟ ومن أين أنت؟ قال جرجس: حق لي أن أغتاظ وأستصغر شانكم حين تعدلون بالله جل ثناؤه. فأما قولك: من أنا ومن أين أنا. فإني عبد الله ابن عبد الله وأمته، خلقت من التراب وإليه أعود، وهو النسب المعروف، إليه مصيرك ومصير العباد. فلم يزل الملك يراده ويحاجه، ويعرض عليه ملكه وهو لا يزداد إلا ثباتاً على ما هو فيه، وطعناً على إلهه ومذهبه.
فلما طال ذلك على الملك قال له: اختر إما أن تسجد لصنمي سجدة فتنظر كيف أثيبك عليها، وإما أن ألقيك في هذه النار وأعذبك بأنواع العذاب! فقال له جرجس: أنا لا أسجد إلا لمن خلق السماوات والأرض.
فلما يئس الملك منه أمر به فصلب على خشبة، وحمل على أمشاط الحديد يمشط بها لحمه وجلده حتى تقطع لحمه وعصبه، وهو ينضح من خلال ذلك بالخل والخردل. فلما رأى أن ذلك لم يقتله أمر بمسامير من حديد فأحميت، ثم سمرها في رأسه حتى سال دماغه. فلما رأى ذلك لم يقتله أمر بحوض من نحاس فأوقد عليه حتى جعل ناراً ثم أمر به فأدخل وأطبق عليه. فلما رأى أن ذلك لم يقتله، دعا به فقال: أما تجد لهذا العذاب الذي أعذبك به ألماً؟ قال: ألم أخبرك أن لك رباً هو أولى بك من نفسك؟ قال بلى! قال فهو الذي خفف عني عذابك وصبرني عليه ليحتج بي عليك غذ زعمت أن وليه ضعيف! ولك في هذا معتبر.
فلما قال ذلك خافه على ملكه وعزم على طرحه في السجن. فقال له الملأ من قومه: عن تركته في السجن طريحاً توشك أن يكيل بهم عليك، ولكن عذبه
في السجن بعذاب يشغله عنك. فأمر به فبطح على وجهه، ثم وتد في يديه ورجليه أربعة أوتاد، ثم بنى عليه أسطوان من رخام. فظل يومه في ذلك.
فلما كان الليل أرسل الله جل وعز إليه ملكاً فقلع ذلك عنه وأخرجه من السجن فأطعمه وسقاه، وقال له: اصبر فإن الله تعالى قد جعلك سيد الشهداء يوم القيامة، وقال إني مبتليك سبع سنين يعذبك فيها ويقتلك أربع قتلات كل ذلك أرد روحك إليك وأظهرك بالحجة عليه، لعله يتذكر أو يخشى. فإذا كانت الرابعة وفيتك أجرك، وأعطيتك على قدر ما أصابك.
فأقبل فدخل على الملك فقال له: يا جرجس من أخرجك؟ قال: من ملكه فوق ملكك وسلطانه فوق سلطانك؛ وإذا شاء حال بينك وبين قلبك ولسانك! فأمر به فوضع على مفرق رأسه ميشار فنشر حتى سقط بين يديه نصفين، ثم أمر به فقطع قطعاً، وله أسد ضارية فأمر بإلقائه غليها. فلما رمى نحوها خضعت الأسد وطأطأت رؤوسها وظهورها فكانت بينه وبين الأرض يومه. وجمع الله لحمه.
فلما كان الليل رد الله جل وعز عليه روحه وأطعمه وسقاه، فلم يشعر الملك وأصحابه حقاً وبئس القوم أنتم! فقالوا: هذا ساحر فاجمع السحرة. فدعا الملك بالسحرة، فلما رأوه قروا له وقالوا: ليس هذا من عمل السحر. ولم يزل الملك يعذبه بأنواع العذاب.
فلما انقضت السنون السبع دعا جرجس ربه أن لا يقبض روحه حتى يحرق القرية الظالمي أهلها. فلما فرغ من دعائه أمطر الله عليهم ناراً من السماء. فلما حسوا بالبلاء بادروا إليه فقتلوه ضرباً بالسيوف ليكومه الله جل وعز بأجر فعلهم.
النص من طبعة دار إحياء الكتب العربية بالقاهرة (١٣٨٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع