من «سفط الملح وزوح الترح» لابن الدجاجي (ت ٥٦٤هـ)
فاتحة الكتاب
قال الشيخ الإمام العالم الحبر الورع مهدي الدين جمال الإسلام، شمس العلماء، ناصر السنة ناصح الأمة بقية السلف الشيخ العراقين أبو الحسن سعد الله بن نصر بن سعيد بن علي بن الدجاحي الفقيه الواعظ أطال الله عمره ورفع في الدارين قدره، وأمتع بحياته ونفع بكلماته، وأعاد علينا من بركاته: الحمد لله حمداً يبلغ منتهى رحمته ورضوانه، وله الشكر شكراً لزيادة من نعمه وإحسانه، وله الفضل اعترافاً بأياديه وامتنانه، وله الثناء تقديساً لجلاله وعظم شأنه، الذي من بالعقول لمعرفة دلائله وبرهانه، ومهد الشرائع ترغيباً في طاعته، وترهيباً من عصيانه، وبعث محمداً ﷺ بالدين الحنيف، وتبيانه، وأيده بالمعجز الخارق وسلطانه، فأقام عهد الحق بتشييد أركانه، ودرس معالم الضلال بتشريك شيطانه، فصلوات الله عليه، وعلى آله، وأصحابه، وأعوانه، وعلى التابعين لهم بإحسان في إقامة الدين وإتقانه، صلاة باقية إلى ممر الأبد وطول زمانه. أما بعد: فإن الله في النفوس الملل، وطبع في القلوب السام، والضجر، فلا صبر لها على الفن المتخذ، ولا المقام على المعنى المنفرد، بل وضعت على التنقل، وطبعت على التفلت، حتى أطلق عنانها في فن من شهواتها، وأخرجت في أسلوب من لذاتها، لمالت عنه يميناً وشمالاً، وظلت عنه نقلة وارتحالاً، وتقلبت من المقام فيه، وتطلعت إلى سواه، وارتاحت إلى غيره. ولهذا قال ابن مسعود ﵁: "كان رسول الله ﷺ يتخولنا بالموعظة مخافة السامة".
وقال ﵇: "لا تحملوا من العمل ما لا تُطيقون فإن الله لا يمل، حتى تملّوا".
وقال أبو العتاهية: قال المأمون من شأن النفس الملل، وحب الاستطراق، فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، ولي في هذا المعنى بيت وهو:
لا يصلحُ النَّفسَ، إذ كانتْ مصرَّفةًإلا التَّنقُّلُ منْ حالٍ إلى حالِ
فأعجبه، وقد قال الشاعر:
ما سمِّيَ القلبَ إلاَّ منْ تقلُّبهِوالمرءَ إنسانٌ إلاَّ أنَّهُ ناسي
فلما كان هذا من شيمة القلوب، وسجية النفوس، ضمنت هذا المجموع فنوناً من أخبار الأنبياء، والأولياء، ووصايا العقلاء، والحكماء، وحكايات الخلفاء، والوزراء، وآثار النبلاء، والكرماء، وألفظ الفصحاء، والفضلاء، وأجوبة الألباء، والفهماء، وقرائح الفقهاء، والعلماء، ومنظوم طرائف الخطباء، والشعراء.
ولم أقصد استيفاء فن، ولا استطراده، ولا إفراد معنى من أشكاله، وأضداده بل أودعته محاسن ما وقع لي على اختلافه، وتنويع معانيه، وأصنافه، ووسمته [بسفط الملح وزوح الترح] ليكون راحة عند عدم المؤانسة وعوناً على المفاكهة، والمجالسة، والله بكرمه يتجاوز لنا عن الخطايا، والزلل، ويوفقنا لصالح القول، والعمل بمنه وكرمه، ورحمته وجوده، إنه جواد كريم.
روي عن النبي ﷺ أنه قال: "من تعلم باباً من العلم عمل به، أو لم يعمل به، كان أفضل من صلاة ألف ركعة. فإن عمل به، أو علمه، كان له ثوابه وثواب من عمل به إلى يوم القيامة".
وقال أبو الدرداء: قال رسول الله ﷺ: "كيف بك يا عويمر إذا قيل لك يوم القيامة. أعلمت، أو جهلت؟ فإن قلت قيل لك: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: قلت جهلت، قيل لك: فما عذرك فيما جهلت؟ ألا تعلمت؟ ".
قال عمر بن العزيز: ما من شيء إلا، وقد علمت إلا أشياء صغار، كنت أستحي أن يرى مثلي عنها، فيقي في جهالتها إلى الساعة.
قال لقمان لابنه: يا بني عليك بمجالس العلماء، فالزمها واسمع من كلام الحكماء، فإن الله تعالى، يحيي القلوب الميتة بنور الحكمة، كما يحيي الأرض الميتة بوابل السماء.
قال ابن شهاب: العلم أفضل من العمل لمن جهل والعمل أفضل من العلم لمن علم. قال رجل لأحمد بن حنبل ﵁: (أنسخ بالليل، وأصلي، فقال: إن كنت معلماً أنسخ) وكان يقال: لا يزال المرء عالماً ما دام في طلب العلم، فإذا ظن أنه قد علم، فقد جهل.
قيل: كتب زاهد إلى عالم صف لي الدنيا واجمع إليها الآخرة، وأوجز. فكتب إليه: الدنيا سنات، والآخرة يقظة، والمتوسط الموت، ونحن في أضغاث أحلام. وقال لقمان لابنه: يا بني إنك منذ سقطت إلى الدنيا استدبرتها واستقبلت الآخرة، وأنت إلى ما استقبلت أقرب منك إلى ما استدبرت.
قال علي ﵇: "لكل امرئٍ في ماله شريكان، الوارث، والحوداث".
نظمه ابن المعتز فقال:
يا مالُ كلُ جامع ووارثأبشرْ بريبِ وارثٍ وحادثِ
يقال: إن صحبة بليد نشأ مع العقلاء، خير من صحبة لبيب نشأ مع الجهال. قال أبو العيناء يوماً لعبد الله بن يحيى: أعز الله الوزير، نحن في العطلة مرحومون، وفي الوزراء محرومون، فمتى يكون الفرج؟ كان سعد بن عبادة يقول: اللهم ارزقني مجداً وحمداً، فإنه لا مجد إلا بمال، ولا حمد إلا بفعال قال بعضهم: تذاكرنا عند معون أفضل الأشياء، فقال الأحنف: أفضل الكلام قيل كيف، قال: لأن العقلاء أحسن ما خلق، والكلام ترجمانه. قال عبد الله بن عمر: اتقوا من تبغضه قلوبكم. وقال يحيى بن خالد البرمكي ﵀: إذا كرهتم الرجل من غير سوء أتاه إليكم فاحذروه، وإذا أحببتم الرجل من غير سوء أتاه إليكم فاحذروه وإذا أحببتم الرجل من غير سبق منه إليكم فارتجوه.
قيل إنه خرج المهدي إلى ماشيذان للصيد، فنصب الشبك، والأشراك للغزلان على الماء، فوردت لتشرب فوجدت ذلك، فتفرقت ونفرت، ثم عادت اليوم الثاني، والثالث وجهدها العطش. قال: فرآها الناس قد اجتمعت، ورفعت رؤوسها إلى السماء، تضج لضجيج أصواتها فنشأت سحابة في الوقت، وأرسلت وابلها، حتى ملأت الأرض، وشربت ورويت، ولم يلبث المهدي بعد ذلك إلا أياماً مات.
قيل لحكيم ما النعمة؟ قال: الأمن، فلا لذة لخائف، والغني، فلا لذة لفقير، والعافية، قلا لذة لسقيم. قالوا: زدنا قال: لا أجد مزيداً، وفي نسخة أخرى، والشباب، فلا لذة لشيخ. وروي في الآثار أنه "من أصبح آمناً في سربه معافى في بدنه، مالكاً قوت يومه فكأنما ملك الدنيا بحذافيرها".
وقد نظم المعنى بعض الشعراء فقال:
منْ نالَ منَ السِّربِ في دعةٍوأصابَ عافيةً منَ البلوى
وأناهُ قوتُ اليومِ في سعةٍفكأنَّما حيزتْ لهُ الدُّنيا
قال رجل للمنصور: الانتقام عدل، والتجاوز فضل، ونحن نعيذ أمير المؤمنين بالله من أن يرضى لنفسه بأوكس النصيبين دون أن يبلغ أرفع الدرجتين، وقال المأمون: لو علمت الرعية ما لنا في لذيذ العفو ما تقريت إلينا بغير الجنايات، وإني لأحسب أنني لا أجر لي لاستلذاذي به، وللمعنى:
لعمركَ ما بالمالِ يكتسبُ الغنىولا باتِّساعِ المالِ يكتسبُ الفضلُ
فكمْ منْ قليلِ المالِ تحمدُ بذلهُوآخرُ ذا مالٍ وليسَ لهُ بذلُ
وما سبقتْ منْ جاهلٍ قطُّ نعمةٌإلى أحدٍ إلاّ أضرّ بها الجهلُ
وذو اللُّبِّ إنْ لمْ يعطي أحمدتَ ودَّهُوإنْ هوَ أعطى زانهُ القولُ، والفعلُ
روي أنه دخل كعب الأحبار على عمر بن الخطاب ﵁ فقال له عمر: يا أبا إسحاق اجلس على هذه الوسادة، فتركها وجلس دونها، فقال له عمر: ما منعك مما قلت لك؟ قال: يا أمير المؤمنين: إن في حكمة آل سليمان ألا تكبر على السلطان، حتى يملك، ولا نقعد عنه، حتى ينساك، واجعل بينك وبينه مجلس رجل، أو رجلين، فعسى أن يأتيه من هو أولى منك بذلك، فتقام عنه، فيكون زيادة له ونقصاً عليك، فقال عمر: صدق الله تعالى: (وَمِن قَوْمِ مُوسَىَ أُمّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ).
قال سعد بن أبي وقاص لابنه: يا بني إذا طلبت الغني فاطلبه بالقناعة، فإن لم يكن لك قناعة فليس يغنيك مال.
مدح أعرابي رجلاً فقال: ذاك من شجر لا يخلف ثمره، ومن لا يخاف كدره. روي عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يزال المسروق منه في تهمة من هو برئ، حتى يكون أعظم جرماً من السارق".
قال أبو بكر الصديق لعمر بن الخطاب ﵁: إنني مستخلفك بعدي وموصيك بتقوى الله تعالى إن لله عملاً بالليل لا يقبله بالنهار، وعملاً بالنهار لا يقبله بالليل، وأنه لا يقبل نافلة، حتى تؤدي الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه يوم القيامة، باتباعهم الحق في الدنيا، وثقله عليهم عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه الحق ثقيلاً.
وإنما خفت موازين من خفت موازينه يوم القيامة، باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفته عليهم، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفاً، إن الله ﷿ ذكر أهل الجنة، فذكرهم بأحسن أعمالهم، وتجاوز عن سيئاتهم. فإذا أذكرتهم، قلت: إني أخاف ألا أكون من هؤلاء.
وذكر أهل النار فذكرهم بأسوأ أعمالهم، ولم يذكر حسناتهم، فإذا أذكرتهم قلت: إني لأرجو أن لا أكون من هؤلاء، وذكر آية الرحمة مع آية العذاب ليكون العبد راغباً راهباً، ولا تتمنى على الله ﷿ غير الحق، ولا تلقى بيدك إلى التهلكة، فإن حفظت وصيتي، فلا يكونن غائب أحب إليك من الموت، وهو آتيك، وإن أضعت وصيتي، فلا يكونن غائب أبغض إليك من الموت، ولست بمعجز الله ﷿.
قال رجل للمنصور: اتق الله فنكر وجهه، فقال يا أمير المؤمنين: عليكم نزلت، ولكم قيلت وإليكم ردت، قال علي ﵁: خصصنا بخمس: فصاحة وصباحة وسماحة وجدة وحظوة يعني عند النساء.
ليم مصعب بن الزبير على تطويل خطبته عشية عرفة. فقال: أنا قائم، وهم جلوس، وأتكلم، وهم سكوت، ويضجرون.
أخبرنا أبو غالب أحمد بن الحسن بن أحمد بن شادان، قال: أخبرنا أبو سهل أحمد بن محمد بن عبد الله بن زيادة القطان، قال: حدثنا محمد بن يونس، قال: أخبرنا محمد بن حجر الشامي قال: حدثنا علي بن منصور الأنباري قال: حدثنا عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن محمد بن كعب القرطي قال: بينما عمر بن الخطاب رضوان الله عليه في خلافته في المسجد، إذ مر في ناحية المسجد مار، فقال رجل من القوم: تعرف هذا المار يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ومن هو؟.
قال: رجل من أهل اليمن له فيهم شرف، وأصل، يقال له سواد بن قارب، وهو الذي أتاه ربه أن يخبر بالمغيبات من الحق بظهور رسول الله ﷺ فقال عمر علي به، فدعي بالرجل، فقال له: "أنت سواد بن قارب الذي أتاك ربك أخباراً من الجن بظهور رسول الله ﵇، قال: نعم يا أمير المؤمنين".
قال: فأنت على ما كنت من كهانتك، فغضب الرجل غضباً شديداً، وقال: والله ما استقبلني بهذا أحد منذ أسلمت، فقال عمر: يا سبحان الله ما كنا عليه من الشرك أعظم مما كنت عليه من كهانتك، أخبرنا بشأنك ورتبك، ومن أتاك حين أتاك بظهور رسول الله ﷺ؟ فقال: نعم، "بينما أنا ذات ليلة من الليالي بين النائم، واليقظان إذ أتاني آتٍ فضربني برجله وقال لي: قم يا سواد بن قارب وافهم إن كنت تفهم، واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول الله من لؤي بن غالب يدعو إلى الله وإلى عبادته".
ثم أنشأ يقول:
عجبتُ للجنِّ وتحساسهاوشدِّها العيسِ بأحلاسها
تهوي إلى مكةَ تبغي الهدىما طاهرُ الجنّ ككفارها
فارحلْ إلى الصَّفوةِ منْ هاشمٍواسمُ يعينيكَ إلى رأسها
قال، فلم أرفع رأساً بقوله، وقلت: دعني أنام فإني ناعس، فلما أقيلت الليلة الثانية ضربني برجله، وقال: قم يا سواد بن قارب واعقل إن كنت تعقل، قد بعث الله رسول الله من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول:
عجبتُ للجنِّ وأخبارهاوشدِّها العيسِ بأكوارها
تهوي إلى مكةَ تبغي الهدىما مؤمنُ الجنِّ ككفَّارها
فارحلْ إلى الصَّفوةِ منْ هاشمٍبينَ روابيها وأحجارها
قال: فلم أرفع به رأساً، فلما كنت الليلة الثالثة أتاني فضربني برجله وقال: قم يا سواد بن قارب واعقل إن كنت تعقل، إنه قد بعث رسول من لؤي بن غالب، يدعو إلى الله وإلى عبادته، ثم أنشأ يقول:
عجبتُ للجنِّ وطلابهاوشدَّها العيس بأقتابها
تهويْ إلى مكَّةَ تبغي الهدىما صادقُ الجنِّ ككذَّابها
فارحلْ إلى الصَّفوةِ منْ هاشمٍليسَ قداماها كأذنابها
فوقع في قلبي الإسلام ورغبت فيه، فلما أصبحت شددت على راحلتي، وانطلقت في طلب النبي ﷺ فلما كنت ببعض الطريق، أخبرت أن النبي ﷺ قد هاجر إلى المدينة، فلما دخلت المدينة سألت عنه، فقالوا: في المسجد، فأتيت المسجد فأنخت راحلتي على الباب، ثم دخلت المسجد، فإذا النبي ﵇ جالس، وأصحابه، فقلت: اسمع مقالتي يا رسول الله عليك، قال ادن، فلم يزل يدنيني، حتى صرت بين يديه، ثم قال: قل: فأنشأت أقول:
أتاني بجنٍّ بعدَ هدءٍ ورفدةٍولمْ يكُ فيما قدْ بلوتُ بكاذبِ
ثلاثُ ليالٍ قولهُ كلَّ ليلةٍأتاكَ رسولٌ منْ لؤيّ بنِ غالبِ
فشمَّرتُ منْ ذيلي الإزارُ، ووسَّطتُبي الذُّغلبَ الوجناءَ بينَ السَّباسبِ
فأشهدُ أنْ الله لا شيء غيرهُوأنَّكَ مأمونٌ على كلِّ غائبِ
وأنَّكَ أدنى المرسلينَ وسيلةًإلى الله يا ابنَ الأكرمينَ الأطايبِ
فمرنا بما يأتيكَ يا خيرَ منْ مشىوإنْ كانَ فيما جاءَ شيبَ الذوائبِ
وكنْ لي شفيعاً يومَ لا ذو شفاعةٍسواكَ بمغنٍ عنْ سواد بن قارب
قال: ففرح رسول الله (ﷺ بإسلامي فرحاً شديداً، وأصحابه، حتى رؤي الفرح في وجوههم، فقام إليه عمر فالتزمه وقال: والله لقد كنت أشتهي أن أسمع هذا الحديث منك، أخبرني عن رؤيتك اليوم، قال: منذ قرأت كتاب الله، فما رأيت شيئاً، فقال عمر: ونعم العوض كتاب الله من الجن.
قال رجاء بن حيوة لعبد الملك بن مروان في أسارى بن الأشعث: إن الله قد أعطاك من الظفر، والقهر ما تحب، فأعطه ما تحب من الصفح، والعفو، بعض الشعراء:
عطفتْ عليكَ النفسُ، حتَّى كأنَّمابكفَّيكَ بؤسٌ، أو لديكَ نعيمها
تبعتكَ، إذ عيني عليها غشاوةٌفلمَّا انجلتْ قطعتٌ نفسي ألومها
فإنِّي عن أقصيتني منْ ضراعةٍولا افتقرتْ نفسي إلى ما تسومها
قيل لعبد الله بن الأهتم ما السؤدد قال: رفع الأولياء، وحط الأعداء، وطول البقاء مع القدرة، والنماء، إذا قصرت بداك عن المكافآت فليبطل لسانك بالشكر. قيل: جلس المأمون مجلساً عاماً فقام إليه غلام من البرامكة، فقال: أحلنا سخط أمير المؤمنين المأمون، الماضي بدار هوان، فنحن بها يطرقنا الذل، وقد ألفت أنفسنا ذلك، فنحن، كما قالت بنت النعمان:
فبينا نسوسُ النَّاس، والأمرُ أمرناإذْ نحنُ فيهم سوقةٌ نتنصَّفُ
فأمر بانصرافه وبره. قال بزرجمهر: رأيت من أنوشروان خليقتين مباينتين لم أر مثلهما، رأيته يوماً، وقد دخل عليه بعض أساورته فتجاوز مرتبته، فأمر به، وحرم عطاءه، ثم رأيته، وأنا معه على سرير الملك في شيء من تدبير المملكة، فارتفع أصوات الخدم وحركة الحشم، فقطعونا عما كنا فيه.
فقلت أيها الملك رأيت بالأمس قد أمرت بفلان مع خدمته لأجل تجاوز اليسير من مرتبته، وأراك ساكناً، عن هؤلاء الخدم مع ضآلة حرمتكم وعظيم حرمتهم.
فقال: يا بزرجمهر إنا معاش الملوك حكام على رعيتنا وخدمنا، حكام على أرواحنا، فيكون منا في خلوتنا من التبدل ما لا طاقة لنا بدفعه عنا، فإن منعناهم وضيقنا عليهم تمنوا الراحة منا، وأمكنهم ذلك في المأكول، والمشروب، والملبوس فنحن نتجاور لهم عن الزلة، ونغفر لهم الخطيئة إشفاقاً على أرواحنا، فخر بزرجمهر ساجداً وقال: حق على من أخذ الملك بالسيف أن يكون عبداً لمن أخذه بالرأي، والحكمة وحسن التدبير.
قال سهل بن سعد الساعدي: لقيني رجل من أصحابي، فقال: هل لك في جميل؟ فإنه مثقل، فدخلنا عليه، وهو يجود بنسفه، فقال: ما تقول في رجل لم يزن قط، ولم يشرب الخمر، ولم يقتل النفس، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله ﷺ؟ فقلت: أظنه نجا، فمن هذا الرجل؟ قال: أنا، قلت: والله ما سلمت، وأنت منذ عشرين سنة تشبب ببثينة، قال: إني في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة، فلا نالتني شفاعة محمد ﷺ إن كنت وضعت يدي عليها لريبة قط، فما قمنا، حتى مات.
قال عمر بن عبد العزيز ﵀ لرجل: عظني، فقال: لا أصلح لذلك يا أمير المؤمنين، قال: لم؟ قال: لأني جلست لأصلي في المسجد، وكان إلى أحد جنبي غني، وإلى الآخر فقير، فجعلت أميل على الفقير، وأوسع على الغني.
روى أحمد بن حنبل ﵀ بإسناده، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: "في البطيخ عشرة خصال: هو طعام وشراب، وهو ريحان، وهو يغسل المثانة ويغسل البطن، وهو يكثر الماء للظهر، ويكثر الجماع، ويقطع الأمردة وينقي البشرة".
قال أمير المؤمنين علي كرم الله وجهه: إنما كانت دعوة المظلوم مستجابة، لأن المظلوم يقول: يا رب أعطني حقي، والله سبحانه لا يمنع ذا حق حقه، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵇: الراحة للرجال غفلة، وللنساء غلمة، وقال بزرجمهر: إن يكن الشغل مجهدة فالفراغ مفسدة. للمعنى شعر:
منَ النَّاس منْ لوْ يستشركَ فتجدْلهْ الرأيَ يستغششكَ ما لم تتابعهُ
فلا تمنحنَّ الرَّأيَ منْ ليسَ أهلهُفلا أنتَ محمودٌ ولا النّصحُ نافعهُ
قال أمير المؤمنين علي ﵇: لكميل بن زيادة، يا كميل قل لقومك يسروا في المكارم، ويدلجوا في حاجة من هو نائم، ف، والذي نفسي بيده، ما من عبد أدخل على قلب مؤمن سروراً، إلا خلق الله من ذلك السرور نوراً، فإذا نزلت به نازلة ابتدر إليها فطردها عنه، كما تطرد غريبة الإبل.
وقع بين المازني وبين أخ له جفوة، فغاب عنه أياماً، ثم جاء المازني وعند الرجل جماعة، فدق عليه الباب، فقال: أحسن الأشياء إن خفت من الإخوان جفوة طرحك للحشة عنهم، وشجى من غيره دعوة، التدلل في الطاعة خير من التعزز في المعصية.
كتب رجل إلى صديق له في ظهر شعر:
العذرُ في الظَّهر عندَ الحرِّ منبسطٌإذا رأى سطواتِ الدَّهر بالنِّعمِ
وما أضنُّ بوجهي لوْ جرى قلمي عليهِعنكَ، ولو أنَّ المدادَ دمي
يقال: عن التدبير مع الكفاف خير من الغنى مع الإسراف، كلم أعرابي خلد بن عبد الله، فخلط في كلامه، فلما أحس من نفسه بذلك، قال: لا تلمني أيها الأمير فإن معي ذل الاحتياج ومعك عز الاستغناء عني.
كان لعدي بن حاتم وليم، جمع فيها العرب، فقال لابن له حدث السن: قم بالباب، فامنع من لا تعرف، وائذن لمن تعرف، فقال: لا والله يا أبت لا يكون أول شيء وليته منع قوم من الطعام.
قال عمر بنى الخطاب رضي لله عنه: إذا توجه أحدكم في حاجة ثلاث مرات، فلم يصب خيراً فليدعها، ويقال: أحسن ما عوشر به الملوك البشاشة، وتخفيف المؤونة، قال الجنيد ﵀: إنما تطلب الدنيا لثلاثة أشياء: للغنى، والعز، والراحة، فمن زهد فيها عز، ومن قنع استغنى، ومن قل فيها سعيه استراح، قال عبد الملك بن مروان: خمس يقبحن من خمسة، ضيق ذرع الملوك، وسرعة غضب العلماء، وفحش النساء، ومرض الأطباء، وكذب القضاة.
أنشدنا شيخنا السعيد ناصح الإسلام أبو الخطاب محفوظ بن أحمد ﵀ للصابي:
وللسِّرِّ عندي فيما بينْ جنبيَّ مكمنٌقصيٌّ عصيٌّ عنْ مدارجِ أنفاسي
أضنُّ بهِ ضنّي بموضعِ حفظهِفأخفيهِ عن إحساسِ غيري وإحساسيْ
فيصبحُ كالمعدومِ لا مهتدي لهُيقينٌ، ولم يخطرْ لخلقٍ منَ النَّاس
كأنِّي منْ فرطِ احتياطي أضعتهُفبعضي لهُ ذاعٍ وبعضيْ لهُ ناسي
قال الجاحظ: حدثني يحيى بن خاقان، قال: مررت في بعض دروب بغداد، فاحتجت إلى المستراح، وضقت ذرعاً لحاجتي إليه، فقلت لبعض الغلمان، أطلب لي موضعاً، فاستفتح باباً ففتح لنا، ودخلت إلى دار حسنة التقدير، والبناء، وخرجت إلي جارية ظريفة حسنة طنجة.
فأدخلتني مستراحاً لطيفاً نظيفاً، وناولتني ماء في إبريق لطيف الصنعة، فلما خرجت ناولتني منديلاً وجاءت بطشت وإبريق، فتهيأت للصلاة، ثم أتتني بمرآة ومشط فلما فرغت وقمت للخروج، جعلت أشكرهم على جميلهم شكر من أولى معروفاً، فضحكت الجارية ضحكاً قهقهت فيه، فقلت مم تضحكين يا جارية؟ قالت: يا سيدي هذا الدعاء كله لأنك خريت عندنا، فلو تغديت أي شيء كنت تعمل؟ فضحكت، حتى كدت أن أسقط، وأعجبني ما كان، فدفعت فيها مالاً، فلم تبع ابن المعتز:
أهدتْ لكَ ظرائفاً بظرائفِجامينَ من لوزينجَ وقطايفِ
هذا دبيقيٌّ الثِّيابِ موشَّحٌبملاحقٍ صقلٍ وذا بمناشفِ
آخر:
وعهدي بها سكرٌ منَ الرَّاحِ والكرىفللبدرِ مثلي في أناملها عذرُ
فلمْ أدرِ إذ فاخرتهُ بجمالهاوفاخرني بالنُّور أيُّهما البدرُ
سوى أنْ عندَ الفجرِ غابَ ولم تغبْمكايدةً للفجرِ إذ طلعَ الفجرُ
أخذه من قول ابن الرومي:
أصفُ الحبيبَ ولا أقولُ كأنَّهُكلاً لقدْ أمسى من الأفرادِ
إنِّي لأستحيي محاسنَ وجههِأنزِّهها عنِ الأندادِ
يروي أن المنصور دعا الربيع يوماً، فقال له: سلني ما تريد، فقد سكت، حتى نطقت، وخففت، حتى ثقلت، وأقللت، حتى أكثرت، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أرهب بخلك، ولا أستقصر عمرك، ولا أستصغر فعلك، ولا أغتنم مالك، وأن يومي لفضلك علي لأحسن من أمسي، وغدي في تأميلي لأحسن من يومي، ولو جاز أن يشكرك مثلي لغير الخدمة، والمناصحة، ما سبقني على ذلك أحد، فقال له المنصور: صدقت علمي بهذا منك، أحلك مني هذا المحل، فسلني عما شئت.
قال: أسألك أن تقرب عبدك الفضل، وتوده، وتحبه. فقال: يا ربيع إن المحبة ليست بمال يوهب، ولا رتبة تبذل، وإنما توجد لأسباب، قال فاجعل لها طريقاً إليه بالفضل عليه، قال: صدقت الآن، وقد وصلته بخمسمائة ألف درهم، ولم أصل مثلها لأحد عمومتي، ليعلم ماله عندي، فيكون عنده ما تستدعي محبتي، وكيف سألت المحبة يا ربيع؟ قال: لأنها مفتاح كل خير، مغلاق كل شر يستر بها عندك عيوبه، وتصير ذنوبه حسنات. فقال: صدقت، وقد أويت ما أردت، ومات الربيع في أيام الهادي، لنصر بن أحمد:
ولي حاجةٌ لمْ أطقْ ذكرهاحياءً وقد أخذتُ بالكظمِ
أهابكَ فيها لأنَّ الكريمَيهابُ وإنَّ كانَ لا يحتشمِ
لساني تلجلجَ عنْ ذكرهافترجمتها بلسانِ القلمِ
لما قدم مازيا بن قارن لضرب عنقه، قيل للمعتصم: إن وراءه أموالاً جمة، فلو أمر أمير المؤمنين بتقريره لها، ثم يقتله، فقال المعتصم متمثلاً:
إنَّ الأسودَ أسودُ الخيلِ همَّتهايومَ الكريهة في المسلوبِ لا السَّلبِ
يقال: اصحب من ينسى معروفه عندك، ويذكر حقوقك عليه، ويقال الكريم ينسى فواضل لقمه، ولا ينسى حرمة خدمه، سأل محمد بن الهيثم أبا هشام الحراني ألك مال؟ فقال: أما مال فليس لي، ولكن عندي صيانة تستر الخلة، وتقدير يكثر القليل وصبر ترجى به الأيام. قال المأمون: الحلم يحسن بالملوك إلا في ثلاثة أشياء، قادح في دولة، أو مذيع لسر، أو متعرض الخدمة لبعضهم.
إذا استنكرتَ حالاً منْ صديقٍفلستَ عن التنَّجنُّبِ في مضيقِ
طريقاً كنتَ تسلكهُ قديماًفاشنعْ فاعتزلهُ إلى طريقِ
يقال: ثلاثة أشياء تورث المحبة، الذين، التواضع، والبذل، ويقال: سادة الدنيا الأسخياء، وسادة الأتقياء لبعضهم:
أيُّها المرءُ كنْ لما لستَ ترجو منْنجاحٍ أدجى لما أنتَ داجي
إنَّ موسى مضى ليقتبسَ النَّارَلضوءٍ رآهُ والليلُ داجي
فأتى أهلهُ وقد كلَّم اللهوناجاهُ وهو خيرُ مناجي
وكذا الهمُّ كلَّما اشتدَّ بالعيدِدنتْ منهُ ساعةُ الانفراجِ
كان النبي ﷺ: "لا يقطع على أحد حديثه، حتى يجود، فيطعه نهي، أو قيام" قال بعضهم: الحوائج تطلب بالرجاء، وتدرك بالقضاء. لبعضهم:
وكنتُ إذا خاصمتُ خصماً كببتهُعلى الوجهِ حتَّى خاصمتني الدَّراهمُ
فلمَّا تنازعنا الخصومةَ غلبتْعليَّ، وقالوا قمْ فإنَّك ظالمُ
ومما يقارب المعنى:
ما منْ صديقٍ وإنْ تمَّتْ صداقتهُيوماً بأنجحَ في الحاجاتِ منْ طبقِ
إذا تلثَّمَ بالمنديلِ منطلقاًلم يخشَ نبوةَ بوَّابٍ ولا غلقِ
قال رجل لرجل قصده: ما قصرت بي همة صيرتني إليك، ولا أخرتني ارتياد دلني عليك، ولا قعد بي رجاء قادني إليك وحدا بي إلى بابك.
روى الإمام أبو عبد الله بن بطة، في كتابه (كتاب): الإبانة عن أبي بكر الصديق ﵁ أنه قال: مثلنا ومثل الأنصار، كما قال المنوي لنبي جعفر:
جزى الله عنَّا جعفراً حينَ أسفرتْبنا نعلنا في الواطئينَ فزلَّتِ
أبوا أنْ يملُّونا ولو أنَّ أمَّناتلاقي الّذي لاقوهُ منَّا لملَّتِ
وذكر أحمد بن عبد الله العزيز، في (كتاب): التعازي بإسناده عن هارون بن هلال الجزري، قال: لما قبض النبي ﷺ رثته أم المؤمنين عائشة ﵁ فقالت:
قدْ كنتَ ذاتَ حميَّةٍ ما عشتَ ليأمشي السَّراحَ وأنتَ كنتَ جناحي
فاليومَ أخضعُ للضعيفِ وأتَّقيمنهُ، وأدفعُ ظالمي بالرَّاحِ
وإذا دعتْ قمريَّةٌ شجناً لهاليلاً على غصنٍ بكيتُ صياحي
وقد ذكر أن الشعر لفاطمة الخزاعية، وفيه زيادة لحد البيت الأول:
قدْ كنتَ لي جبلاً ألوذُ بظلِّهِفتركني أمشي بأجردَ ضاحي
تعني بأجرد أي لا نبات عليه وضاحي تحت السماء تصيبني الشمس بحرها. روي أن حسان بن ثابت كان يخضب شاربه وعنفقته بالحناء، قال: لأكون كأني أسد، والغ في دم.
قيل: إن عبد الملك بمن مروان كان أشد الناس حباً لزوجته، عاتكة بنت يزيد بن معاوية، وهي أم يزيد عبد الملك، فغضبت يوماً على عبد الملك فشكا إلى خاصته، فقال عمر بن بلال الأسدي، وكان من خواص خلوته، ما الذي لي عندك إن رضيت عاتكة؟ فقال: حكمك. فأتى عمر بابها، وجعل يتباكى، وأرسل إليها يعرفها حضوره ببابها، فخرجن إليه خاصتها وجواريها وقلن: مالك؟، وما حاجتك؟ قال: إني إلى عاتكة ورجوتها، وقد علمت مكاني من أمير المؤمنين معون جدها، ومن ولده بعده، قلن: وما الذي ونزل بك؟ قال: ابناي لم يكن لي غيرهما، فقتل أحدهما صاحبة، وقال أمير المؤمنين: أنا قاتل الآخر به، فقلت أنا الولي، وقد عفوت.
قال: لا أعود الناس هذه العادة، وقد رجوت أن ينجي الله ابني هذا الذي لا يبق لي سواه عل يدها وبشفاعته، فدخلن فذكرن لها ذلك، فقالت: كيف أصنع بغضبي عليه، وما أظهرت له من التعتب، فقلن: إذن، والله يقتل ولده، فلم يزلن، حتى دعت ثيابها، ثم خرجت، وأقبل خديج الخادم الخصي فقال: يا أمير المؤمنين، هذه عاتكة قد أقبلت، قال: ويلك ما تقول؟ قال، والله قد طلعت.
فقال: فأقبلت وسلمت فلم يرد فقالت: والله لولا يعلم عمر ما جئت إليك، كيف تقتل ولده بالآخر يا أمير المؤمنين، وهو الولي، وقد عفا؟ فقال: إني أكره أن أعود الناس هذا، قالت: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، فقد عرفت مكانه من أمير المؤمنين أبي وجدي، وهو ببابي، فلم تزل، حتى أخذت رجله فقبلتها.
فقال: هو لك، ولم يبرحا، حتى اصطلحا، ثم راح عمر بن بلال على عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين كيف رأيت؟ قال: رأينا أثرك وثمرة توصلك فهات حاجتك، قال: مزرعة بعيرتها، وما فيها، وألف دينار وفرائض لولدي، وأهل بيتي وعيالي، قال: ذلك لك، ثم اندفع عبد الملك ينشد متمثلاً بشعر كثير:
وإنِّي لأرعى قومها منْ جلالهاوإنْ أظهروا غشَّاً نصحتُ لهمْ جهدي
ولوْ حاربوا قومي لكنتُ لقومهاصديقاً، ولم أحملْ على قومها حقدي
كان الحكم بن عبد الماء الشاعر هجاء، وكان أعوراً أحدب، قال العتبي: إنه ترك الوقوف بأبواب الملوك، وكان ينفذ عصاه وعليها مكتوب حاجته مع رسول، فلا تقف له حاجة، ولا يحبس له رسول، فقال في ذلك يحيى بن نوفل:
عصا حكمٍ في الدَّارِ أوًّلُ داخلونحنُ على الأبوابِ نقصي ونحجبُ
وكانتْ عصا موسى لفرعونَ لآيةًوهذا لعمرو الله أدهى، وأعجبُ
تطاعُ، ولا تعصى، ويحذرُ سخطهاويرعبُ في المرضاءِ منها، ويرهبُ
لبعضهم:
اسكنْ إلى سكنٍ تلذُّ بهِذهبَ الزَّمانُ وأتتْ منفردُ
ترجو غداً وغدٌ كحاملةٍفي الحيِّ لا يدرونَ ما تلدُ
روي أن سبحانه وائل مدح طلحة الطلحات الخزاعي فقال:
يا طلحُ أكرمُ منْ مشىحسباً وأعطاهمْ لتالدِ
منكَ العطا فاعطنيوعليَّ حمدكَ في المشاهدِ
فقال طلحة: احتكم، فقال: برذونك الورد وغلامك الخباز وقصرك بزرنج وعشرة آلاف درهم، فقال له طلحة: أف لك لم تسلني على قدري، إنما سألتني قدرك وقدر بأهله فلو سألتني كل قصر لي، وعبد لي، ودابة لي، لأعطيتك، ثم أمر له بما سأل، ولم يزده شيئاً، ثم قال طلحة: تالله ما رأيت مسألة محكم ألأم منها.
روي الدارقطني بإسناده في الأفراد عن النبي ﷺ أنه قال: اقبلوا الكرامة، وأفضل الكرامة الطيب، أخفه محملاً، وأطيبه رائحة".
لقد أجاد، وأحسن عبيد بن أيوب حيث قال:
وأوَّلُ خبثِ المالِ خبثُ ترابةوأوَّلُ لؤمِ المرءِ لؤمُ الحوائلِ
وكذا قول بشار بن براد:
وبدءُ فسادِ الطِّفلِ منْ عرقِ أمِّهِوحاضنةٍ تغدوهُ بالذلِّ والملقِ
قيل: إن زياد بن ظبيان، قال لابنه عبيد الله، وهو غلام، وأبوه لما به حين نزل به الموت: ألا أوصي بك الأمير زياد؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: لأنه إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت. فالحي هو الميت. ولما وفد عمر بن سعيد بعد وفاة أبيه على معاوية بن أبي سفيان، قال له معاوية: إلى من أوصى بك أبوك؟.
فقال: إن أبي أوصى إلي، ولم يوصي لي، قال: فما كانت وصيته إليك؟ قال: أوصى إلي أن أقضي دينه، ولا يفقد إخوانه منه إلا عينه، فقال معاوية: إن ابن سعيد هو الأشدق. ودخل المعتصم إلى دار خاقان بن أبي مزاحم عائداً له، فرأى ابنه، وهو صبي فقال له: أيما أحسن دار أمير المؤمنين أم دار أبيك؟ فقال: ما دمت في دار أبي فهي أحسن.
قال الحجاج لمعلم أولاده: علمهم السباحة قبل الكتابة، فإنهم إن يبلغوا يجدوا من يكتب، ولا يجدوا من يسبح. وهذا أخذه من كتاب كتبه ﵇ إلى سائر الأمصار: علموا أولادكم السباحة، والفروسية ورووهم ما سار من المثل وحسن السير، ما أحسن، قول إبراهيم بن العباس الصولي شعر:
ولكنَّ الكريمَ أبا هشامٍوفيُّ العهدِ مأمونُ المغيبِ
غنيٌّ عنكَ ما استغننتَ عنهُوطلاَّعٌ إليكَ مع الخطوبِ
قال الأصمعي: لما أعاد النابغة إلى النعمان بعد أن لحق بآل جفنة، أذن له في الدخول عليه، فلما انتصب بين يديه، حياه بتحية الملك، ثم قال: أبيت اللعن أي صاحب لخم، وأنت سائس الحسب وغرة الأدب، واللات لأمسك أسمن من يومه، ولعبدك أكرم من قومه، ولقفاك أحسن من وجهه، وليسارك أسمح من يمينه، ولوعدك أنجح من رفده، ولهزلك أصوب من جده، ولنفسك أمنع من جنده، ولاسمك أشهر من قدره، وليومك أشرف من دهرك، ولفترك أبسط من شبره، ثم قال:
أخلاقُ مجدٍ تجلَّتْ ما لها مثلُفي الجودِ والنَّاس بينَ العلمِ، والحضرِ
متوَّجٌ بالمعالي فوقَ مفرقهِوفي الرَّدى ضيغمٌ في صورةِ القمرِ
قال: فتهلل بالنعمان السؤدد، ثم أمر به فحشى فمه بالدرر، ثم قال: بمثل هذا يمدح الملوك، قيل المال يغطي عيوبك، ويزين أمرك، قال: جبريل ﵇: قال الله تعالى: (إن هذا الدين ارتضيته لنفسي، ولن يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق، فأكرموه بهما ما استطعتم).
وقال ﵇: عن من موجبات المغفرة يبذل الطعام وإفشاء السلام، وحسن الكلام. وقال ﵇: الرزق إلى مطعم الطعام أسرع من السكين إلى سنام البعير، وفي لفظ إلى ذروة البعير، وأن الله ليباهي بمطعم الطعام الملائكة.
وروى ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "إن لله عباداً يخصهم بالنعم لمنافع العباد، فمن بخل بتلك المنافع نقلها الله إلى غيره".
وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله جعل للمعروف وجوهاً من خلقه، وحبب إليهم فعاله، ووجه طلاب المعروف، ويسر عليهم، كما يسر الغيث إلى البلدة المجدبة فيحييها، ويحيي بها أهلها".
وروي أنه أتى النبي ﵇ بأسرى [بني] العنبر فأمر بقتلهم، وأفرد منهم رجلاً، فقام علي ﵇، فقال: يا رسول الله، الرب واحد، والدين واحد، والذنب واحد،، فما بال هذا من بينهم؟ فقال: "نزل علي جبريل، فقال: اقتل هؤلاء واترك هذا، فإن الله شكر له سخاء فيه".
قال علي ﵇: إذا أقبلت الدنيا فانفق فإنها لا تغني، وإذا أدبرت فانفق فإنها لا تبقى، وأنشد:
لا تبخلنَّ بدنيا، وهي مقبلةٌفليسَ ينقصها التَّدبيرُ، والسَّرفُ
وإنْ تولَّتْ فأحرى أنْ تجودَ بهافالحمدُ منها إذا ما أدبرتْ خلفُ
دفع رجل إلى حسين الحسين بن علي ﵇ رقعة فقال: حاجتك مقضية، فقيل: يا ابن بنت رسول الله، لو نظرت في الرقعة، ثم رددت الجواب على قدر ذلك، يسألني الله عن ذل مقامة بين يدي، حتى أقرأ رقعته.
قال حذيفة: رب فاجر في دينه أخرق في معيشته يدخل الجنة بسماحته، وقال الحسن البصري: بذل المجهود في دفع الموجود منتهى الجود. وقال عمر بن عبد العزيز بن مروان إذا الرجل أمكنني من نفسه، حتى أمنع معروفي عنده فيده عندي مثل يدي: وقال المهدي لشبيب بن شبة: كيف رأيت الناس في داري؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن الرجل ليدخل راجياً، ويخرج راضياً، ويمثل رجل عند عبد الله بن جعفر بهذين البيتين:
إن الصَّنعةَ لا تكونُ صنيعىًحتَّى يصابَ بها طريقُ المصنعِ
فإّذا اصطنعتً صنيعةً فاعملْ بهاللهِ أو لذويا لقرابةِ أودعِ
فقال عبد الله بن جعفر: لمن هذان البيتان؟ إنهما لبخلان الناس، ولكن أمطروا بالمعروف مطراً، فإن أصاب لكرام كانوا له أهلاً، وإن أصاب اللئام كنت أنت له أهلاً. وروي أن عبد الله بن الزبير بعث إلى عائشة ﵁ بغرارتين فيها مال قدره ثمانون ومائة وألف درهم، فدعت بطبق فجعلت تقسمه بين الناس، فلما أمست قال: يا جارية، فطوري، فجاءتها بخبز وزيت، فقالت لها أم درة: ما استطعت فيما قسمت اليوم أن تشتري لنا بدرهم لحماً تفطرين عليه؟ قالت: لو كنت اذكرتيني لفعلت.
وروى أبان بن عثمان: أن رجلاُ أراد يصير لعبيد الله بن عباس فأتى وجوه قريش، فقال: يقول لكم عبيد الله بن عباس تغدوا عندي اليوم فأتوه، حتى ملؤوا الدار، فسأل عن ذلك فأخبروه فأمر عبيد الله بشراء الفاكهة فأكلوا.
ثم أمر قوماً فطبخوا وخبزوا، ثم فرغ من الطعام فقدم على الموائد فأكلوا، حتى صدروا، فلما خرجوا قال عبيد الله لوكلائه أموجود هذا كل يوم إذا أردته؟ قالوا: نعم، قال: فليتغدها ولأكل يوم عندنا، قال النبي ﵇: "عز المؤمن استغناؤه عن الناس؟، ومن ينفق الساعات في جمع ماله، مخافة فقر فالذي فعل الفقر".
قيل لعتابي، وهو أبو عمرو بن كلثوم بن عمرو إنك تلقى العامة ببشر، وتقريب، فقال: دفع ضغينة بأخف مؤونة واكتساب إخوان بأهون مبذول.
مدح أعرابي قوماً فقال: جعلوا أم، والهم مناديل لأعراضهم فالخير لهم قائد، والمعروف لهم شاهد، يعطون بطيب أنفسهم إذا طلب إليهم، ويباشرون المكروه بإشراق وجوه، إذا نفى الناس عليهم، وذكر أعرابي قوماً فقال: كانوا ليوث حرب، وغيوث جدب، إن أعطوا أغنوا كأن الدهر عجل لهم ما أخر غيرهم.
عن عائشة ﵁ قالت: كان يقال في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق.
قال أبو عباد: كان المأمون قد استقل مكاني، وأراد أن يكون انصرافي عن اختيار مني، فقال لي يوماً: لعلك قد اشتقت إلى أهلك فإن كان، فقد أذن لك أمير المؤمنين فأنشدته:
فإنِّي ودارٍ أنتْ فيها ابنَ معمرٍكمكّةَ لم يطربْ لشوقِ حمامها
إذا اخترتُ داراً للمقامِ ارتضيتهالنفسي ولم تكبرْ عليَّ مقامها
قال فأضرب عن ذلك، ولم يذاكرني به بعد ذلك، قال العباس: من وثق بالسلطان فكأنه اتكأ على الماء. قال المدائني: خرج يوماً معن بن زائدة على زواره، فقال لهم كدوني بالمسألة، ولا يقل أحدكم قد سألته مرة فإني، كما قال زياد الأعجم:
وأحسنَ، ثم أحسنْ، ثم عدنافأحسنَ، ثم عدتُ لهُ فعادا
مراراً لا أعودُ إليهِ إلاَّتبسَّمَ ضاحكاً وثنى الوسادا
فأقبل القوم يسألون حوائجهم، وهو يقضيها، حتى أتى رجل معتزل عن الناس، فقال معن: سل حاجتك، كما يسأل أصحابك، فقال: ليست لي دالة إلا فعلة إن ذكرتها، قال: وما هي؟ قال أتذكر أيها الأمير، وقد كنت بباب المنصور مع قوم ينتظرون الإذن، فابتدأ بحديث، فأقبل القوم عليك، فلما خرج الربيع بالإذن نهضوا عنك، وقطعوا عنك استماعهم منك، فأقبلت عليك بوجهي، وأصغيت إليك بسمعي، حتى فرغت من حديثك؟ قال معن: نعم، وما أنت بأخسهم فأعطاه ما سأله وفضله.
قال المأمون: إساءة المحسن أن يمنعك جدواه، وإحسان المسيء أن يكفّ عنك أذاه. قال: جلس قومٌ من سروات أهل الكوفة بكباسة الكوفة فتذاكروا السؤدد بينهم، فقال عبد العزيز بن مروان: أمّا أنا فمحدّثكم عن نفسي من غير تزكية لها، إذا الرجل أمكنني من نفسه، حتى أصنع معروفي عنده فيده عندي قبل يدي عنده، وإذا الرجل ضافني من خوف، فلم أبذل دمي دون دمه، فقد قصرت بحسبي، ولو أنّ أهل البخل لم يدخل عليهم من بخلهم إلاّ سوء ظنهم بربهم، في الخلف لكان عظيماً.
ذكر أنّ طاهر بن الحسين كتب إلى المأمون يسأله من المال وغيره، مما يحتاج إليه أشياء جليلة القدر، فكتب إليه أحمد بن يوسف، عن الحسين بن منهل، وكان كاتبه: أما بعد، فإن أمير المؤمنين يكره لك أن تنتهي من السؤال لأحدٍ لا يليه إلا الردّ، والسلم.
دخل شبّة بن عقال على المنصور، فقال له: مالي أراك؟، فقال شبّة: والله يا أمير المؤمنين لأغيب عنك بشوقٍ، وألقاك بشوقٍ. فقال: لم تسألنا حوائجك، وقد عرفت مكانك، فقال: والله لا أرهب محلك، ولا أغتنم مالك، وإنّ عطاءك لشرف، وإنّ سؤالك لزين، وما بامرئْ بذل وجهه لك من نقصٍ، ولا شينٍ، فالتفت المنصور إلى ولده المهدي وغيره، فقال: التقطوا هذا الدّر، والله لهو أحسن منه.
يقال إنّ أول من اتخذ الخيش المنصور، عمله له أبو أيوب الخوزي، فقال له المنصور: لو عملت الثياب لحملت من لماء أكثر، وكانت أبرد، فاتخذ الخيش واتخذ الناس بعده، كتب إبراهيم ابن العباس إلى محمد بن عبد الملك ابن الزيات، وقد حبسه كتاباً قال في آخره:
أبا جعفرٍ جفَّ حفظهُ بعدَ رفعةٍوقصِّر قليلاَ عن مدى غلوائكَا
لئن كانَ هذا الدَّهرُ يوماً حويتهُفإنَّ رجائي في غدٍ كرجائكَا
ثم كتب في آخره أيّها الوزير: كان لي فيك أملان هما لك، والآخر بك، فأما الذي لك، فقد بلغته، وأما الأمل بك فأرجو أن يحققه الله، ويوشك به البقاء، كان يقال من أمّل رجلاً هابه، ومن قصّر عن شيء عابه، قيل لخالد بن صفوان: أي الإخوان أوجب عليك؟ قال: من سدّد خللي، وغفر زللي، وقبل عللي.
قيل للعتابي: ما يمنعك من النساء؟ فقال: مكابدة العفّة أيسر من الاحتيال لمصلحة العيال، يقال: أول المروءة طلاقة الوجه، والثانية التودّد، والثالثة قضاء الحوائج لبعضهم:
ألّيتُ أجلسُ إلا دونَ مرتبتيوأن أزاحمَ، حتّى يفتحَ البابُ
كي لا يباعدَ إن قرَّبتُ منزلتيولا يواجهني بالرَّدِّ بوَّابِ
قال المأمون لليزيديّ عن ابنه العباس: فقال: لا يفلح أبداً، فقال: من أين عرفت ذلك، وقد أمرتك بتأديبه؟ فقال: ناوله الغلام أشناناً، ليغسل يده فاستكثره ورده إلى الأشنندانه، ولم يلقه في الطشت فعلمت أنه بخيل لا يسود، فلا يصلح للملك. قال بعض الحكماء الصبر على مرارة الأمر إبقاء الحلاوة عاقبته.
يقال شيئان لا يفترقان الحرص، والشر، وشيئان لا يجتمعان القناعة، والحسد، قيل لقيس بن عاصم: بمَ سدت قومك؟ قال: ببذل القرى، وترك المراء واحتمال الأذى ونصرة المولى، قيل لبعض الحكماء: متى يكون الأدب شراً من عدمه، فقال إذا أكثرت الأدب ونقص العقل، وغني لأكره زيادة منطق على عقلي، قال أبو العتاهية:
إذا كنتَ عن أنْ تحسنَ الصَّمتَ عاجزاًفأنتَ عنِ الإبلاغِ بالقولِ أعجزُ
يخوضُ أناسٌ في الحديثِ ليوجزواوللصّمتِ في بعضِ الأحايينِ أوجزُ
ولقد أحسن بعضهم في قوله:
بداهتهُ وفكرتهُ سواءٌإذا ما نابهُ الخطبُ الكبيرُ
وأحزمُ ما يكونُ الدَّهرُ رأياًإذا عميَ المشاورُ، والمشيرُ
قال المنصور: عقوبة الحكماء التلويح، وعقوبة السفهاء التصريح، يقال: إنه جرى بين شهرام المروزي وبين أبي مسلم صاحب الدولة كلام، فمازال يترقى بينهما إلى أن، قال له شهرام: يا لقيط، فصمت أبو مسلم وندم شهرام، فأقبل عليه معتذراً إليه، فلما رأى أبو مسلم ذلك قال: لسان سبق، ووهم أخطأ.
وإنما الغضب شيطان، وأنا جرّأتك باحتمالي إياك، فإن كنت معتمداً، فقد شاركتك فيه، وإن كنت مغلوباً فالعذر يسعك، وقد عفونا عنك على كل حال، فقال شهرام: أيّها الأمير عفو مثلك لا يكون غروراً، قال أجل، قال فإن عظيم لا يدع قلبي يسكن، وألحّ في الاعتذار، فقال له: يا عجباً كنت تسيءُ، ونحن نحسن إليك فكيف نسيء إليك، وأنت تحسن.
كتب محمد بن مهران إلى بعض الأمراء: إنّ أحقَّ الناس بالإحسان، من أحسن الله إليه، وأولاهم بالإنصاف من بسط القدرة يده فاستدم ما أوتيت من النعم بتأدية ما عليك من الحق.
ذكر أن امرأةً من قريش كان بينها وبين رجلٍ خصومة، فأهدت إلى عمر فخذ جزور، ثم خاصمته إليه فتوجه الحق، والحكم عليها، فقالت يا أمير المؤمنين: افصل بيننا، كما يفصل فخذ الجزور فقضى عليها، ثم قال: إياكم والهدايا فإنها تذل الأعناق.
وروي أنّ عمر ﵁ قسّم حللاً بين الصحابة كل رجل ثوباً، فصعد عمر المنبر وعليه حلّته، والحلّة ثوبان. فقال: أيّها الناس ألا تسمعون؟ فقال سلمان الفارسي ﵀: لا نسمع، ولا نطيع، فقال عمر: يا عبد الله ولمَ؟ قال: لأنك قسمت على كل رجل منا ثوباً وخرجت علينا في ثوبين، فنادى يا عبد الله بن عمر فقال: لبّيك يا أمير المؤمنين. فقال: أنشدك الله، الثوب الذي آثرت به ثوبك. قال: اللهم نعم، فقال: أما الآن فقل نسمع.
كان بعض الملوك إذا شاور مرازبته في رأي فقصّروا، دعي الموكلين بأرزاقهم فعاقبهم، فيقولون تخطئ مرازبتك فتعاقبنا هذا ما لا يليق بعدلك. فيقول: نعم لم يخطئوا إلاّ لتعلّق قلوبهم بأرزاقهم، فقد شغلتم قلوبهم بالتوقف فيما ينوبهم، وإذا اهتموا انزعجت خواطرهم، وتكدّرت قرائحهم أخطأوا، أنشدنا الرياشي:
وعاجزُ ذا الرَّأي مضياعٌ لفرصتهِحتَّى إذا فاتَ أمرٌ عاتبَ القدرَا
وكان ابن الزبير يقول: لا عاش بخير من لم يرَ برأيه ما لم يرَ ثني الله سبحانه على نبيّه إسماعيل، فقال: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) فقدم صدق الوعد على كل فضيلة.
ولو عليكَ إتّكالي في العراءِ إذنْلكنتُ أولَ مدفونٍ منَ الجزعِ
في مثله:
وقد علمَ الضَّيفُ، والطَّارقونَبأنَّكَ للضَّيفِ جوعٌ وقرُّ
قال مسلمة بن قتيبة: إني لأرهب الرجل مائة درهم، فأربُّ تلك المائة بألف، مخافة أن يذهب شكري فيها.
قال مسلمة بن عبد الملك: ما أزال في فسحةٍ من أمر الرجل، حتّى يتقدم إليه مني يدٌ، فإذا فعلت فليس عندي، والله إلا ربّها أبداً عليه، حتى الممات. لبعض الشعراء في معناه:
وسمتْ أمراءُ بالعرُفِ، ثم تركتهُومنْ أحسنَ المعروفَ ربُّ الصَّنائعِ
آخر يهجو أخاه:
أبوكَ أبي، وأنتَ أخي ولكنْتفاصلتِ الطَّبائعُ، والصُّنوفُ
وأمُّكَ حينَ تنسبُ أمُّ صدقٍولكنَّ ابنها طبعٌ سخيفُ
وقومكَ يعلمونَ إذا التقينامنْ المرجوُّ منَّا، والمخيفُ
آخر هجا أخاه:
غلامٌ أتاهُ اللؤمُ من عمدِ نفسهِولمْ يأتهِ من نحوِ أمٍّ ولا أبِ
المبرد قال: دخلت على أبي أيوب سليمان بن وهب، وهو متولي ديوان الخراج وبحضرته شاعر يمتدحه فسمعته ينشده:
أتيتُ بنَ وهبٍ أبتغي فضلَ عرفهِوما زالَ حلوَ المنعِ حلوَ المواهبِ
فامنحني عزَّ حجتي بطلاقةٍسكوتٌ بها عنْ منغِّساتِ الرَّغائبِ
فاستحسنها، فلما خرج الشاعر قال ابن وهب، هل سمعت من سبق إلى مثل هذا؟ فقلت: نعم، أنشدني المازني بعض المحدثين:
وأبيضَ ذي لونينِ أثناء قولهِ بعادِوتقريبٌ، ويأسٌ ومطمعُ
إذا أمَّهُ الرَّاجي انثنى عن فنائهِوفوهُ منَ التَّفريطِ ملآنُ مترعُ
بلاَ جدَّةِ نالت يداً مستحقَّهاسوى أنَّهُ هشٌّ، وإن كانَ يمنعُ
قال بعض البلغاء: أوسع ما يكون الكريم مغفرة إذا ضاقت بالمذنب المعذرة، سأل أبو العيناء رجلاً كان يصاحب الحسن بن مخلد عن حاله معه، فأقبل الرجل يشكره، فقال له أبو العيناء: لسان حالك يكذب لسان شكرك.
قال رجلٌ لابنه تدري لمَ سميتك معروفاً؟ قال: لا يا أبتِ، قال: لئلا تنسى اسمك.
ذمَّ أعرابي رجلاً فقال: صغِّره في عيني كبّر الدّنيا في عينيه، وقال بعض الزهّاد للمأمون: إنّ الله لم يرض لك أن يجعل أحداً فوقك، فلا ترض أن يكون شكر أحد فوق شكرك.
قال المنصور لمسلم بن قتيبة: ما ترى في أبي مسلم؟ يعني صاحب الدولة فقرأ، (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فقال له: حسبك.
قيل لبعض الحكماء: من أحق بالرحمة؟ قال: رجلان عاقل بلي بجاهل وكرين بلي بلئيم، قال معاوية: لقد كنت ألقى الرجل من العرب، أعلم أن في قلبه عليّ ضغناً فيثوب إليّ منه، بقدر ما يجد في نفسه، فلا يزال يوسعني شتماً، وأوسعه حلماً، حتى يرجع لي صديقاً، فأستنجده فينجدني.
قال بعض الأدباء: الأيادي ثلاثة: يدٌ بيضاء، وهي الابتداء بالنعمة، ويدٌ خضراء، وهي المكافئة على النعمة، ويدٌ سوداء، وهي المنُّ بالنعمة.
قال ابن عباس ﵁: المعروف أوثق الحصون، وأفضل الكنوز، وأزكى الزروع، وأرشد الأمور غير أنه لا يصلح إلا بثلاث، قيل ما هي؟ قال: تعجيله، وتقصيره، وستره، فإنك إذا عجّلته، فقد هنّأته، وإذا صغّرته، فقد عظّمته، وإذا سترته تممته، يقال: إنّ من سمع الفتى الطيب، فلم يطرب فهو عديم حسٍّ، أو سقيم نفسٍ.
قال عمر بن هارون الصوفي: سمعت رجلاً سأل ابن عيينة يا أبا محمد أريد أن أتزوج امرأة. فقال: إيّاك، والجمال الغابر، وعليك بالأوسط فإن الشاعر يقول:
وليسَ منْ روضةٍ خضراءَ مونقةٍإلاَّ وفيها لعمريْ أثرٌ مأكولُ
وقال جعفر بن محمد الصادق ﵇: إذا استرذل الله عبداً أحرمه الأدب، وقال: ما وهب الله لامرئٍ هبة من عقله، ومن أدبه، هما حياة الفتى فإن فقدا ففقده للحياة التوبة.
قدّم أسرى إلى الحجاج فأمر بقتلهم، فقام رجلٌ منهم فقال: يا حجّاج لئن كنا أسأنا في الذنب، فما أحسنت في العفو، فقال الحجّاج: آن لهذه الجيف، أما كان فيهم أحد يحسن أن يتكلم بمثل هذا، ثم أمسك عن القتل، وأطلقه لبعض الشعراء:
يذكِّرُ نيلُ الخيرِ والشَّرِ والنَّدىوقولُ الخنا والعلمِ والحلمِ والجهلِ
فألقاكَ في مذمومها متنزِّهاًوألقاكَ في محمودهَا ولكَ الفضلُ
يقال المظلوم حسن الظن بالأيام، والظالم وجل القلب بالانتقام، لا خير في وعد مبسوط وإنجازٍ مربوط. قيل لما قدم عمر الشام تلقاه معاوية في جيشٍ عظيم، فلما دنا منه قال: أنت يا معاوية صاحب هذا الجيش، والموكب؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين قال: مهما يبلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك، فقال: مهما يبلغ من ذلك فقال: لمَ تفعل هذا؟ قال: نحن بأرض جواسيس العدو فيها كثير، فيجب أن نظهر من عزّ السلطان ما نرهبهم به، وإن نهيتني انتهيت، قال عمر: ما أسألك عن شيء يا معاوية ألا تركتني في مثل رواحب الأصابع فإن كان ما قلت حقاً إنه لرأي أريب، وإن كان باطلاً إنه لخديعة أديت، قال فمرني بأمرك يا أمير المؤمنين.
قال: لا آمرك، ولا أنهاك، فقال رجلٌ ما أحسن ما صدر الفتى عما أوردته، فقال: لو لم تحسن موارده ومصادره ما جشمناه ما حشمناه، وتكلم المعافى يوماً في مجلس أبي تمام الزيني فأحسن، فقال أبو تمام: هذا حديث كماء المزن، وافقه الصّادي، أنت، والله، كما قال الشاعر:
إنْ قالَ بمَ يهوي جميعهُمْوإنْ تكلَّمَ يوماً ساختِ الكلمُ
قال المعافى: أيّها السيّد حصرت عليّ الواسع من الكلام على هذا التفضيل، إني لا أطمع في لفظ ومعنى يفيان بقدرك، وإذا كان الانتهاء بعد الكدّ إلى الفخ، كان الابتداء به أقرب إلى العذر، وما أقول فيك، والنبوة أصلك، والخلافة فرعك، والعلم ديدنك، والحلم طبعك، والعالم على ما أقول شهودك.
أبقانا الله لك خدماً، كما جعلك لنا علماً، تناظر شريف بنفسه وشريف بنسبه، فقال له: الشريف بنفسه أنت آخر شرف وخاتمه، وأنا أول شرف وفاتحته، وتناظر آخران في هذا المعنى، فقال أحدهما: شرفك إليك ينتهي وشرفي مني يبتدئ لبعضهم:
بهمُ مثلُ ما بالنَّاسِ لكنَّ بردهمُحياءٌ وعفافٌ عن دناةِ المآكلِ
إذا الجذبُ أنسى العفَّةَ النَّاس أدنيةًوحامتْ عل الأنسابِ بكرُ بنُ وائلِ
قال رجلُ لعليِّ بن أبي طالب ﵁ وهو يخطب: يا أمير المؤمنين صف الدّنيا لنا، فقال: ما أصف من دار أولها عناء وآخرها فناء، حلالها حساب، وحرامها عقاب، من صح فيها أثم، ومن مرض فيها ندم، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر فيها حزن.
وقف بعض الزهّاد على رجل يضحك الناس، فقال: يا هذا أما علمت أن لله يوماً يحشر فيه المبطلون، فلم تزل تعزف الكلمة في قلب الرجل، حتى مات.
قال بعض الحكماء: من كرمت عليه نفسه صغرت الدّنيا في عينه، روي أنّ دخل الهذيل بن زفر على يزيد بن المهلب في حمالات لزمته، فقال له: إنه عظم شانك، أن يستعان بك، أو يستعان عليك، ولست تصنع شيئاً من المعروف إلا، وأنت أكبر منه، وليس العجب من أن تفعل، ولكن العجب من أن لا تفعل.
وسأل بعضهم إنساناً في حاجة، فقال: إني مشغول عنك بكثرة الأشغال، فقال: لولا أنك مشغول بأشغالك هذه لما جئتك في شغل، ثم أنشده:
فلاَ تعتذرْ بالشُّغلِ عنَّا فإنَّماتناطُ بكَ الأشغالُ ما اتَّصلَ الشُّغلُ
وسئل رجلٌ لأسد بن عبد الله فاعتل عليه، فقال: أيّها الأمير إني سألتك من غير حاجة، فقال: وما حملك على ذلك؟ فقال: رأيتك تحت من لك عنده حسن بلاء، فأحببت أن أتعلق منك بحبل مودة، واحتجت بعض الأمراء عن وافد إليه فكتب الوافد: الضرورة، والأمل أقدماني عليك ومع العدم لا يكون صبر عن المطالبة، والانصراف بغير فائدة شماتة الأعداء، فإنما نعم مثمرة، أو فلاة مريحة، والسلام.
روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (ثلاث من كن فيه أدخله الله في رحمته وآواه الجنة، وكان في كنفه: من إذا أعطي شكر، وإذا قدر غفر، وإذا غضب فتر).
قال ابن الزبير جاء رجل إلى الأحنف بن قيس، وهو جالس في المسجد، فلطم عينه، فأخذ الأحنف عينه بيمينه، وقال بسم الله ما شأنك؟.
فقال لا، والله، إلا أن رجلاً من بني تميم لطمني، فحلفت بالله لأقتص من سيد بني تميم فقال: ويحك فهلا ذهبت إلى جارية ابن قدامة، فقد تضمن هذا حلم الأحنف، وتواضعه، وكيف أعتقد أن غيرة السيد ونصحه للرجل؟ كيف حلف ليقتصن من سيدهم؟ فأرشده إلى جارية ابن قدامة ليبرّ قسمه وإلا، فما كان قصده أن يؤذي جاره ابن قدامة، لأن هذا مما لا يليق بحلمه وعقله، ووقاره. كان ابن عطا يقول: الاحتيال في دفع البلاء زيادة في البلاء لبعضهم:
وكنتُ سعيدَ الجدِّ، إذ كنتُ حاضراًومن يقتربْ منكمْ فداكَ سعيدُ
سأستعتبُ الأيَّامَ فيكَ لعَّلهاببعضِ الذي كنّا عليهِ نعودُ
أخبرنا شيخنا الإمام ناصح الإسلام أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني ﵀ قال: أخبرنا أبو علي الحسن الحادذي قال: حدثنا المعافى بن زكريا الحريري قال حدثنا محمد بن القاسم الأنباري قال: حدثنا ابن المرزبان قال: حدثنا أبو عبد الرحمن الجوهري قال: حدثنا عبد الله بن الضحاك، قال: حدثنا الهيثم بن عدي عن عوانة بن الحكم قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز ﵁ وفد الشعراء إليه.
فأقاموا ببابه أياما لم يؤذن لهم، فبيتاهم كذلك يوما، وقد أزمعوا على الرحيل، أمر بهم رجاء بن حيوة، وكان من خطباء أهل الشام، فلما رآه جرير واقفاً على باب عمر، أنشأ يقول:
يا أيُّها الرجلُ المرخي عمامتهُهذا زمانكَ فاستأذن لنا عمرّا
قال: فدخل، ولم يذكر من أمرهم شيئا، ثم مر بهم عدي بن أرطاه فقام إليه وقال:
يا أيّها الرجلُ المرخي مطيَّتهُهذا زمانكَ قد مضى زمني
أبلغْ خليفتنَا إن كنتَ لاقيتهإنِّي لدى الباب كالمصفودِ في قرن
لا تنسَ حاجتنا لقّيتَ مغفرةًقد طالَ مكثني عن أهلي وعن وطني
قال: فدخل عدي على عمر ﵀، فقال: يا أمير المؤمنين الشعراء ببابك وسهامهم، وأقوالهم نافذة، فقال: ويحك يا عدي مالي وللشعراء، قال أعز الله أمير المؤمنين، إن رسول الله ﷺ قد امتدح فأعطى، ولك في رسول الله ﷺ أسوة حسنة، فقال كيف قال امتدحه العباس بن مرداس السلمي، فأعطاه حلة قطع بها لسانه، قال: أتروي من شعره شيئا؟ قال نعم، فأنشده:
رأيتكَ يا خيرَ البَّريةِ كلَّهانشرت كتاباً جاءَ بالحقِّ معلِّما
شرعتَ لنا دينَ الهدى بعدَ جودناعنِ الحقِّ لمَّا أصبحَ الدينُ مظلما
ونوَّرتَ بالبرهانِ أمراً مدمَّساوأطفأتَ بالبرهانِ ناراً تضرّما
فمنْ مبلغٍ عنِّي النبيّ محمَّداًوكلُّ امرئٍ يجزى بما كان قدَّما
أقمتَ سبيلَ الحقِّ بعدَ اعوجاجهِوكان قديماً ركنهُ قد يهدَّما
تعالى علوَّاً فوقَ عرشِ إلهناوكانَ مكانُ اللهِ أعلاَ، وأعظما
فقال، ويحك يا عدي من الباب منهم؟ قال: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، قال أليس هو الذي يقول:
ثمَّ نبَّهنها فقامت كعاباًطفلةً ما تبيِّنُ رجعَ الكلامِ
ساعةً ثم أنَّها بعدَ قالتويلتا قدْ عجلتَ يا ابنَ الكرامِ
أعلى غيرِ موعدٍ جئتَ تسريتتخطَّى إلى رؤوسِ النّيامِ
ما تجشَّمتُ ما ترينَ من الأمرِولا جئتُ طارقَ الخصامِ
لو كان عدو الله إذا فجر كتم على نفسه لا يدخل والله علي، فمن بالباب سواه قال همام بن غالب الفرزدق، قال: أو ليس هو الذي يقول:
هما دلّيانّي من ثمانين قامةٍكما انقضَّ باز أفقم الرأسِ كاسرةْ
فلمَّا استوت رجلايَ في الأرضِأخيُّ يرجى أم قتيلُ نماذرة؟
لا يطأ، والله بساطي، فمن بالباب سواه؟ قال الأخطل: قال يا عدي هو الذي يقول:
ولستُ بصائمٍ رمضانَ طوعاًولستُ بآكلٍ لحمَ الأضاحي
ولستُ بزاجرٍ عيساً بكوراًإلى بطحاءَ مكةَ للنَّجاحِ
ولستُ بزائرٍ بيتاً بعيداًبمكَّةَ أبتغي فيها صلاحي
ولكنني سأشربها شمولاًوأسجدُ عندَ منبلجِ الصَّباحِ
والله لا يدخل علي، وهو كافر أبداً. فهل بالباب سوى من ذكرت أحد؟ قال: نعم الأحوص، قال أو ليس هو الذي يقول:
اللهُ بيني وبينَ سيّدهايفرُّ منِّي بها، وأتبعها
عذب عليه، فما هو بدون من ذكرت، فمن هنا أيضا؟ فقال: جميل بن معمر، قال: يا عدي هو الذي يقول:
ألا ليتنا نحيا جميعاً، وإن أمتْيوافقُ في الموت ضريحي ضريحها
فما أنا في طولِ الحياةِ براغبٍإذا قيل قد سوَّى عليها صفيحها
فلو كان عدواً لله تمني لقاءها في الدنيا ليعمل صالحاً بعد ذلك، فلا، والله لا يدخل علي أبدا فهل سوى من ذكرت أحد؟ قال: نعم جرير بن عطية أما إنه القائل:
طرقتكِ صائدةُ القلوبِ وليسَ ذاوقتُ الزّيارةِ فارجعي بسلامِ
فإن كان، ولابد فهو فائذن لجرير، فدخل عليه، وهو يقول:
إن الذي بعث النبي محمداًجعل الخلافة في الإمام العادل
وسعَ الخلائقَ عدلهُ، ووقارهُحتَّى ارعوى، وأقامَ ميلَ المائلِ
إني لأرجو منكَ برَّاً عاجلاًوالنفسُ مولعةٌ بحبِّ العاجلِ
فلما مثل بين يديه قال: ويحك يا جرير اتق الله، ولا تقل إلا حقا فأنشأ يقول:
أأذكرُ الحمدَ والبلوى التي نزلتْأم قد كفاكَ الّذي بلغتَ من خبري
كمْ باليمامةِ من شعثاءَ أرملةٍومن يتيمٍ ضعيفِ الصوتِ والبصرِ
ممَّن بعدلكَ يكفي فقد والدهكالفرخِ في العشِّ لم ينهض ولم يطرِي
يدعوكَ دعوةَ ملهوفٍ كأنَّ بهِخيلاً منَ الجنِّ أو مسّاً منَ البشرِ
خليفةَ اللهِ ماذا تنظروننالسنا إليكمُ، ولا في دارِ منتظرِ
مازلتُ أجدكَ في همٍ يؤرقنيقد طالَ في الحيِّ إصعادي ومنحدري
لا ينفعُ الحاضرُ المحمودُ باديناولا يعودُ لنا بادٍ على حضري
إنا لنرجو إذا ما الغيثُ أخلفنامنَ الخليفةِ ما نرجو منَ المطرِ
نالَ الخلافةَ، إذ كانت على قدرٍكما أتي ربّهُ موسى على قدرِ
هذي الأراملُ قد قضيتَ حاجتهمفمن لحاجةِ هذا الأرملِ الذّكرِ
الخيرُ ما دمتَ حيَّاً لا يفارقنابوركتَ يا عمرَ الخيرات يا عمرِ
قال يا جرير ما أرى لك فيما هاهنا حقاً، قال: ما بي يا أمير المؤمنين: أنا ابن سبيل منقطع بي، فأعطاه من صلب ماله مائة درهم، وقد ذكر أنه، قال له: ويحك يا جرير، لقد ولينا ألينا هذا الأمر، ولا نملك إلا ثلاثمائة درهم مائة أخذها عبد الله، ومائة أخذتها أم عبد الله، ومائة موجودة، يا غلام أعطه المائة الباقية.
قال: فأخذها وقال: هي، والله خير لي من جميع ما اكتسبته طول عمري، ثم خرج، قال له الشعراء: ما وراءك يا جرير؟ قال: ما يسوءكم، خرجت من عند أمير المؤمنين، وهو يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء وإني عنه لراضٍ، ثم أنشدهم:
رأيتُ رقي الشّيطانِ لا تستنفزهُوقد كان شيطاني منَ الجنِّ راقياً
احتاز صديقان على دار خالد بن صفوان، فعرّج أحدهما إليه وعبر الآخر فقبل له في ذلك، فقال: عرّج هذا لفضله، وعيّر ذاك لثقته لبعضهم:
وإذا الفتى قعدت بهِ أيامهُلم ينتعش إلاّ بعونِ كريمِ
فأعن على الزَّمنِ الغشومِ فإنَّمايدعى العظيمُ لدفعِ كلِّ عظيمِ
ولبعضهم:
ولقد تبسَّمتَ النَّجاحَ لحاجتيفإذا لها من راحتيكَ نسيمُ
ولربّما استيأستُ، ثم أقولُ لاإنّ الّذي ضمنَ النَّجاحَ كريمُ
قال بكر بن محمد بن المازني: قال إسحق بن عيسى الهاشمي لجلسائه أنا أعلم أن في منازلكم، ما تأكلون من خبز ولحم وإنما تطيب المجالس بالتبذل فانتزعوا ثيابكم لابن كناسة:
فيَّ انقباضٌ وحشمةٌ فإذاصادفتُ أهلَ الوفاءٍ، والكرمِ
أرسلتُ نفسي على سجيّتهاوقلتُ ما قلتُ غيرُ محتشمِ
روي أن المأمون قال لعبد الله بن طاهر: أيما أطيب مجلس، أو مجلسك؟ فقال: ما عدلت بك شيئا يا أمير المؤمنين، فقال له المأمون: ليس إلى هذا ذهبت، إلى الموافقة في العيش، واللذة، فقال يا أمير المؤمنين منزلي، قال: ولم ذاك؟ قال لأني فيه، مالك، وأنا هاهنا مملوك.
قال كسرى أنوشروان: من لم يكن في داره بستان، أو قدامه ريحان، أو هو على نهر جار، أو عنده صبي يلاعبه فمات، فإنما موته من الغمّ، وقال أبو حاتم في الموافقة وحسن الاتفاق:
وفتيةٍ قد عطفوا على الإخاءإن قالَ بعضُ لا أجابوهُ بلاَ
ظرفاً وإنَّ قالَ بلى قالوا بلىشخوصهم شتَّى، وهم نفسُ فتى
وقال أيضاً إنّ يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للهو، والشرب، ويوم الشمس للحوائج، وما أحسن، قول أبي نواس:
وليس الغنى والفقرُ من خلَّةِ الفتىولكن أحاطتْ سمةٌ وحدودُ
قال بعضهم لرجل كان بتعهده، ويواسيه بمعروفه، سل الذي رحمني أن يرحمك لي، وقد أحسن بن أبي حفصة في قوله:
والرأيُ كالسيفِ ينبوا إن ضربتَ بهِفي غمدهِ وإذا جرَّدتهُ قطعا
وقال حضين بن المنذر:
إنَّ المروءةَ ليس يدركها امرؤٌورثَ المكارمَ عن أبٍ فأضاعها
أمرتهُ نفسٌ بالدَّناءةِ، والخناونهتهُ عن طلبِ العلي فأطاعها
وإذا أصابَ منَ الأمورِ كريمةًبني الكريمُ لها المكارمَ باعها
وكتب المعتصم إلى عبد الله بن الحسين الحمد لله أدخلك من خليفته محل نفسه، فمالك مرتبة تسمو إليها نفسك غلا، وأنت فوقها عنده. وكتب المعتصم إلى عبد الله بن طاهر: عافانا الله وإياك، كانت في نفسي عليك هناءة، غفرها الاقتدار عليك، وقد بقيت في قلبي عليك خرارة، وأخاف عليك منها، عند نظري إليك.
فإن أتاك ألف كتاب مني أستقدمك، فلا تقدم، فحسبك معرفة بما أنطوي عليه لك إطلاعي إياك على مالك في نفسي، والسلام. ولما كتب الضحاك بن قيس الخارجي إلى مروان بن محمد، لأجهزن إليك المرد على الجرد، فأجابه لأحملن إليك الكهول على الفحول.
قال الفضل بن مروان: دخلت يوماً على المعتصم، ومعي خبر من بابك كيسوة وخبر جارية حسناء أراد شراءها، فلم يمكنه، ثم تهيأ في أمرها ما يسره، فبدأته بخبر الجارية لتطيب نفسه قبل أن أخبره بخبر بابك، فلما سمع خبر الجارية سره سروراً ظاهراً وقال: الآن علمت أني خليفة.
ما كانت لي دنيا، ولا خلافة، وليست في ملكي أن أهب لها، فكأنه خف في عيني، ثم عرفته خير بابك فاسترجع، وقال أستعين عليه بالله وبقرابتي من رسول الله، وبدولة الحق، ويمن تدبيرك يا فضل فتقل، والله في عيني وجل. قيل لمحمد بن المنذر ما تشتهي؟ فقال محادثه محبوب، وتنفيس عن مكروب. قيل إن عتبة بن أبي سفيان، قال لمؤدب ولده: بك يا عبد الكريم أول ما تبدأ به من إصلاح ولدي إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما صنعت، والقبح ما تركت.
ثم علمهم كتاب الله ﷿، ولا تكرههم عليه فيملوه، ولا تتركهم منه فيهجروه، وروّهم سير الحكماء، ولا تنقلهم من علم إلى علم، حتى يتقنوه، فإن ازدحام العلم في السمع مفضلة الفهم، وكن كالطبيب الأديب الذي لا يعجل بالدواء قيل: معرفة الداء، وتهددهم بي، وأدبهم دوني، ولا تتكل على عذر مني، فقد اتكلت على كفاءة منك، واستزدني بزيادتك إياهم، أزدك إن شاء الله تعالى.
ذكر هشام بن عبد الملك أنه كان عند الأبرش الكلبي جالساً، فخرجت جارية له عليها حلة، فقال له هشام: مازحها يا أبرش، فقال لها ما أحسن حلتك لو بعتها، أو وهبتها لي. فقالت، والله لأنت أطمع من أشعب، فقال هشام، ومن أشعب؟ قالت رجل من المدينة يضحك الناس، وحدثته من أحاديثه، وأضحكته، فقال هشام: اكتب إلى إبراهيم بن هشام يحمله إلينا، فكتب الكتاب وختمه هشام، ثم مكث ساعة صامت، ثم مرت شفتيه بشيء، ثم قال يا أبرش أمير المؤمنين هشام يكتب إلى بلد رسول الله ﷺ يحمل إليك مضحك، ثم قال شعر:
إذا أنتَ لم تعصِ الهوى قادكَ الهوىإلى ما فيهِ عليكَ مقالُ
قال خالد بن صفوان: دخلت على هشام بن عبد الملك، وهو جالس على كرسي إلى جانب بركة له، وفيها رجال من أصحابه في مآزر، فقال لي: كن في مثل حالهم، ففعلت، ثم خرجت فجلست، فتنفس.
ثم قال: يا خالد رب خالد كان يجلس مجلسك هذا، كان أحب إلي منك، فعلمت أنه يعني خالداً ما سألني شيئاً قط، ابتدأ به، وما ازدادني على عظيمة قط، فقلت ذلك أحرى أن تعيده، فقال: إن خالداً أدل فأمل، وأخف فأعجف، ثم أنشد:
إذا انصرفت نفسي عنِ الشيءِ لم تكدإليهِ بوجهِ آخرِ الدَّهرِ تقبلُ
قال سعيد بن العاص: موطنان لا اعتذار فيهما من العيّ، إذا كلمت سفيهاً، أو أحمق، وإذا سألت حاجة لنفسي، وأنشد:
ربَّ، قول يهيجُ منهُ جواباًتتمنَّى أن لا تكونَ سمعتهُ
كلَّما خفتَ من سفيهٍ جواباًفأطلتَ عنهُ عممتهُ
كتب الحسن بن سهل لرجل كتاب شفاعة، فقام الرجل يدعو، له، ويشكره، فقال الحسن علام تشكرني، ونحن نرى كتب الشفاعات زكاة مروّآتنا وجاهنا، ثم أنشد:
فرضتَ عليَّ زكاةَ ما ملكتْ يديوزكاةَ جاهي أن أعينَ، وأشفعا
فإذا ملكتَ فجدْ فإن لم تستطعفاجهدْ بوسعكَ كلّهِ أن تنفعنا
قال رجل لعمر بن عبد العزيز لما أفضي إليه الأمر: والله يا أمير المؤمنين، لأنت أزين للخلافة منها لك، والخلافة إليك أحوج منك إليها، وما مثلك ومثلها إلا، كما قال الشاعر:
وإذا اللهُ زانَ حسنَ وجوهٍكانَ للدُّرِّ حسنُ وجهكِ زينا
وتزيدُ بنَ أطيبِ الطّيبِ طيباًإن تمسّيهُ أينَ مثلكَ أينا
قيل لأفلاطون: أي شيءٍ من أفعال الناس يفعل كفعل الله سبحانه، وتعالى؟ قال: الإحسان إلى الناس. يقال لكل جواد كبوة ولكل صارم نبوة. قال الأحوص: بلغني أن بعض الملوك قال لوزرائه: اجمعوا لي علما فجمعوا له قدر وقر بعير، فقال من يحفظ هذا تجيروا منه كلمات، وهي لا تحملن بطنك ما لا تطيق، ولا تعملن عملاً لست لك فيه منفعة، ولا تتغنّ بامرأة، ولا تغترنّ بمال، وإن كثر.
وقال بعض الحكماء: ثلاث خصال يسود بها المرء: العلم، والعقل، والأمانة. وخصلتان ليست لصاحبها راحة إلا مفارقتهما: الطعام المخوف، والصاحب الخائن. من كلام الفقهاء وحسن استنشادهم وافتخارهم في وقت مناظراتهم. كان العنبري، وهو عبيد الله بن الحسن، ينشد في مجلس نظره:
إذا أفلج على خصمهِ يهتزُّ حينُعن حجة خصمه خوفَ الهضيمةِ كاهتاز
وأنشد أبو بكر بن داود لشريح في آخر كلامه:
لا تحسبِ المجدَ تمراً أنتَ آكلهُلن تبلغَ المجدَ، حتَّى تلعقَ الصَّبرا
وقال الدادكي يوماً لابن طران، وهو المعافى بن زكريا في مجلس محمد بن صالح الهاشمي، القاضي المعروف بابن أم شيبان: لم أفهم ما قلت، فقال ابن طران: صدقت إنك لم تفهم لو فهمت لم تناظر، ولكن علي أن أقول ما نفهم، وليس علي أن أقول ما تفهم، وإن أبيت فبيني وبينك، قول الشاعر:
عليَّ نحتُ القوافي من مقاطعهاوما عليَّ لهمْ أن تفهمَ البقرُ
ونظر ابن المرزبان يوماً في شيء من مذهب مالك فبان ضعفه، فأنشد أبو حامد:
ومن يبتدعْ ما ليسَ من خيمِ نفسهِيدعهُ، ويغلبهُ على النفسِ حتمها
وكان ابن كعب الأنصاري ينشد إذا رأى خصمه قد أعاد كلامه بلا زيادة مفيدة معه:
إذا ما انتهى تناهيتُ عندهُأطالَ فأبلي أم تناهي فأقصرَا
قال أبو حامد كنت في مجلس ابن المغلس، فدخل بعض أصحاب أبي علي بن جبران، ثم جرى كلام في مسألة، فأساء صاحب ابن جبران الأدب وجانب حسن العشرة، فأقبل عليه ابن المغلس، فقال: إن كان جرأك علي قولي لك، إنك لعلم فأغنيت به علم البيطار الذي في ذنب الحمار، فخزي ذلك الحاضر، وتمنى أن تلقمه الأرض، وناظر أبو حامد أبا جعفر الأبهري فأنشد:
ألم ترَ أنَ الحقَّ يلقاكَ أبلجاوإنكَ تلقى باطلَ القولِ لجلجا
وأنشد علي بن محمد بن أيان في مناظرته:
عندَ الرِّهانِ يعرفُ الضّمارُويعرفُ السَّابقُ، والخوَّارُ
وناظر أبو حامد فانبرى الأبهري يتكلم مداخلا فأنشد:
فإن تكُ قيسُ قدَّمتكَ لنصرهافقد خزيت قيسُ وذلَّ نصيرها
ومن كلام أبي عيسى الورَّاق: من ظلم في المناصرة أنصفت منه الحجة، ومن قلّد في مذهبه حكم الخصوم في نفسه، ومن عدم القصد في نظره بعد عن إدراك بقيتة، ومن وضع شيئاً في غير موضعه، واعتقد في غير حقيقته، فقد ظلم نفسه وعقله ودل على سوء اختياره.
وتناظر المعافى، والدادكي يوماً فكثر تنحنح الدادكي بكلام كان يوعد فيه، فأنشد المعافى:
وإني امرؤ لا تقشعر دابَّتيمنَ الذئبِ يعدو أو الغرابُ المحجّل
وقال أبو ظاهر الأنماطي أنا، والله معك، كما قيل:
أريها السُّهى وتريني القمر
وأنشد بعضهم:
فلا تأمني سرِّي إذا ما أهنتنيوإن كانَ مكنونُ الهوى قد صفا لكي
قال القاضي أبو حامد قال لي المهلبي يوماً، والمجلس غاصٌ بأعلام الناس، وهم يتكلمون، قل أيها الشيخ ما عندك؟ فأنشدت:
أقولُ إذا استنطقتني غير معجمولا ملجئي عياً ولا تاركاً قصداً
واسكت إجلالاً وأصمت عالماًوأنطق بالحسنى وأمحضك الودا
قال المهلبي: من يلومني على إدنائك، وتقريبك، وقلة الصبر عنك، أنت، والله العتيق وغيرك المفرق.
قال أبو حامد يوماً أمر لأبي علي الشابشتي افهم عن نفسك، ثم حاول أن يفهم عنك جليسك، فإنك أقرب إليك من غيرك وقال أبو زيد الحروزي لأبي عبد الملكي، وقد احتج في استدلاله بشيء:
إذا لم تستطع شيئاً فدعهوجاوزهُ إلى ما تستطيعُ
قال الواقدي: حدثني يونس بن محمد المظفري، عن يعقوب بن عمر بن قتادة قال: أخبرني محمد بن ثابت بن قيس بن شماس قال: كان ثابت بن قيس الأنصاري رجلاً جهوري الصوت، يحب الجمال، والشرف، وكان قومه قد شرفوه بذلك، فلما أنزل الله سبحانه على رسوله ﷺ: (إن الله لا يحب كل مختال فخور) انصرف ثابت من عند رسول الله ﷺ وهو ينتحب، فدخل بيته، وأغلق بابه وطفق يبكي، فافتقده النبي ﷺ فأخبر بما فعل، فسأله عن سبب انقطاعه فقال: أنزل الله عليك: (إن الله لا يحب كل مختال فخور) وأنا أحب الجمال، وأحب أن أسود قومي، فقال النبي ﷺ: (إنك لست منهم، إنك تعيش بخير، وتدخل الجنة بخير) فلما قال ذلك رسول الله ﷺ خرج من بيته، وسر بما قال له، ثم أنزل الله: (ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي، ولا تجهروا له بالقول)
فرجع ثانية إلى بيته ينتحب، فدخل بيته، وأغلق بابه، وافتقده النبي ﷺ فسأل عنه أبا مسعود الأنصاري، فأخبره خبره، فأرسل إليه، فقال: إن الله أنزل عليك: (ياأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم) وإني أخاف أن يكون قد حبط عملي، فقال النبي ﷺ: (إنك لست منهم إنك تعيش حميداً، وتدخل الجنة شهيداً) فكان ثابت يتوقع الشهادة في حياة النبي ﷺ: فلما توفي وارتدت العرب، وبعث أبو بكر الصديق ﵁ خالد بن الوليد إلى اليمامة، انتدب ثابت بن قيس، فعقد له أبو بكر لواء على الأنصار، ثم مع خالد إلى أهل الردة، فشهد وقعه طلحة في أصحابه، ثم شهد اليمامة، فلما رأى انكشاف المسلمين.
قال ثابت وسالم، فحفر لنفسيهما حفرتين، فقاما فيهما، مع سالم راية المهاجرين ومع ثابت راية الأنصار، حتى قتلا، وعلى ثابت يومئذ درع كانت لآبائه، فمر بها رجل من الصحابة فأخذها، فأري بلال بن رباح ثابت بن قيس في منامه، وهو يقول له: إني أوصيك بوصية إياك أن تقول هذا حلم فتضيعه إني لما قتلت أمس جاء رجل من ضاحية نجد وعليّ درعي، فأخذها فأتي بها منزله فألقى عليها برمة.
وجعل على البرمة رجلاً وخبأه في أقصى المعسكر على جانب خيامه فرس يسير في طوله، فأتى خالد بن الوليد فخبره فليبعث إلى درعي فليأخذها، وإذا قدمت على خليفة رسول الله ﷺ فأخبره أن علي دينٌ، وهو كذا وكذا، ولي من الدين كذا وكذا فليستقصنّ لي وليقض عني، ومبارك وسعد غلماني حران لوجه الله تعالى، فلما أصبح بلال أتى خالد فخبره الخبر فبعث خالد نفراً إلى الدرع فوجدها.
كما قال، فلما قدم بلال المدينة صار إلى الصّديق أبي بكر فأخبره بوصية ثابت، فأجازها، فلا نعلم أحد من المسلمين أجيزت وصيته بعد موته إلى ثابت بن قيس الأنصاري رحمة الله عليه، قرئ على دار أبي عبد الله بن مقلة بعد خرابها:
كانوا بأنعم عيشٍ في منازلهمأخلا المنازلَ من سكانها البطرُ
فصحبتهم منَ الأيام داهيةُصمَّاءَ عمياءَ لا تبقي ولا تذرُ
وقرئ على دار نازوك بعد خرابها:
أحسبتَ أنَّ معقِّباتكَ منجياكَ من حمامكَ
هذا الذي صنعت يمينكَ قد تصرّمَ بانصرافكَ
قيل إنّ أعرابياً دخل على أبي عبد الله، وهو إذا ذاك وزير المهدي، وقد كان للأعرابي عليه وعد فقال: أيها الشيخ السيد إني، والله لأنسحب على كرمك، وأستوطي فراش مجدك، وأستعين على نعمك بقدرك، وقد مضى لي موعدان، فاجعل النجح ثالثا أفدك شكرا في العرب شادخ الغرّة بادي الإفصاح، فقال أبو عبد الله: يا هذا ما وعدتك تقديراً، ولا أخرتك تقصيراً، ولكن الأشغال تعطي، وتأخذ بأوفر الحظ مني، وأنا أبلغ لك حمد الكفاية ومنتهى الوسع بأوفر مأمول، وأحمد عاقبة، وأقرب.
فقال الأعرابي يا جلساء الصدق قد أحضر لي الجواب، فهل من معين منجد، ومساعد منشد؟، فقال بعض أحداث الكتاب لأبي عبد الله: والله أصلحك الله لقد قصدك، وما قصد، حتى أملك، حتى أجاد النظر، وآمن الخطر، وأيقن بالظفر، فحقق أمله بتهيئة التعجيل فإن الشاعر يقول:
إذا ما اجتلاهُ المجدُ عن وعدِ أملِتبلجَ عن بيسٍ ليستكملَ الشّكرا
ولم يسلهُ مطلَ الغداة عن الذييصونُ الحمدَ الموّقرَ والأجرا
فأحضر للأعرابي عشرة آلاف درهم، فقال الأعرابي للفتى: خذها، فأنت سببها، فقال الفتى: شكرك أحب إلي منها، فقال أبو عبيد الله: خذها، فقد أمرت للكاتب بمثلها، فقال الأعرابي الآن كملت النعمة، وتمت المنّة أحسن الله جزاك، وأدام نعماك.
قصد بعض الشعراء للفضل بن الربيع، فقال له قصدتك أيها الأمير بيتين من الشعر أسأل استماعهما مني، فقال له: أنشد فقال:
صارمني النَّاس وصارمتهمفصرتُ أحفا من جميعِ الجهاتِ
وأنتَ لي وحدكَ من بينهموقد تكلّفتَ برزقي فهاتِ
ومد يده إليه فأطلق عشرة آلاف درهم، فأخذها وانصرف. في ذم أبخر:
ألقى ابنُ عجلانَ خبزاً كانَ يأكلهُإلى سنانيرهِ في الدّارِ من فيهِ
فشمَّمتهُ فظّنت أّنها خريتفأقبلت نحوهُ في التّربِ تخفيهِ
ولبعضهم في معناه:
وأبخرَ ألقى إلى قطّهِلقيمةً من فمهِ الأبخرِ
فبادرَ القطُّ إلى دفنهايحسبها من بعضِ ما قد خري
وقع محمد بن عبيد الله في رقعة رجل ألح عليه:
تأنَّ مواعيدَ الكرامِ فربّماحملت منَ الإلحاح سمحاً على بخلِ
كان من أصحاب أبي عبد الله وزير المهدي رجل يعرف بعمران بن شهاب الكاتب، فاستعان على أبي عبد الله في بعض أموره ببعض إخوانه، فلما قام الرجل، قال أبو عبيد الله: يا عمران لولا أن حقك حق لا يجحد، ولا يضاع، لحجبت عنك حسن نظري، أتظنني أجهل لإنسان، حتى أعلمه، ولا أعرف موضع المعروف، حتى أعرفه، لو كان لا ينال ما عندي إلا بغيري لكنت بمنزله البعير الذلول عليه الجميل الثقيل، إن أقيد انقاد، أو أنيخ نزل لا يملك من نفسه شيئاً، فقلت معروفك بمواقع الصنائع مذكّراً.
فقال، وأي أذكار لمن قضى حقك أبلغ من مساءلتك عليه، ومصيرك إليه، إنه، متى لم يتصفح المأمول أسماء مؤمليه تقلبه غدوّاً ورواحاً لم يكن للأمل محل، وجرى المقدرة لمؤمليه بما قدر، وهو غير محمود على ذلك، ولا مشكور، وما لي شيء أدرسه بعد وردي من القرآن إلا أسماء رجال التأميل لي، وما أبيت ليلة، حتى أعرضهم على قلبي لبعضهم:
إذا أوليوا قالوا ضمنّا ومالناسبيلٌ إلى فعلِ اليسيرِ منَ البرِّ
وإن عزلوا قالوا عزلنا بعطلةٍفكيفَ لنا منهمُ بالرفد بني النظرِ
ومما يستشهد به من الشعر:
ولو كانَ لي في حاجتي ألفُ شافعٍلما كانَ فيهم مثلُ جودكَ شافعِ
وكنتُ شفيعَ راجيهِ إليهِفألجأني الجفا إلى شفيعِ
وقد كنتُ أرجو للصّديقِ شفاعتيوما صرتُ أرضى أن أشفعَ من نفسي
آخر في مدح رجل:
واستكبرَ الأخبارَ عندَ لقائهِفلمّا التقينا صغَرَ الخبرَ الخبرُ
في معنى آخر:
ولئن سكتَ وبانَ في وجهي الرِّضابقيا عليكَ فإنَّ قلبي ساخطُ
آخر:
وفي عينيكَ ترجمةٌ أراهاتدلُ على الضّغائنِ والحقودِ
آخر:
وكيفَ يديرُ أمرَ البلادِفتىً أمرُ منزلهِ مهملُ
آخر:
جهلوا السّبيلَ إلى المكارمِ في العلىورضوا منَ الأفعالِ بالألقابِ
آخر:
وأقربُ ما يكونُ النَّجحُ يوماًإذا شفعَ الوجيهُ إلى الجوادِ
آخر:
وكنّا لا نحجّبُ عن ملوكٍفقد صرنا تحجّبُ عن كربي
آخر:
إنّما تنجحُ المقالةُ في المرءِإذا صادفت هوىً في المرادِ
وأشارت بما أتيت رجالٌكنتُ أهدي منها إلى الإرشادِ
وله:
وكلُّ امرئٍ يولي الجميلَ محبّبٌوكلُ مكانٍ ينبتُ الغرَّ طيِّبُ
وأظلمُ أهلِ الظّلمِ من باتَ حاسداًلمن باتَ في نعمائهِ يتقلبُ
وقف أعرابيٌّ بباب خالد بن عبد الله القسري، فقال للحاجب: أوصلني إلى الأمير، امتدحه ببيتين من الشعر ما قيل مثلهما، قال له: وما هما؟ قال: أكره أن تبتدلا، فاستأذن لنا. وله، فلما دخل أنشده:
لمنِ الدّيارُ كأنّها قفرُقد ماتَ في حيطانها البعرُ
إنَّ الأميرَ يكادُ من كرمٍأن لا يكونَ لأمِّهِ بظرُ
فاستلقى خالدٌ ضحكاً، حتى كاد أن يحدث، ثم أمر له بجائزة وقال: من كان هذا مدحه، ما ترى أن يكون ذمه لبعضهم:
فإن تسألوني بالنِّساءِ فإنّنيعليمٌ بأدواءِ النّساءِ طبيبُ
إذا شابَ رأسُ المرءِ أو قلَّ مالهُفليسَ لهُ في ودِّهنَّ نصيبُ
قيل لمعن بن عبد الله، وقد ورث مالاً جزيلاً: لو ادخرت هذا المال لأولادك فقال: بل أدخره لنفسي عند الله، وأدخر الله لأولادي.
دخل السدي على عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه، لما ولي الخلافة، فقال له عمر: أسرّك ما رأيت أم ساءك؟ فقال سرني للناس وساءني لك، فقال عمر: إني أخاف أن أكون قد أوبقت نفسي له، ما أحسن حالك، إن تخاف وإنما أخاف عليك أن لا تخاف، فقال له: عظني، فقال له: إنّ أبانا آدم، أخرج من الجنة بخطيئة واحدة. قال سفيان: ترك الملوك لكم الحكمة فاتركوا لهم الدّنيا.
كان عمر بن عبد العزيز يقول: اللهم إني أطعتك في أحب الأشياء إليك، وهو توحيدك، ولم أعصيك في أبغض الأشياء إليك، وهو الكفر، فاغفر لي ما بينهما. قال المنصور لرجل من بني أمية كان في حبسه ما ذهب بكم، فقال شرب العشيّان، وإسناد الأمور، إلى غير الكفاءة فالتفت إلى ولده المهدي وقال: احذرها يا أبا عبد الله. نظر بعض ملوك الفرس إلى مملكته فقال: هذا ملك لولا أنه هلك، وسرور لولا أنه غرور، وأنه ليوم لو كان يوثق له بعد. دخل أعرابي على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا أعرابي صف لي الخمر فأنشد:
شمولٌ إذا شجت وفي الكأسِ وردةٌلها في عظامِ الشاربينَ دبيبُ
تريكَ القذى من دونها وهي دونهُلوجهِ أخيها في الإناءِ قطوبُ
فقال، ويحك لقد اتهمتك عند ظني بك في وصفك بها.
روي أن الفضل بن الربيع كلم رجلاً في أصحابه فقال، وقد كلمتك في فلان، وقد ملأ الأرض ثناء، والسماء دعاء وكتب بعض الأدباء إلى بعض الوزراء من شكر لك على درجة رفعته إليها، أو ثروة أفدته إياها فإن شكر إياك على مهجة أحييتها وحشاشة بقيتها ورمق أمسكت منه، وقمت بين التلف وبينه أنشد بعضهم شعره:
ولي عدَّةٌ قد راثَ عيني نجاحهاورأيكَ أعلاَ رأيهِ في اقتضائها
عطاؤكَ لا يفني ويستغرقُ المنىويبقي وجوهَ الرّاغبينَ بمائها
شكوتُ وما الشكوى لمثلي عادةٌولكن يفيضُ النفسَ عندَ امتلائها
ذكر الشيخ الإمام أبو علي الحسن بن البنَّا ﵀، قال أخبرنا عبيد الله بن أحمد، قال: حدثني القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا أن علي بن محمد بن سعيد حدثهم، قال: حدثني الحسن بن عليل العنزي.
قال أخبرنا أبا عبد الله بن عبد الرحمن الرازي قال: خرج الفضل بن يحيى بن برمك ﵀، في بعض الأحيان متعبداً فإذا أعرابي قد لقيه على ناقة له، فلما نظر الأعرابي إلى عظم موكب الفضل، نزل عن ناقته ودنا من الفضل وقال: السلام عليك، نعمت صباحاً يا أمير المؤمنين، قال ليس بأمير المؤمنين قال: فالوزير أصلحك الله، قال: ولا الوزير، قال فالفضل بن يحيى، فأمسك الفضل وقال: وما الذي أوفدك يا أخا العرب؟ قال قصدت الفضل بن يحيى، قال: ولم لم تقصده في بيته؟ قال لكثرة حجابه وسوء أدب أصحابه، قال: فما بلغ من أمرك يا أعرابي؟ قال أهجو فأفضح، وامدح فأقدح، قال له الفضل: فما وسيلك الآن إلى الفضل؟ قال بيتان من الشعر قلتهما فيه؟، قال له الفضل: أنشدنيهما، فإن كانا حسنين دللتك عليه، فأنشد الأعرابي يقول:
ليفرحَ بالمولودِ من آل برمكٍذواتِ النَّدى والرُّمحِ والسَّيفِ ذي الفضلِ
وثبنا به الآمالَ فيهِ لفضلهِولا سيَّما أن كانَ من ولدِ الفضلِ
فقال له الفضل: إنهما لحسان، فإن قيل لك أنهما ليسا من قبلك، وأنهما مسترقان من قول العرب، فما تصنع؟ قال أنشده أحسن منهما قال فأنشدنيهما فغن كانا حسنين دللتك عليه فأنشأ يقول:
ألم ترَ أن الجودَ من صلبِ آدمٍتحدَّرَ، حتَّى صارَ في راحةِ الفضلِ
توارثهُ الفضلُ بنُ يحيى بن برمكٍكذا كلُّ مولودٍ يصيرُ إلى الأصلِ
فقال له: إنهما لحسان فإن قيل لك أنهما ليسا لك، ولا من قولك، وأنهما مسروقان من قول العرب، فما تصنع؟ قال أنشده أحسن منهما، قال له: أنشدني فأنشأ يقول:
ولو قيلَ للمعروفِ من ذا أخا العلىلنادى بأعلى الصَّوتِ يا فضلُ يا فضلُ
ولو أنَّ ما أعطاهُ من رملِ عالجٍلأصبحَ من جدواهُ قد نفدَ الرَّملُ
إذا أمُّ طفلٍ مصَّها جوعُ طفلهاغذّته باسم الفضلِ فاستطعم الطّفلُ
فقال إنهما، والله لحسان، فإن قال لك إنهما ليسا من قبلك ما تصنع؟ قال أنشد أربعة أبيات لم تسمع العرب، ولا العجم يمثلهما، قال فأنشدنيهما فإن كانت حساناً دللتك عليه فأنشأ يقول:
ولائمةٍ لامتكَ يا فضلُ في النَّدىفقلتَ هل ينجحُ اللومُ في البحرِ
كانَّ وفودُ النَّاسِ من كلِّ بلدةٍ جاءتإلى الفضلِ لاقوا عندهُ ليلةَ القدرِ
كأنَّ سحابُ الفضلِ في كلِّتحدَّرَ ماءُ المزنِ في البلدِ القفرِ
إذا جئتَ تنهى الفضلَ عن بذلِ مالهِفمن ذا الذي ينهى السَّحابَ عن القطرِ
فقال الفضل إنها لحسان، فإن قيل لك إنها ليست من قبلك، وأنها مسترقة من قول العرب، ما الذي تصنع؟ قال: إذاً أدخلك وناقتي في حرِّ أمِّ الفضل، وأهل بيت الفضل، وأرجع إلى أهلي خائباً.
قال: فضحك الفضل وقال: يا أخا العرب، أنا الفضل، فما بغيتك الآن؟ قال بغيتي عشرة آلاف درهم، أسرُّ بها صديق، وأكبت بها عدوي، وأستعين بها على زغاليلك كأنهن زغاب القطا إذا فقسن عن بيضاتهن.
فقال له الفضل: هي منالك مائة ألف تتبعها مائة ألف تتبعها مائة ألف، مائة ألف، لقصدك إيانا، ومائة ألف لشتمك إيانا، ومائة ألف لاحتمالك لك، ومائة ألف تستعين بها على أمرك، قال: ثم إنّ الفضل أنشأ يقول:
إذا شئتَ أن تدعى كريماً مكرماًأديباً ظريفاً عاقلاً فطناً حرَّاً
إذا ما بدا من صاحبٍ لكَ زلَّةٌفكن أنتَ محتالاً تقيمُ لها عذرا
قال، وكان في يد الفضل قوس، فقال: أيّها الأعرابي قل في قوسي شيئاً، فقال:
فقوسكَ قوسُ الجودِ والوبرُ النَّديّوسهمكَ سهمُ المجدِ فاقتل بهِ فقري
قال الفضل: أما قتلنا فقرك بعد، قال بلى، والله وأنعمت، ثم أنشأ يقول:
إنَّ للنَّاسِ غايةً في المعاليوقفوا نحوها، وأنتَ تزيدُ
قد تعاليتَ في المكارمِ، والجودِفجزتَ المدى فأينَ تريدُ
ما تبالي الآمالُ إن قريت منكَسواءً قريبها والبعيدُ
أصبحَ الجودُ في دوائكَ كالقطرةفي البحرِ غرَّقتها المدودُ
قال: فأمر له بمائة ألف أخرى، فأنشأ الأعرابي يقول:
عجباً لكفكَ كيفَ لا يتكلَّمُمما يفيضُ على الأنامِ وتنعمُ
أم كيفَ لا تخضرُّ منها عودهاحتّى يكونَ لها ثمارٌ تطعِّمُ
فالتفت الفضل إلى من كان معه، فقال: هل سمعتم كاليوم شعراً أحسن من هذا؟، ثم التفت إلى بعض الخدام، فقال له: ما بقي معك؟ قال، والله يا سيدي ما بقي معي غير درعك الذهب، قال: أنتَ، لهُ، والدرع معك، فبكى الأعرابي، فقال له الفضل: مما بكاؤك؟ لقلة فتزيد، قال لا، والله لا لقلة ولكن بكائي على ما تضمن الأرض، والثرى من جودك، وموت مثلك عن المسلمين.
فقال له: كلامك، والله أحسن من شعرك يا غلام احشِ فاه درّاً ففعل، فوسع فوه خمس درات، وقال له: يا سيدي بقيت لي واحدة، فقال له: من أين قلت ذلك، قال لأن جدي مدح عبد الملك بن مروان فأمر له بمثل ما أمرت لي فوسع فوه ستة درات، ووسع فوي خمسة، وقد بقي لي واحدة، قال فأمر له بالسادسة فأخذها وانصرف.
مرّ خالد بن صفوان على حمار له يدب، وسليمان بن علي يراه من منظرة بالمربد، فقال له سليمان: يا أبا صفوان، فأين الخيلُ؟، فقال أصلح الله الأمير الخيل للأيغال، والبرادين للجمال، والبغال للأثقال، والحمير لك مهال، وقال بعض القرشيين لابنه: يا بني إن طلبك صاحب أدهم، فعليك بالوجل، فإن الأدهم رديء القوائم، وإن طلبك صاحب أشقر، فعليك بالحزن، فإنّ الأشقر رقيق الحوافر.
وإن طلبك صاحب كميت فعليك بالجدد وحقيق أن ينجو، وقال آخر دهم الخيل ملوكها، وكميتها جلادها، وشقرها ميامينها، وأهدى عبد الله بن طاهر المأمون فرساً وكتب إليه، قد وجهت لأمير المؤمنين أعزه الله، فرساً يلحق الأرنب في الصعداء، ويدرك الظباء في الاستواء، ويسبق في الحدور لسيل الماء، فهو كما قال تأبط شراً:
ويسبقُ وفدَ الرِّيحِ من حيثُ ينتحيبمنخرقٍ من شدَّةِ المتداركِ
وبعث الحجّاج إلى عبد الملك بن مروان، بفرس كتب إليه، وقد بعثت إلى أمير المؤمنين بفرس، حسن المنظر، محمود المخبر، بهي القد يسبق الطراف، ويستغرق.
الوصف اجتمع بباب عبد الملك بن مروان الفرزدق وجرير، والأخطل فأذن لهم ذات يوم، وقال لهم: ليصف كل واحد منكم الفرس في غير شعر نثراً، فقال الفرزدق: أكرم الخيل أدهم طهطاه الذي هامته علاه، ذو الطرف الحديد، والنظر البعيد، والشدق الهريت، والعنق المديد الذي إذا أقبل قلت: ظبي عاط، وإن أدبر قلت هقل هاط، وإن سدَّ قلت ذئب ساط، سلس القياد، طبع الأوراد، إذا استقبلته قلت: ليث حاذر، وإن استديرته قلب طائر.
ثم قال جرير: أكرم الخيل الأشهب الأقب الأغلب، والمتن الأحلق، والكفل المزحلق، والجوف الأجوف، العامض العضب المدرك لما طلب، العاري الظنبوب، العجلز السرحوب، الذي كأن في جوفه شؤبوباً تخال، مشيته تقرباً، ثم قال للأخطل: هات يا أبا مالك. فقال: اسقني قعباً من خمر، يعين على اختراع الوصف، فسقاه، فلما شربه قال هاتِ قال يا أمير المؤمنين: تركته وحيداً لا تقدر على ابتداع، ولا يتسع لاختراع، فاجعل له شريكاً.
قال له: طاسة مملوءة، فلما شربه، قال عبد الملك كيف ترى؟ قال اثنان يتشاحنان الخطابة، ويتنافسان الإجابة، فاجعل بينهما حكماً فسقي ثالثاً ورابعاً، حتى استوفى سبعة، فغضب بنو أمية، وقالوا الأخطل أحللته محلاً يتجرأ فيه عليك مع كفره، قال الأخطل، والمسيح ما أتكلم وغواة بني أمية حضور فنحّاهم.
ثم قال: قال هات الآن. قال أكرم الخيل الكميت البهيم، من نسل كريم، منتصب الأذنين، القادح العينين، السائل الخدين، الرحب المنخرين، الجواد العلوة الطويل الفتى، المندمج الظهر، الأقب البطن، الصحيح القصب، التام العصب، المريح إذا أقبل، المتنابع إذا أدبر، أديمة صاف، ومحزمه واف، وسبيبه ضاف، وعقره داق قصير ظهره، هادية شطره، طالبه مشكوك، وطريدة مخذول، يعجبك خلقه إذا استقبلته، ويمرح تحتك إذا ركبته كأن مشيته زيفان.
وكأن جريه طيران، يعنق بيديه، ويهلج برجليه، ويشكر بطرفيه، وقلبه بين عينيه، فقال له عبد الملك: أحسنت، ثم قال: من يلومني على أبي مالك، وأحسن جائزته. تفسير قولهم الطهطاه الفرس الفتى، وقوله هامته علاه العلا السندات، وعاط من عطا يعطو هاط، مجتمع الأحلق الأملس المزحلق المدور الظنبوب عظم الساق. العجلز الشديد الحلق، السرحوب الحفيف، العتيق:
يا أهلَ ودِّي أما في الأرضِ ذو كرمٍيرثي لذي كرمٍ زلّت بهِ القدمُ
أفي عيونكم عن منظري عمهُأم في مسامعكمُ عن منطقي صممُ
من نعمةِ اللهِ فقل إني لأنعمكملأنها نعمٌ من دونها نقمُ
ألستُ أنسى لكم عن أحرفٍ عرضتفي القلبِ قد كاد منها القلب ينقصمُ
ما بالُ دوركم حلَّ لطارقهافي كلِّ أوقاتها، والمطبخُ الحرمُ
وله أيضاً:
سألتُ اللهَ تعميراً طويلاًليبهجني بخطبٍ يعتريكمُ
أخافُ بأن أموتَ وما أرتنيصروفُ الدهرِ من أرجوهُ فيكمُ
قال بعض الحكماء: تفرعت الذنوب من سبعة أشياء: الكبر، والحرص، والغضب، والحسد، والشّح، والعجلة، والجميل. قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه لابنيه: عليكما باصطناع المعروف واكتسابه، وتلذذا بروح نسيمه، وارضيا بمودات الرجال ثمناً منه، فكم من رجل صيّر ماله معروفاً فعاش به بنوه بعده. قال الأحنف بن قيس: ما رددت من حاجة قط، قيل له: ومن ذا الذي يردك يا أبا بحر؟ قال ليس، كما ظننتم، ولكني ما سألت قط إلا ما يجوز، ويسهل.
سمع بلال بن جرير رجلاً يقول: الشحيح أغدر من الظالم، فقال لعن الله خلين خيرهما الشح. تحادث قوم عند عبيد الله بن عبد الله ذكر السخاء، فقال لا يتحدث أحد في السخاء، ولا في أهله إلا ولحاتم الطائي، ولكعب بن مامة عليه الفضل، أما حاتم فإنه كان لا يسأل عن شيء إلا سمح به، حتى أنه كان في سفر، فخرج عليه فارس ليأخذ ما معه، فلم يزل حاتم يجاريه، حتى انكسر الرمح الذي في يد الرجل، فكاد أن يقتله حاتم، فقال الرجل لحاتم أعطني رمحك، ومد يده إليه فأعطاه إياه، فسد عليه الرجل، فكاد أن يقتل حاتماً، فركض حاتم، وكان فرسه جواداً فلحقه فحدثهم: فقالوا، ولم أعطيته رمحك؟ قال ما كنت لأسأل شيئاً، فلا أجود به سيما، وقد مد يده إليّ، ثم كروا على الرجل فأخذوا الرمح منه، وأسروه، وأما كعب بن مامه، فإن رجلاً صحبه في فلاة، ومع كعب إداوة فيها شربة واحدة وليس مع رفيقه جرعة، ولا في الموضع ماء، ولا يطمعون في بلوغ الماء، فعطشا واشتد عطشهما فاستحيا كعب أن يشرب ورفيقه عطشان، فلا يواسيه، ولم يحتمل الماء سريعاً، فلم يبلغا الماء، حتى مات كعب بن مامه. قال محمد بن سليمان لابن السّمّاك: بلغني عنك شيء كرهته. قال إذن لا أبالي، قال: كيف ذاك؟ قال لأنه إن كان حقاً غفرته لي، فإن كان باطلاً لم يبله عني وكذبته.
كتب أرسطاطاليس إلى تلميذه يعاتبه وكتب في آخره، والسلام عليك سلام سنة لا سلام رضي. كتب بعضهم إلى صديق له يعاتبه:
وجفوتني فيمن جفانيوحملتَ شانكَ غير شاني
ونسيتَ منّي موضعاًلكَ لم يكن لكَ فيهِ ثاني
آخر يعاتب أخاه:
أيُّها العائبُ اللَّهوجُ يعيبُ النّاسمهلاً عنِ المعائبِ مهلاً
إنَّ في نفسكَ التي بينَ جنبيكَعن النَّاسِ لو تفكرتَ شغلاً
عجباً أن في ثناياكَ لحميوإذا ما رأتني قلتَ أهلاً
إنَّ ذا العقلِ والبصيرةِ لا يقبلُقولاً إن خالفَ القولُ فعلاً
آخر يعاتب:
أحنُّ إلى عتابكَ غيرَ أنّيأحلّكَ عن عتابكَ في كتابي
ونحنُ إذا التقينا قبلً موتٍشفيتُ غليلَ صدري بالعتابِ
وإن سبقت إليّ يدُ المنايافكم من عاتبٍ تحتَ التّرابِ
قيل لإنسان أديب، قد أحسن أبو نواس، الحسن بن هانئ حين سألته جاريته عن اسمه، فقال لها اسمي وجهك، فقالت أحسن منه، قول أحد أصدقائنا:
وشادنٍ خبّرنا وجههُعنِ اسمهِ كما جهلناهُ
يدعوهُ بالوصفِ لهُ من رأيفيحسبُ الدّاعي سمّاهُ
يقال أسوأ ما في الكريم أن يمنعك خيره، وأحسن ما في اللئيم أن يكف عنك شره، رأيت في البخاري عن جابر بن عبد الله، وروى عن علي بن أبي طالب ﵇ قال: دققت الباب على النبي ﷺ فقال لي: "من هذا؟ فقلت: أنا، فقال: أنا، فكأنه كره قولي أنا".
قال المعتمر بن سليمان كان على أبي دين، ولم يقدر على قضائه، فكان يستغفر الله ليلاً ونهاراً، فقلت لو سألت أن يقضي دينك، فقال إذا غفر لي، فقد قضى ديني لبعضهم:
كن للمكارهِ بالغراءِ مقنّعاًفلعلَّ يوماً لا ترى ما يكرهُ
ولربّما ابتسمَ الوقورُ من الأذىوفؤادهُ من حرّهِ تتأوّهُ
ولربّما صمتَ الحليمُ تكرُّماًخوفَ الجوابِ وأنّهُ لمفوّهُ
ولربّما برزَ الفتى فتنافستفيهِ العيونُ وأنه لمموّهُ
لعبد الله بن عبيد الله:
الحرُّ لا يشتكي شيئاً وإن سمعتَشكواهُ لم تكُ إلا دونَ بلواهُ
والمرءُ تكشفُ عيناهُ بلحظهمانجواهُ في قلبهِ من قبلِ نجواهُ
دخل الوليد بن يزيد بن عبد الملك، على هشام بن عبد الملك عمه، وقد اشترى هشام جارية بألفي دينار، وهي مغنية، وكان على الوليد عمامة وشي مذهبة حسنة، فقال له هشام بن عبد الملك: بكم اشتريت عمامتك هذه يا وليد؟ فإنها فاخرة، قال: بعشرة آلاف درهم، قال: ويحك عمامة بعشرة آلاف درهم، قال: وما أنكرت في أن أتحف أكرم أعضائي، ومجمع حواسي يعلو قيمته عشرة آلاف درهم، وأنت قد أتحفت أرذل أعضائك بألفي دينار.
خلع المنصور على معن بن زائدة، فخرج، وهو يسحب خلعته، فقال له: رجل من أهل اليمن، ليس عليك نسجة فاسحب واجرر، فقال معن متمثلاً:
ونحنُ الضّاربونَ بما طيعتمونحنُ لما نسجتم لابسونا
أي أنكم قيون وحاكه. كتب بعض الولاة إلى معتذر غليه:
أقرر بذنبكَ ثم اطلب تجاوزناعنهُ فإنّ جحودَ الذنبِ ذنبانِ
قال جالينوس: المرض هم عارض، والهم مرض طبيعي. لبعضهم:
وشرُّ معروفكَ ممطولهُوخيرهُ ما كانَ من ساعتهِ
لكل شيءٍ آفة تتقى وحسبك المعروف من آفته. قال عيسى بن يزيد: عمر الأحنف بن قيس إلى أيام عبد الملك بن مروان، وكان الحديث عن عمر بن الخطاب ﵁ قال أتى لليلة، وهو قائم يصلي، إذ أتت الجارية إليه، في حاجة، أو جاءته بشيءٍ أحسبه طعاماً لنا، فلم يرض بذلك منها، مد يده إليها، فنالها ضرباً، فقمت غليه وكلمته وصددته عنها، فأمسك، رجع إلى صلاته.
فلما فرغ التفت إلي وقال: يا ابن قيس إذا أضفت رجلاً، فلا تعترض عليه في أهله، أو قال منزله، فهو أعرف بمصالحه منك، فإن كنت لابد فاعلاً فإذا سكنت الفورة.
قال الأصمعي دخلت على هارون الرشيد، فقال لي: يا أصمعي إني أرقت ليلتي هذه، فقلت لمَ أنام الله عينيك يا أمير المؤمنين قال فكرت في العشق ممّ هو؟، فلم أقف عليه فيصفه لي، حتى أتخيله جسماً مجسماً، قال الأصمعي: والله ما كان عندي قبل ذلك فيه شيء، فأطرقت ملياً.
ثم قلت: يا أمير المؤمنين إذا تفادحت الأخلاق المتشاكلة، وتمازحت الأرواح المتشابهة، ألهبت لمح نور ساطع، يستضيء به العقل، ويهز لإشراقه طباع الحياة، ويتصور من ذلك النور، خلق خاصتي بالنفس متصل بجوهرة تيها تسمى العشق، قال أحسنت، والله يا غلام أعطه، وأعطه، وأعطه ثلاثين ألف درهم.
قال الروم: تقول لا يملك علينا من يحتاج أن يشاور، وقالت: الفرس نحن لا نملك علينا من يستغني عن المشورة.
قال ابن عباس: خطب أمير المؤمنين علي كرّم الله وجهه، على ابنه الحسن ﵇، أم عمران، أو بنت سعيد بن قيس الهمداني، فقال فوقي أمير، أو قال أميره يعني أمها، فقال له: قم فوامرها فخرج من عنده، فلقيه الأشعث بن قيس بالباب، فأخبره الخبر، فقال: ما تريد إلى الحسين يفخر عليها، ولا ينصفها، وبما أساء إليها، ويقول: أنا ابن بنت رسول الله، وابن أمير المؤمنين، فهل لك في ابن عمها؟.
قال: ومن ذاك؟ قال ولدي محمد بن الأشعث قال: قد زوجتك، قال الأشعث رضيت عنه وقبلت، ثم مضى ودخل الأشعث على أمير المؤمنين علي ﵇، فقال يا أمير المؤمنين خطبت على الحسن ابنة سعيد، قال نعم، قال فهل لك في أشرف منها، وأكبر حسباً، وأتم جمالاً، وأكثر مالاً، قال: ومن هي؟ قال: جعدة بنت الأشعث بن قيس، قال: قد خطبت سعيد بن قيس في ابنته، وقد مضى ليوامرها: فقال يا أمير المؤمنين قد زوج ابنته من محمد بن الأشعث، قال ومتى؟ قال الساعة بالباب، قال فتزوج الحسن بجعدة، فلما لقي سعيد الأشعث، قال له: يا أعور خدعتني، قال: أنت أعور أعمى حيث تستشير في ابن رسول الله ﷺ.
بل أنت أحمق، ثم جاء الأشعث إلى الحسن فقال: يا أبا محمد ألا تزور أهلك، فلما أراد ذلك، قال: لا تمشي، والله إلا على أردية قومي، فأقامت له كندة سماطين وجعلت له أرديتها سباطاً من بابه إلى باب الأشعث، قال النبي ﷺ: "سألت ربي أن لا يشنع حبيباً يدعو على حبيبه".
وقال هشام بن محمد لما ولي أبو العباس صعد المنبر ليخطب فقام إليه السيدان بن محمد فقال:
دونكموها يا بني هاشمِفجددوا من أيُّها الطَّامسا
دونكموها فألبسوا ناجهالا تعدموا منكم لها لابسا
دونكموها لا علا كعبُمن أمسى عليكمُ ملكها نافسا
خلافةُ اللهِ وسلطانهُعادَ، وقد كانَ لكم دارسا
قد ساسها من قبلكم ساسةٌلم يتركوا رطباً ولا يابسا
أربعةٌ في طلقٍ واحدٍوأرثها رابعهم خامسا
وداخلٌ من بيتهم من بنيعمهم كانَ لهم سادسا
لو خيِّرَ المنبرُ فرسانهُما اختارَ إلا منكم فارسا
والملكُ لو شوِّرَ في ساسةٍما اختارَ إلا منكموا سايسا
لم نبقِ عبدَ اللهِ بالشّامِمن آل أبي العاص امرءاً طسَّا
ولستَ من أن تملكوا إلىهبوطِ عيسى نبيكم آيسا
فأمر له بمال، فقال إن لي حاجة، قال: وما هي قال ترضى عن سليمان بن حبيب، وتكتب بعهده على الأهواز ففعل به ذلك، وأخذ العهد، ووافى سليمان فأنشده:
أتاكَ بعهدكَ من عندهِعلى من يليكَ منَ العالمِ
وشفيعٍ وشريفٍ وشاعر وزائر، سل حاجتك، قال: بدرة دنانير وجارية حسناء، وفرساً رائعاً ومنزلاً واسعاً، قال ذلك علي لك في كل سنة. ففعل به ذلك. قال ابن عباس: وقد سئل عن المد، والجزر، فقال ملك موكل بقاموس البحر إذا وضع رجله فاض، وإذا رفعها غاض وقاموس البحر وسطه، قال أفلاطون من لم ينم، حتى يتعرض الخلاء دام له حسن صورته، ومن أقل من مجامعة النساء ثبت له سواد رأسه ولحيته.
قال أهدي أبو محمد الهمداني ابن أخت أبي هنّاد إلى علي بن يحيى المنجم في نيروز هدية وقال له معتذراً إليه من تقصيره:
هذي هديّةُ واثقٍبمكانهِ منكمُ مدلُّ
يرنو بعينٍ معظِّمُ لكَ عن هديّتهِ مجلُّ
والفضلُ كلُّ الفضلٍ منكَ قبولُ الطافِ المقلُّ
قال الكسروي أخبرنا بعض إخواني، وكان له علم بالعزائم ويذكر أن بعض الجن يخدمه، قال رأيت إبليس في سكة سليمان، وقفت أقرأ فسبقتني إلى ما كنت أقرا، فلما أعياني، قال لي: ويلك يا جاهل أنا أقرأ منك لكتاب الله، وليست ممن تهولني قراءتك، وتعاويذك، ولولا أني أميل إليك لتلفتك. فقلت أحب أن تنشدني شيئاً من شعرك، فتناول رأسي فصفعني صفعات، ثم أنشأ يقول:
سائل طلولَ القضا ومصقعهاكيفَ ترى راحتي وموقعها
كم صائرٍ هامةً معلَّمةًذلّلها صافعٌ فطيّعها
ثم غاب عني، لم تره عيني، قال الحماز: الحميّة إحدى العلتين.
أخبرنا شيخنا الإمام السعيد، ناصح الإسلام، نجم الهدى أبو الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، قال: حدثنا شيخنا القاضي الإمام القاسم إسماعيل بن سعيد بن إسماعيل بن محمد بن عجلان، قال: أخبرني علي بن يحيى بن أبي منصور.
قال: كنت بين يدي المتوكل، إذ دخل علي بن محمد بن علي بن موسى، ولما جلس، قال له المتوكل ما يقول، والدك في العباس بن عبد المطلب؟ فقال ما يقول، والدي في رجل فرض الله طاعة نبيه على جميع خلقه، وفرض طاعته على نبيه ﷺ وأخبرنا شيخنا الإمام أبو الخطاب محفوظ بن أحمد قال: أخبرنا القاضي أبو يعلى، قال حدثنا إسماعيل بن سعيد قال: حدثنا أبو علي الكوكبي، قال: حدثنا علي بن حرب الطائي، قال: حدثنا جعفر بن الطائي قرابة للقحاطنة من أهل جزيرة مهربان، حدثنا أبان بن عبد الجبار قال: كنا عند سفيان بن عيينة، وهو يحدثنا، إذ التفت إلى شيخ جنبه، فقال: يا أبا عبد الله حدثنا بحديث الحية، فقال الشيخ حدثني محمد بن عنبسة، قال خرج حميري بن عبد الله إلى متصيد له، قال: فلما أقفرت الأرض به، انسابت حيةٌ من بين قوائم دابته، فقامت على ذنبها وقالت: آوني آواك الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، فقال لها، ومن أي شيء آويك؟ قالت من عدو قد غشيني يريد أن يقطعني إرباً إرباً، قال لها، وأين آويك؟ قالت في جوفك إن أردت المعروف، قال: ومن أنت؟ قالت أنا من أهل لا إله إلا الله، فقال لها فهاكِ جوفي، فصيّرها في جوفه، فإذا بفتىً قد أقبل ومعه صمصامة له قد وضعها على عائقةٍ.
فقال له: أيها الشيخ أين الحية؟ أطلت بكنفك، وأناخت بفنائك، قال هل ترى شيئاً؟ قال عظمت كلمة تخرج من فيك، قال ما جاء منك أعظم، تراني أقول ما أرى شيئاً، ويقول لي هذا، فولّى الفتى مدبراً، فلما توارى، قالت الحية يا عبد الله، انظر هل ترى أحداً، أو هل يراه بصرك، أو يأخذه طرفك؟ قال ما أرى شيئاً، قالت: اختر مني إحدى منزلتين، إما أن أنكت قلبك نكتةً فأجعله رميماً، أو أرث كبدك رثاً، فأخرجه من أسفلك قطعاً، قال لها: ما كافئتني يرحمك الله، قالت فاصطناعك المعروف إلى من لا تعرف ما هو إلا جهلك، وقد عرفت العداوة بيني وبين أبيك من قبل.
وقد علمت أنه ليس عندي مال أعطيك، ولا دابة أحملك عليها، قال أردت المعروف، فالتفت، وإذا بفيء جبل، قال فإن كان لابد من قتلي ففي هذا الفيء الذي للجبل، ثم نزل يمشي يائساً من الحياة، وإذا بفتىً جالس في ظل الجبل، كأن وجهه القمر ليلة البدر، فقال الفتى يا شخ مالي أراك مستبسلاً للموت.
فقال من عدو في جوفي أويته من عدو له، فلما صار في جوفي، قال كذا وكذا، وقص عليه القصة، فقال له الفتى: أتاك الغوث، ثم ضرب بيده إلى ردنه، فأخرج شيئاً فأطعمه إياه، فاختلجت وجناته، ثم أطعمه ثانياً فوجد مغصاً في بطنه، ثم أطعمه ثالثاً فرمى الحية من سفله قطعاً.
فقال له حميري: من أنت؟ يرحمك الله؟، فما وجد أعظم علي منّة منك، قال له، أو ما تعرفني؟ قلت لا، قال أنا المعروف، إنه اضطربت ملائكة سماء سماء من خذلان الحية إياك فأوصى الله ﷿ إلى أن يا معروف أغث عبدي وقل له أردت لوجهي أشياء فأتيتك ثواب الصالحين، وأعقينك عقبي المحسنين ونجيتك من عدوك وفيه قال:
ومن يفعلِ المعروفَ معَ غيرِ أهلهِيجازى كما جوزيُ مجيرُ أمُّ عامرِ
قال العتبي رؤي مروان بن أبي حفصة واقفاً بباب الحسن، كئيباً أسفاً ينكث بسوطه على معرفة دابته فقيل له يا أبا السمط ما الذي نراه بك؟ قال أخبركم بالعجب، مدحت أمير المؤمنين فوصفت له ناقتي من خطامها إلى خفيها.
ووصفت الفيافي من اليمامة إلى بابه أرضاً أرضاً، ورملةً رملة، حتى إذا أشفيت منه على غنى الدهر جاء من بياعة الفخاخير يعنى أبا العتاهية، فأنشده بيتين فصحصح بهما شعري وسواه في الجائرة بي فقيل له، وما البيان فأنشده:
إن المطايا تشتكيك لأنهاقطعت إليكَ سباباً ورمالَ
فإذا رحلنَ بها رحلنَ مخفَّةًوإذا بنا رجعنَ ثقالاً
يقال لا تنجع الحكم في الطباع القاسية، كما لولا يزكو الزرع ي البقاع الجاسية، قدم أبو الجهل بي أبي حذيفة على معاوية ومعه ابن له فصيح، فلما جلس واستقر، قال له معاوية: سل حاجتك، قال: كذا وكذا، وأطال معاوية يسمعه لكل ما يسأل فأكثر، وألح، فقال له ابنه: يا أبت عن أمير المؤمنين، ولا تملله، فقال يا بني ما وراءه مطلب، ولا عذر مذهب، ولا على كرمه لمحتد مطعن، وما مثلنا إلا، كما قال عبد المسيح الهذلي:
نقلبهُ لنخبرَ حالتيهِفنخبرُ منهما كرماً وليناً
نميلُ على جوانبهِ كأنانميلُ إذا تميلُ على أبينا
كانت أم الفضل بنت الحارث الهلالية ترقص عبد الله بن العباس، وتقول:
ثَكلتُ نفسي وثكلتُ بكريإن لم يسدْ فهراً وغيرَ فهرِ
أبو النواس قال: دخلت على الأمير فقلت: يا أمير المؤمنين قد قلت فيك أبياتاً، آليت أن لا آخذ لكل بيت إلا عشرة آلاف درهم، فقال: هات فأنشده:
قدْ قُلتَ، والغيمُ دانٍيكادُ يدفعُ باليد
يا غيمُ أرعدْ وأبرقْمحمدٌ منكَ أجودِ
على الأمينِ تمنتْبالله رب محمدِ
أنْ لا يقولُ لراجٍأتاهُ لا عنْ تعمدِ
فأعطاه أربعين ألفاً، يقال نعم الناصر الجواب الحاضر. ذكر الأصمعي، قال كنت مع الرشيد بالرقة، فبعث إلي وقت الصلاة العصر أجب أمير المؤمنين، فقمت مبادراً، فأدخلت عليه، وهو جالس على كرسي من الخيزران.
وإلى جانبه صبية خمسية، فيلت، فلم يرد السلام، وإذا هو يخط على الأرض، ويكتب بإصبعه، ثم رفع رأسه إلي وقال: يا أصيمع فقلت لبيك يا أمير المؤمنين قال: ألا ترى إلى الدعي ابن الدعي اليهودي بن اليهودي، عبد بني حنيفة ودعي بني أمية مروان بن أبي حفصة، يقول: لمعن بن زائدة وإنما هو عبد بن عبيدي:
أقمنَا باليمامةِ إذ يئسنَامقاماً لا نريدُ به ارتجالاً
وقلنا أينَ نرجلُ بعد معنٍوقد ذهبَ النوال لا نوالاً
وكان الناس كلهمُ لمعنٍإلى أن زار حفرتهُ عيالاً
فجعلني، وولدي وحشمي عيالاً لمعن، وإذا كان قد ذهب النوال، فلا نوال فيما يصنع ابن الزانية ببابي؟ فقلت ببابك يا أمير المؤمنين، وأنت أولى به، فقال، يحضر الساعة فأحضروه من ساعته إليه فقال: السياط، فأحضرت، فقال صبوها عليه الدعي الفاجر، فجعلت تأخذه من هاهنا وهاهنا وهو يصيح، يا أمير المؤمنين ارع حرمتي بك وبأبيك، ومدائحي فيه وفيك، وهو يقول: أوجع ابن الزانية، حتى ضرب ثلاثمائة سواط، وهو يقول: اسمع بحق جدك وابن عمك ما قلته فيك، فقال هات ما قلته فأنشده:
طرقتكَ زائرةً فحيّ منالها
حتى أتى على آخرها، فضحك، ثم قال يعطى سبعين ألف درهم فقبضتها وانصرفت محمولاً، ثم قال يا أصيمع أتدري من هذه الجويرية؟ قلت لا، والله يا أمير المؤمنين قال: هذه نواسة بنت أمير المؤمنين قم فقبل رأسها، فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون، أفلت من واحدة، وأقع في أخرى، أغلظ منها أقبل رأسها فتداخله غيرة هاشمية فيقتلني فتغافلت فأخذ الحزن، ليحذفني به، فقمت فوضعت كمي على رأسها، ووضعت كفي على كمي، ثم قلت كفي، فقال، والله لو أخطأت لضربت عنقك.
فقلت يا أمير المؤمنين، فما جزاء من يرافق محبتك؟ فضحك، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، ثم أخذ يعد حديثه عوداً من الأرض، فقال مثل من حظ خير من جبل عظيم من العقل بلاحظ.
قال: دخل البلاذري على أبي عيسى بن المتوكل، فسأله حاجة تعذرت عليه، فرأى البلاذري لأبي عيسى، وهو يتغمز من يعذر حاجته، والخمر في وجهه، ويصفر من الغم لذلك، فقال أبها الأمير حسبك، فقد، والله بان في وجهك الاغتمام يتعذر حاجتي، وذكرته، قول الشاعر:
يكادُ يخرجُ في ديباجِ أوجههمخوفُ الملامةِ حتى يقطرنِ دماً
قال تميم بن نصر بن سيار لأعرابي: هل أصابتك تخمة قط؟ قال أما من طعامك فلا. وقال أحمد بن المعذل
وأنتم أهل بين الفضل نائلكمستر علينا من المعروف ممدود
نرجو لباقيةِ الأيامِ باقيكمومنْ مضى فهو موجود ومحمودُ
في ضده لبعض الشعراء.
يتباهونَ وخبزهم عددٌوإدامهم ملحٌ إذا احتسدوا
وإذا ادعوا الخلافَ مكرمةٌقاموا وإن يدعوا لها قعدوا
سأل أبو النواس أبي الشمقمق عن حاله فأنشده:
كنتُ فيما مضى فتى أمدحُ الناسوأهجوُ وذاكَ ذلٌ ذليلْ
فأنا اليومُ ليسَ قولي إلاحسبنا الله وهو نعمَ الوكيلْ
قال له أبو النواس: يا ابن الزانية، قل لهذا يطعمك الخبز فبلغت الرشيد، فقال ليعلمن الزنديق أذاك سينفعه، فيعث إلة أبي الشمقمق بعشرة آلاف درهم، وأمر أن يجري عليه في كل شهر ألف درهم.
قال زيد بن الحباب ما رأيت سفيان الثوري ﵁ رضي عن السلطان إلا مرة واحدة، وذلك أنه خرج إلينا من منزله فقال: يا أيها الناس اعذروا السلطان، فإني ذبحت شاة. فما استطعت أن اعدل في تفرقتها بين قومي وجيراني.
نظر أعرابي إلى رجل يكتب دفتراً بخط دقيق، فقال إنك لعلي ثقة من الدهر. قال أمير المؤمنين على بن أبي طال كرم الله وجهه. من أحب أن ينظر إلى أحسن منظر فليأت منزل عمي العباس، يجد عبد الله أعلم الناس، وعبيد الله أسخى الناس، والفضل أفضل الناس.
وقع المأمون إلى أحمد بن هشام على رقعة رجل تظلم منه، أكفني أمر هذا وإلا كفيته أمرك. وقع السفاح إلى صاحب أرمينية، وقد بلغه شغبهم عليه، ونهبهم للمال الذي قبله اعتزل، عافاك الله عملنا لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا، لبعض الأعراب:
إذا لم تكن جلداً على بدعِ الهوىغروفاً إذا شيء أمرتْ مرائرهُ
فمتْ واسترخْ فالموت من ذاك راحةٌوتقطيع أسباب الذي أنت ذاكرهُ
دخل وفد من المسلمين على ملك الروم، وكانوا ثلاثة أحدهم مختضب بالوسمة عشرة آلاف دينار، والأبيض خمسة آلاف.
ولم يعط المختضب بالحناء، فقال له: ولم أعطيتهم ومنعتني؟ قال: لأن صاحب الوسمة ابتلى بالبياض فصبغه صبغاً رده إلى شبابه، والمحبوب المطلوب، وألطف الحيلة، وأما صاحب البياض لما ابتلي صبر، ولم يغير، فلم يحسن، ولم يسيء.
وأنا أنت فابتليت، فلا صبرت، ولا أحسنت، فما دبرت وهذا يدل على فساد رأي، وخلل في الطبيعة، ومن هذا عقله لا تصلح معه الصنيعة، ولما دخل الشعبي على ملك كابل، رآه مختضباً بالحناء، فقال الملك لترجمانه، قل له: ما هذا الخضاب، وما دعاك إليه؟ فقال سنة سلفنا، فقال الملك ما أدري ما سنتكم، إلا أنه قد كان ينبغي لو خلفتم على هذه الخلقة أن تغيروها لبعضهم:
ودعُ المشيبِ شراستي وغراميورمى جفونِ العينِ بالشجام
ولقد حرصتُ بأن أورايَ شخصهعن مقلتي فرميتُ فير مرامي
فصبغتُ ما صبغ الزمانُ فلم يدمْصبغي ودامتْ صبغةُ الأيام
لبعضهم:
إذا لبسوا عمائمهم ثنوهاعلى كرمِ، وإن سفروا أناروا
يبيعُ وبشرى لهمُ سواهمُولكنْ بالطعانِ همُ نحارُ
إذا ما كنتَ جارَ بني عقيلٍفأنت لأكرمُ الثقلينِ جارُ
في بعض من قلد أمانته على العمال:
إن الألى ولكَ حفظَ أمانةِما صادفوا بكَ حافظاً مأمونا
بكت الضياعُ من الضباعِ بأعينٍأبكينَ من أنسأتهنَّ عيونا
ذكروا أنه لما أتي عبد الملك بن صالح وفد الروم، أقام على رأسه رجالاً لهم قصر وهام ومناكب، وأجسام وشعور، فينا هم يكلمونه، والبطريق جالس عنده، ووجه رجل من الذين اختارهم للمباهاة في قفا البطريق.
إذ عطس عطسة ضئيلة، فلحظه عبد الملك بن صالح لحظة منكرة لم يدر العاطس ما سببها، فلما انصرف الوفد: قال له: الرجل رأيت عينيك تلحظاني لحظاً منكراً، فما سببه؟، فقال له: فهلا إذا كان منخراك ضيقين وخيشومك في كرارتها خيشوم الأرنب، اتبعت عطستك اتبعت عطستك بصيحة تخلع به قلب العلج، ثم أنشد، قول العتابي في الرشيد:
جهيرُ العطاس شديدُ النياطجهير الرواء جهيرُ البعسمِ
ويخطو على الأينِ خطو الظليمِونمى السماط بجسم عميمِ
وأنشد أبو عمرو بن العلاء لرجل من الخوارج، في وصف شبيب بن يزيد الخارجي، المعروف بابن الديلمية، وكان شبيب يصيح في الخيل إذا أتته، فلا يلوي أحد إلى أحد:
إن صاح يوماً حسبت الصخر منحدراًوالريح عاصفة والبحر ملتطماً
شكا بعض الناس إلى صديق له رجلاً ما يلقاه من شره، فقال له: اصبر عليه واحتمله، وأنشد:
فلو كان منهُ الخير أو كان شرهُعتيداً جعلتُ الخيرَ منهُ مع الشر
ولكنهُ شر ولا خير عندهُوليس على شرٍّ إذا دام من صبرِ
مر رجل ببعض الولاة، وهو يعذب قوماً في الخراج، ويصل قوماً بدراهم، فقال له: إن كنت تصل من ترحم فارحم من تعذب، قال رجل لعمر بن الخطاب ﵁ يا أمير المؤمنين: أعطي الشعراء، فقال خير المال ما وقى العرض. قيل إنه أبطأ ابن عبدل الأسدي أياماً عن عبد الملك بن بشر بن مروان، وهو والي العراق.
فقال يا ابن عبد الله لم أرك منذ أيام، فقال أصلح الله أمير، كنت خطبت امرأة من أهلي فحلفت لا تتزوج بي، حتى أخرج حقها، وأقضي دينها، وأقتصي مالها، فخرجت إلى البادية فمدحت هذا، وهجوت هذا، وحمدت هذا، وذممت ذا، فلما فرغت أتيتها تنجز الوعد فملت لي رفعة فيها مكتوب أما والله لو كرهت يميني شمالي، ما وصلت بها شمالي..
سيعيبكُ الذي حاولتَ منيإذا انتقصتْ عليكَ فقوي خبالي
كما أعياكَ معروفُ بن يشرٍوكنتَ تعدهُ رأس مالي
فقال له عبد الملك: قاتلك الله ما أحسن ما ألطفت المسألة، وأمر له بمال وصرفه.
لما التاث عبد الله بن علي عم المنصور عليه، كتب إله:
وخدراء لوْ أطلقتها من عقالهاتضايقَ عنها الأفق، والأفق واسعُ
فأين عليٌ ما بيننا من قرابةوراجعٌ فخيرُ المذنبينَ المراجع
فإنكَ إن وليتَ ذمةً بينناخلافاً تولتكَ السيوف القواطع
قيل لعيسى ﵇، لو تزوجت يا روح الله، فيكون لك ولد، فقال الولد إن عاش كدني، وإن مات هدني، قال أمير المؤمنين على ﵇، لا تطيعوا النساء على حال، ولا تأمنوهن على مال، ولا تذروهن إلا لتدبير العيال، إن تركن، وما يردن أو ردن المهالك، وأذكن الممالك، لا دين لهن عند لذتهن، ولا ورع لهن عند شهوتهن، ينسين الخير، ويحفظن الشر، يتهاوين بالبهتان، ويتمادين في الطغيان، ويتصدين للشيطان.
بعض الحكماء قال: ما أطاع عرسه لم يرفع نفسه. وقال آخر اعص هواك، والنساء، واعمل ما شئت، وقال آخر: النساء شر كلهن، ومن شرورهن قلة الاستغناء عنهن، وقال أرسطاطاليس: القينة ينبوع الأحزان. نظمه أبو الفتح البستي:
يقولون مالكَ لا تقتنيمن الذخرْ مالاً يفيدُ الغنى
فقلت وأفحمتهم في الجوابلئلاَّ أخافَ ولا أحزنا
يقال إن جمال الرجل في طي لسانه لا في طيلسانه. وقال ﵇: ما أكل من قدر على المعروف، وكانت له فيه نية، إذن له فين فإذا اجتمعت النية، والقدرة فهناك تمت السعادة، وله ﵇: من عاش أبصر في الأعداء بغيته، وإن يمت فله الأيام تنتصر.
قال بعض الحكماء: لو صور العقل لأظلم معه الشمس، ولو صور الحق لأمنا معه الليل، قيل لريض: ما تشتهي؟ أشتهي أن أشتهي.
مر بعض ملوك الفرس على شيخ كبير يغرس شجرة جوز، فقال له: يا هذا أتطمع أن تعيش لتأكل منها، فقال: لا، ولكن الدنيا سلمت إلينا عامرة. فندفعها إليهم عامرة. فقال الملك هذا حكيم أعطوه أربعة آلاف درهم، فقال الشيخ ما أسرع ما أدركت خير هذه الجوزة، فقال الملك أعطوه أربعة آلاف درهم أخرى، وأمسكوا لسانه، لئلا يتكلم بما يستحق به العطاء.
قيل لسعيد بن المسيب: مات إبراهيم بن محمد بن طلحة، قال: كيف مات؟ قيل سقط قصره، فقال هيهات لا يموت مثله هكذا، فلما أخرج من الهدم وجدوه حياً ما برجله كسر، فقيل لسعيد كيف قلت ما قلت؟ فقال: لأنه واصل للرحم، وواصل الرحم يوقى سيئه السوء.
يقال: إن القرابة تحتاج إلى المودة، والموجة لا تحتاج إلى القرابة، والود أعطف من الرحم. ذكر بعض الحكماء: أن غسل الوجه بالماء البارد عقب الخروج من الحمام يبقي طراوته مع كبر السن، أوحى الله تعالى إلى إبراهيم عيه السلام:_تدري لم اتخذتك خليلاً). قال الحسن البصري: ما لا، (لأني رأيتك تحب أن تعطي، ولا تحب أن تأخذ وهذه صفتي، فاتخذتك خليلاً). قال الحسن البصري: ما أنصفك من كلفك لحلاله ومنعك ماله؟
إذا لم تكنْ نفسُ الشريفِ شريفةٌوإنْ كانَ ذا قدرِ فليس له شرفُ
قال أكثم بن صيفي: السخاء حسن الفظنة، واللؤم سوء التغافل، ومن حسن الفطنة تبليغ التعريض. مت حكى عن بعض الأمراء أن رجلاً سايره، فقال له: ما أهزل برذونك، فقال له: أيها الأمير يده مع أيدينا فوصله بصلة سنية، اكتفى بهذه الإشارة، ومن ذلك ما حكى عبيد الله بن سليمان أنه لما تقلد الوزارة للمعتضد، كتب إليه عبد الله بت عبد الله بن طاهر.
أبى دهرنا إسعافنا في نفوسناوأسعفنا، فمن نحبُ ونكرمُ
فقلتُ لهُ نعماكَ فيهم أتمهاودع أمرنا إن المهمَّ المقدمُ
فقال الوزير: ما أحسن ما شكا حاله من إضعاف مدحه، وقضى حاجته. قال بعض الحكماء: الضرورة توقح الضرورة يعني العاجز، وفي معناه:
ألا قبح الله الضرورةَ إنهاتكلفُ أعلا الخلقَ أدنى الخلائقِ
وللهِ درُّ الاختيارِ فإنهُيبينُ حدَّ السبقِ منْ غير سابقِ
قال الفضل بن سعيد لرجل سأله حاجة: أعدك اليوم، وأحبوك غداً بالإنجاز، فتذوق حلاوة الأمل، وأتزين بثوب الوفاء. وروى النبي ﷺ أنه قال "لكل شيء ثمرة، وثمرة المعروف تعجيل السراح".
وقيل لأنوشروان: ما أعظم المصائب عندكم؟ فقال: أن تقدر على المعروف، فلا تصطنعه، حتى لا يفوت. وقال أبو عبد الحميد: من أضاع الفرصة وعن وقتها فليكن على ثقة من فوتها. روي عن النبي ﷺ أنه ذكر عنده رجل فذكر فيه خير، وقالوا: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم: خرج معنا حاجاً فإذا نزلنا منزلاً لم يزل يصلي، حتى نرحل، فإذا ارتحلنا لم يزل يذكر الله سبحانه، حتى ننزل، قال: "فمن كان يكفيه علف ناقته وصنيع طعامه" قالوا: كلنا قال: "فكلكم خير منه".
كتب بعض ذوي الحاجات إلى عامل بلد في رعاية حرمته:
أعلى الصراطِ تريدُ تظهرُ حرمتيأن في الحسابِ تمنُّ بالأنعامِ
للنفعِ في الدنيا أريدك فانتبهْالحيَّ أنجى من رقدة النوامِ
وكتب أبو علي البصير إلى بعض الوزراء، وقد اعتذر إليه بكثرة الأشغال:
لنَا كلُّ توبةٌ قدْ نتوبهاوليسَ لنا رزقٌ، ولا عندنا شغلُ
فلا تعتذرْ بالشغلِ عنا فإنماتناطُ بكَ الآمالُ ما اتصلَ الشغلُ
قال بعض البلغاء المقادير الغالية لا تنال بالمغالبة، والأرزاق، لا تنال بالشدة، والمكالبة، فذلك للمقادير نفسك، واعلم بأنك غير نائل بالحرص إلا حظك، وقد قيل رب حظ أدركه غير طالبه، ودر أحرزه غير جالبه ودر حصله غير طالبه، لبعض الأدباء، وهو محمد بن حازم:
يا أسيرَ الطمعِ الكاذب في أسْر الهوانِ
إن عزَّ الناس خيرٌلك منْ ذلك الأماني
سامح الدهرَ إذا أعزَّوخذْ صفوَ الزمانِ
ربما أعدمَ ذو الحرْصِ وأثرى ذو الثواني
قال بعض الحكماء: في تقلب الأحوال نتعرف جواهر الرجال، الكره يسهل بالمرون، قال في تأويل قوله تعالى: حياة طيبة، قال القناعة. وقال أكثم بن صيفي من باع الحرص بالقناعة ظفر بالغنى والثروة وقال بعض الشعراء:
إذا كنتَ ذا مالٍ ولم تكُ ذا ندىًفأنت إذن والمقترونَ سواءٌ
على أنَّ في الأموال يوماً تباعةعلى أهلها والمقترونَ براءُ
(وقال آخر):
إذا أسود وجه المرء وأبيض شعرهُتنغصَّ من أيامه مستطابها
وغرهُ عُمر المرءِ قبل مشيبهوقد فنيتْ نفسٌ تولى شبابها
فدعْ عنكَ فضلاتِ الأمور فإنهحرامٌ على نفس الكريم ارتكابها
ومنْ يدقِ الدنيا فأنى طعمتهاوسيق إلى عذبها وعذابها
وما هي إلا جيفةٌ مستحيلةعليها كلابٌ همهنَّ اجتذابها
قال بعض الحكماء إن من قنع كان غنياً، وإن كان مقتراً، ومن لم يقنع كان فقيراً، وإن كان مكثراً، وقال بعض السلف من البلغاء، إذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، وإذا طلبت العز، فاطليه بالطاعة، فمن أطاع الله (عز جلاله) نصره، ومن لزم القناعة زال فقره. قيل لبعضهم: صف لنا حال الأخ الصالح، فقال: يلقاني بوجه لا غني به عني، وأما إليه محتاج، وإن أذنبت غفر وكأنه المذنب، وإن أسأت أحسن وكأنه المسيء له بشر مقبول، ونائل مبذزل، وعفاف معروف وأذى مكفوف لبعضهم:
خبتْ نارُ نفسي إذا أضاءتْ مفارقيوبان شبابي حين لاحَ شبابها
فيا بومةً قد عششتِ فوق هامتيعلى الرغم منَّي حين طارَ غرابُها
عرفتِ طرَابَ العُمرِ منَي فررتنيومأواكِ منْ كلّ الديارِ خرابها
قال عمر لابن عباس ﵁: من ترى أوليه مص؟ قال: رجلاً صحيحاً منك صحيحاً لك، قال: فكن أنت ذلك الرجل، قال لا ينتفع بي مع سوء ظنك بي، ولا أنتفع بك مع ظني بك. قال بعض الحكماء من يرى من ثلاث نال ثلاثاً من يرى:
فطوبا لنفس لا رمتَ بابَ دارهامغلقةَ الأبوابِ مرخىً حجابها
وأدي زكاةَ الجاهِ واعلمْ بأنهكمثلِ زكاة المالٍ ثم نصابها
وأحسن إلى الأحرار تلمكَ رقابهمفخيرُ الخيارات الكرامُ اكتسابها
وما تخربُ الدنيا بموتِ شرارها=ولكن يموتُ الأكرمينَ خرابُها من يرى من الشر نال العز، ومن يرى من البخل نال الشرف، ومن يرى من الكبر نال الكرامة، قال معصب بن الزبير: التواضع مصائد الشرف، وفي منثور الحكم، من دام كتواضعه كثر صديقه. قال بعض الناس في الولاية رجلان، رجل يجل العمل ليفضله ومروءته، ورجل يجل بالعمل لنقصه ودنائته، فمن جل عن عمل ازداد تواضعاً وبشراً، ومن جل عنه عمله لبس به تجبراً وكبراً، يروي النبي (صبى الله عليه وسلم) أنه قال: "إن الله اختار لكم الإسلام ديناً فأكرموه بحسن الخلق، والسخاء فإنه لا يكمل إلا بهما" قال الأحنف بن قيس: ألا أخبركم بأدواء الداء؟ قالوا بلى، قال: الخلق الرديء، واللسان البذيء.
قال بعض الحكماء الحسن الخلق من نفسه في راحة، والناس منه في سلامة، والسيء الخلق الناس منه في بلاء، وهو من نفسه في عناء، قال بعض الأدباء: عاشر أهلك بالمعروف، وبأحسن أخلاقك، فان الثواء فيهم قليل.
يروي عن النبي ﷺ أنه قال:"حسن الخلق وحسن الجوار يعمران الديار، ويزيدان في الأعمار" قال بعض الحكماء في سعة الأخلاق كنوز الأرزاق، يقال إن ذلك العزل ثمرة نية الولاية. حكى حميد الطويل، وكان من الصلحاء، والتابعين عن عمار بن ياسر أنه عزل عن ولاية فاشتد عليه ذلك وقال: إني وجدتها حلوة الرضاع، مرة الفطام، ولبعض الشعراء:.
فإن تكنْ الدنيا أنالتكَ ثروةًفأصبحت ذا يسرٍ، وقد كنت ذا عسرِ
لقد كشفَ الإثراء منك خلائقاًمن اللومِ كانتْ تحت ثوبٍ من الفقر
في معنى هذا أن قتيبة بن مسلم كتب إلى الحجاج: إن أهل الشام قد التاثوا علي فكتب إليه اقطع عنهم الأرزاق ففعل، فساءت أحوالهم، فاجتمعوا إليه وقالوا: أقلنا، فكتب إلى الحجاج بذلك الأكبر يذل به كل جبار تكبر، وقد روى عن النبي ﷺ أنه قال: "إنكم لن تسعوا بأموالكم فليسعهم منكم بسط الوجوه، وحسن الخلق" في معناه الشاعر:
بني إنّ البشرَ شيءٌ هينُوجهٌ طليقٌ وكلامٌ لينُ
قال عبد الله بن جعفر لا تستحي من القليل فإن البخل أقل منه، ولا تجبن عن الكثير فإنك أكثر منه، قال الشاعر:
اعملَ الخيرَ ما استطعتَوإن كان يسيراً فلن تحيطَ بكله
ومتى تفعل الكثيرَ من الخيرِإذا كنتَ تاركاً لأقلهِ
روي عن النبي (صلى الله عيه وسلم) أنه قال:"إذا أراد الله بعبد خيراً جعل ضايعه في أهل الحفاظ".
وفي منثور الحكم: لا خير في معروف، إلى غير عروق. وقال حسان بن ثابت:
إنّ الصنيعةَ لا تكونُ صنيعةًحتى يصابُ بها طريقُ المصنعِ
فإذا صنعتَ صنيعةً فاعمل بهاللهِ أو لذي القاربةِ أودعِ
قال بعض الحكماء: على قدر المغارس يكون اختبار الفارس، وقد نظمه بعض الشعراء:
لعمركَ ما المعروفُ في غير أهلهِوفي أهلهِ إلا كبعضٍ الودائع
فمستودعٌ ضاعَ الذي كانَ عندهُ=ومستودعٌ ما عنده غيرُ ضائعِ
وما الناس في شكر الصنيعةِعندهم وفي كفرها إلا كبعض المزارعَ
روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من أودع معروفاً فلينشره، وإن نشره، فقد شكره، وإنّ كتمه، فقد كفره".
روي عن عائشة ﵂ قالت: دخلت على رسول الله ﷺ وأنا أتمثل بهذين البيتين:
ارفعْ ضعيفَكَ لا يجزيكَ ضيعتهُيوماً فتدركهُ العواقبُ قد نما
يجزيكَ أو يثني عليكَ وإنّ منْأثنى عليكَ بما فعلتَ فقد جزا
فقال النبي (صلى الله عبيه وسلم): "ردي علي، قول اليهودي قاتله الله لقد أتاني جبريل برسالة من ربي: أيما رجل صنع إلى أخيه صنيعة، فلم يجد لها جزاء إلى الدعاء، والثناء، فقد كافأنا".
وقال عبد الحميد من لم يشكر الأنعام فأعدده من الأنعام. قال بعض البلغاء شكر الإله بطول الثناء وشكر الولاة بصدق الدعاء، وشكر النظير بحسن الجزاء، وشكر من دونك بسبب العطاء. وقال الشاعر:
فلو كان يشغلني عن الشكر منعمٌلعزةِ ملكِ، أو علوًّ مكان
لما أمر الله العبادَ بشكرهِفقال اشكروا لي أيها الثقلان
ولآخر
لأشكرنك معروفاً هممتَ بهِإنّ اهتمامكَ بالمعروف معروف
ولا ألومكَ إن لم يمضهِ قدرٌفالشيء بالقدرِ المحتومِ مصروفُ
قال بعض الحكماء: من شكرك على معروف لم تسده إليه فعاجله بالبر وإلا انعكس فصار ذماً، وقد قال ابن الرومي:
وما الشكر إلا توائم الشكرِ في الفتىوبعضُ السجايا تنشئن إلى بعضِ
فحيث ترى حقداً على ذي إساءةٍفثمَّ ترى شكراً على حسن القرضِ
إذا الأرضُ أدتْ ربعَ ما أنتَ زارعٌمن البذرِ فيها فهي ناهيكَ من أرضِ
قال النبي ﷺ: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس".
قال بعض الأدباء: من لم يشكر لمنعمه استحق قطع النعمة. قال المأمون: الناس على أربعة أقسام: زراعة فصناعة، وتجارة وإمارة، فمن خرج عنها كان كلاً عليها, قال النبي (صلى الله عيه وسلم): "خير المال عين ساهرة لعين راقدة".
وقال بعض السلف: خير المال عين خرارة في أرض خوارة في جفجرها القارة، تسهر إذا نمت، وتشهد إذ قمت، وتكون عمياء إذا مت. وقال النبي ﷺ: "التمسوا الرزق في خبايا الأرضي لجني الزرع".
حُكي عن المعتضد بالله أنه قال: رأيت علياً ﵇ في المنام، فناولني مسحاةً وقال خذها فإنها مفاتيح خزائن الأرض. قال كسرى للموبد ما قيمة تاجي هذا؟ فأطرق الموبد ساعة، ثم قال: مطرة في نيسان تُصلح من معايش الرعية، ما يكون قيمته مقدار تاج الملك. يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: "خير المال مأمورة، أو سكة مأثورة".
يعني بالمهرة المأمورة الكثيرة النسل.
ومن قوله تعالى: (أمرنا مترفيها) أي أكثرنا عددهم المأثورة النخلة المؤثرة للحمل. في التوراة مكتوب يا ابن آدم حدث سفراً أحدث لك رزقاً. حكى أن الإسكندر لما أراد الخروج إلى أقاصي الأرض، قال لأرسطاطاليس أخرج معي، قال قد نحل جسمي وضعفت قواي عن الحركة، فلا تزعجني، قال: فما اصنع في عمال خاصة؟ قال من كان له عبيد فأحسن سياستهم فوله الجند، ومن كانت له ضيعة فأجاد تدبيرها فوله الخراج. قال النبي ﷺ أنه قال: "أوحى الله إلي كلمات قد دخلن أذني، ووقرن في قلبي: من أعطى فضل ماله فهو خير له، ومن أمسك فهو شر له، ولا تلم الله على كفاف".
وقال حميد بن معاوية بن جيدة للنبي ﷺ: "ما يكفيني من الدنيا"؟
قال: ما سد جوعتك، وستر عورتك، فإن كان داراً غذاك، وإن كان فبخٍ بخٍ فلق من خبز وجرة من ماء، وأنت مسؤول عما فوق ذلك".
يقال من قل توقيه، كثرت مساوئه، أنشدنا الشيخ أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن الدهان المرتب بجامع المنصور، قال: أنشدنا الشيخ أبو علي محمد بن الحسين بن شبل لنفسه:
ليس المصرُّ سعيداًبلْ التقيُّ سعيدُ
طِلابُ مَا لَم تقْدرْعلى النفوسِ شديدُ
والعجُزُ كثرُهُ فِكرٌفي فايتٍ لا يعودُ
وراحةُ القلب ملكٌعِند الملوكِ رقودُ
في كل يومٍ جديدٍرزقٌ يجيءُ ويعودُ
وروي أن أعرابياً جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال:
يا عمرَ الخيرِ جزيتَ الجنةَأكْسُ بنياتِي وأمَّهُنَّهْ
وكُنْ لنا من الزمانِ جنَّةأقسْمُ باللهِ لتفعلُنَّهْ
فقال عمر إن لم أفعل تكن ماذا؟ فقال:
يكونُ عنّ حالي لتسألنَّيومَ تكونُ الأعصياتُ هُنَّهْ
وموقِفْ المسؤولِ بينهُنَّإمَّا إلى نارٍ وإمَّا جنَّهْ
فبكى عمر، حتى اخضلت لحيته وقال: يا غلام أعطه قميص لذاك اليوم لا لشعره، أما والله لا أملك غيره. كتب عمر بن عبد العزيز إلى الجراح بن عبد الله الحكمي: إن استطعت أن تدع مما أحل الله له ما تكون حاجزاً نفسه إلى الحرام.
قال بزرجمهر: إن كان شيء فوق الحياة فالصحة، وإن كان شيء مثلها فالغني، وإن كان شيء فوق الموت فالمرض، وإن كان شيءٌ مثله فالفقر بعض الشعراء
أعوذُ بكَ اللهم من بطرِ الغنَىومنْ نهكةِ البلوى ومن ذلةِ الفقرِ
ومنْ أملٍ يرتدُّ بي كلَّ شارقٍويُرجعني منهُ بحظِّ يدٍ صفرِ
إذا لم تدنسني الذنوبُ بعارهافلستُ أبالي ما تشعثّ من أمري
قال عمر بن الخطاب ﵁: من نبل الفقر أنك لا تجد أحداً يعصي الله ليفتقر فنظمه ابن المقفع. شعر:
دليلك إن الفقر خيرٌ من الغنىوإن القليلَ المالِ خيرٌ من المثري
لقاؤك مخلوقاً عصى الله بالغنىولم ترى مخلوقاً عصى الله بالفقرِ
قال بعض الحكماء هيهات منك بالغنى إن لم ينفعك ما حويت. قيل لأبي الزناد: لم تحب الدنانير، والدراهم، وهي تدنيك ن النار: قال: وإن ادعني منها، فقد صانتني عنها. عن بعض الحكماء: من اصلح ماله، فق صان الأكرمين: الدين، والعرض، وفي منثور الحكم من استغنى كرم على أهله. قال عبد الحميد: كيف تبقى على حالتك، والدهر في إحالتك؟، ويقال: إن الدهر حسود لا يأتي على شيء إلا غمره. وقال آخر: الدنيا إن بقيت لك لم تبق لها، لشاعر:
ومنْ كلفتْهُ النفسُ فوقَ كفافِهافما ينقضي حتى المماتِ عناؤهُ
يُروى عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا شئت أن تحيا غنياً، فلا تكن على حالة إلا رضيت بدونها"، وعنه ﵇: "ما من عبد إلا بينه وبين رزقه حجاب، فإن قنع واقتصد أتاه رزقه، وإن هتك الحجاب لم يزده في رزقه". وقال المتدير:
إنّ القناعةَ والعفافَ ليغنيان عن الغنىوإذا صبرْتَ عنِ المنى فأشكرْ فقد نلتَ
قال مهنوز الشريف: العديم الأدب كالبنيان الخراب، الذي كلما كان أشد لغورته كان أشد لوجسته، وكالنهر اليابس، الذي كلما كان أعرض، وأعمق كان أشد لغورته، وكالأرض الجدية المعطلة، التي كلما طال خرابها ازداد نباتها غير المنتفع به، وصارت للهوام مسكناً، حكى الأصمعي أن أعرابياً قال لابنه: يا بني الأدب دعامة أيد الله بها أولى الألباب وحلية زين ها عواطل الأحساب، لشاعر:
فما خلقَ الله مثلَ العقولِولا اكتسبَ الناس مثلَ الأدبِ
وما كرمُ المرءِ إلا التقىولا حسبُ المرءِ إلا النسبُ
وفي الحلم زينٌ لأهل الحجىوآفة ذي الحلم طيشُ الغضبِ
قال بعض الحكماء ذك قلبك بالأدب، كما تُذكى النار بالحطب، وقد قيل إن الأدب أحد المنصبين، قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ العاجز من عجز عن سياسة نفسه، بعض الحكماء قال: من ساس نفسه ساد نفسه، وقال الأحنف بن قيس من ظلم نفسه كان لغيره أظلم، ومن هدم مجده كان لمجد غيره أهدم، قال بعض الحكماء: من رضى عن نفسه أسخط عليه الناس، وقال كشاجم:
لم أرضَ عن نفسي مخافة سخطهاورضي الفتى عن نفسه إغضابُهَا
ولو أنني عنها رضيتُ لقصرتْعما تزيدُ بمثله آدابُها
وتبينتْ آثارَ ذاكَ فأكثرتْعذلي عليه وطال فيه عتابُها
قال النبي ﷺ لعِّمه العباس: "أنهاك عن الشرك بالله، والكبْر فإن الله ﷿ يحتجب منها".
نظر مطرف بن عبد الله السخير إلى المهلب بن أبي صفرة وعليه حلة يسحبها، ويمشي الخيلاء، فقال له: يا عبد الله ما هذه المشية، التي يبغضها الله ورسوله؟، فقال ته المهلب: أو ما تعرفني؟ قال: بلى أنت الذي أوَّلك نطفة مذرة وآخرك جيفة قذرة وحشوك بين ذلك بولٌ وعذرة، قال ابن المعتز، لما عرف أهل النقص حالهم عند ذوي الكمال، استعانوا بالكبير ليعظم صغيراً. ويرفع حقيراً وليس بفاعل، وقال بزرجمهر: النعمة، التي لا يحسد عليها صاحبها هي التواضع، والبلاء الذي لا يرحم منه صاحبه العجب، ذكر عمر بن حصن أنه قيل للحجاج، كيف وجدت منزلك بالعراق؟ فقال: خير منزل لو كان الله سبحانه ملكني فيه أربعة نفر أتقرب إليه بدمائهم، قيل، ته، ومن هم؟ قال: مقاتل بن مسمع، والي سجستان، فأتاه الناس فأعطاهم الأموال، فلما غزل دخل مسجدا بالبصرة، فبسط له الناس أرديتهم، فمش! ى عليها وقال لرحل يماشيه: لمثل هذا فليعمل العاملون، وعبيد الله بن زياد بن ظبيان التميمي جرى لأهل البصرة أقر، فخطب خطبة أوجز فيها فتنادى الناس من أعراض المسجد، كثر الله فينا أمثال فقال: لقد كلفتم الله شططاً، ومعبد بن زرارة كان ذات يوم جالسا في الطريق فمرت به امرأة فقالت يا عبد الله كيف الطريق؟.
فقال لها: يا هذه مثلي يكون عبد الله، وأبو سمَّاك الأسدي أضل راحلته فالتمسها الناس، فلم يجدوها فقال: والله لئن لم تردنا فتى لا صليْتُ له أبداً، فالتمسها الناس فوجدوها، فقالوا قد ردَّها الله فضل فقال: إن يميني يمين مصر.
قال ابن السمَّاك لعيسى بن موسى: تواضعك في شرفك أشرف لك من شرفك، قال ابن المقفع: قابل المدح، كما دح نفسه، وقال بعض الحكماء من رضي أن يمدح بما ليس فيه، فقد أمكن الساخر من نفسه لبعضهم:
يا جاهلاً غرّهُ إفراطُ مادحهِلا يغلبَّن جهلُ من أطراكَ علمك بكَ
أثنى وقالَ بلا علمٍ أحاطَ بهِوأنتَ أعلمُ بالمحصولِ منْ قبلكِ
وما شرفٌ أن يمدحَ المرء نفسهولكنّ أعمالاً تذمُّ، وتمدحُ
وما كلُّ خيرِ يصدقُ المرء ظنهولا كلُّ أصحاب التجارة تمدحٌ
ولا كلُّ من ترجو لغيبكَ حافظاًولا كلُ من ضمَّ الوديعة يصلحُ
قال بعض البلغاء: حياة الوجه بحائه، كما أن حياة بمائه، وقال آخر: من كساه الحياء ثوبه لم يرى الناس عيبه. للشاعر:
إذا لمْ تخشَ عاقبةَ اللياليولمْ تستح فافعلْ ما تشاءُ
فلا، والله مافي العيش خيرٌولا الدنيا إذا ذهب الحياءُ
قال النبي ﷺ: "من ألقى جلبابالحياء فالغيبة له".
وقال بشار بن برد:
ولقد أصرفُ الفؤاد عن الشيءحياءً وحيهُ في الفؤادِ
أمسكَ الناس بالعفاف وأمسي=ذاكراً في غدٍ حديثَ الأعادي آخر:
وربَّ قبيحةٍ ما حالَ بينيوبينَ ركوبها إلا الحياءُ
إذا رزقَ الفتى وجهاً وقاحاً=تصرَّفَ في الأمورَ، كما يشاءُ قال بعض الأدباء: من عمل في السر عملاً يستحي منه في العلانية فليس لنفسه عنده قدر، قال علي بن أبي طالب ﵇: أول عوض الحليم عن حلمه أن الناس أنصاره على عدوه، واغتاضت عائشة ﵁ على خادم لها، ثم رجعت إلى نفسها فقالت: لله در التقوى ما ترك لذي غيضِ نفساً، وقال بعض البلغاء: أحسن المكارم عفو المقتدر وجود المفتقر، وقد أحسن الشاعر حيث قال:
لن يبلغَ المجدَ أقوامٌ، وإن كرمُواحتى يذلوا، وإن عزُّوا لأقوامِ
ويشتموا فترى الألوانَ مسفرةًلا صفح ذلٍ ولكنْ صفحَ أحلامِ
حكي عن مصعب بن الزبير أنه لما ولي العراق، نادى مناديه أين عمرو بن جرموز، وهو الذي قتل أباه، فقيل له: أيها الأمير إنه قد باعد في الأرض فقال: أفظن الجاهل أنني أقيده بأبي عبد الله؟ فليظهر آمناً وليأخذ عطاءه مسلماً، فعد الناس ذلك من مستحسن الكبر، لبعض الشعراء:
أو كما طنَّ الذباب طردتهُإنَّ الذباب إذن عليَّ كريمُ
ولآخر في معناه:
فكن كيفَ شئتَ وقل ما تشاءُوارعدْ يميناً وابرقْ شمالاً
نجَّا لؤمكَ منجا الذبابحمته مقاديرهُ أنْ يُنالاَ
آخر في المعنى:
فاذهب فأنتَ طليقُ عرضكَ إنهُعرضٌ غررتَ بهِ وأنتَ ذليلُ
وقال بعض الحكماء: احتمال السفيه أيسر من التحلي بصورته، والإغضاء عن الجاهل خير من مشاكلته، وقال لقيط بن زرارة:
وقلْ لبني سعدٍ فما لي وما لكمُترقونَ مني ما استطعتم وأعتقُ
أعدكُم أني بأحسن شيمةٍتصيرُ وأني بالفواحش أحدقُ
وإنكَ قدْ ساببتني فقهرتني=هنيئاً مريئاً أنتَ بالفحش أحدقُ فيل للإسكندر: إن فلاناً وفلاناً ينتقصانك، ويسبانك، فلو عاقبتهما فقال: هما بعد العقوبة أعذر في تنقيصي وسبي، فكان ذلك سبب تآلفهما، قال علي ﵇ لعامر بن مرة الزهري: من أحمق الناس؟ قال: منْ ظن أنه أعقلهم، قال: صدقت، فمن أعقلهم؟ قال: منْ لم يتجاوز الصمت في عقوبة.
وقد قال بعض الحكماء: منْ لم يغضب عندما يغضب الجاهل كان ذلك من ذل نفسه وقلة حميته، وإنما المحمود من لا ينفد غضبه، ولا يسترسل معه لأن حد الحلم ضبط النفس عن هيجان الغضب، ولهذا قالت الحكماء: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن لا يُعرف الجواد إلا في العسرة، ولا الشجاع إلا في الحرب، ولا الحليم إلا في الغضب، لشاعر في المعنى:
منْ يدعي الحلمَ أغضبْهُ لتعرفهُلايعرفُ الحلمُ إلا ساعةَ الغضبِ
وقدْ أنشد النابغة الجعدي بين يدي رسول الله ﷺ:
فلا خيرَ في حلمٍ إذا لم تكنْ لهُبوادرُ تحمي صفوةُ أن يكدَّرَا
ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يكنْ لهحليمٌ إذا ما أوردَ الأمرَ أصدرَا
ولم يذكر قوله، بل صوته، ومن فقد الغضب من نفسه، فقد فَقَد من فضائلها الشجاعة، والحمية، والغيرة، والألفة، والدفاع، والأخذ بالثأر، والانتصار، وقد قال المنصور: إذا كان الحلم مفسدة كان العفو معجزة، يقال من رد غضبه، فقد هدَّ من أغضه فسبب الغضب هجوم ما تكرهه النفس ممن دونها، وسبب الحزن ما تكرهه ممن فوقها.
فالغضب يتحرك من داخل الجسد إلى خارجه لح والحزن بخلاف ذلك، ولهذا يُقتل الحزن، ولا يقتل الغضب لكمون الحزن وبروز الغضب، وصار الحادث عن الغضب السطوة، والانتقام لبروزه، والحادث عن الحزن السقم، والمرض لكمونه. لابن دريد:
إذا أمِنَ الجهالُ أمركَ مرةًفعرضُكَ للجهالِ غنْمٌ منَ الغُنْمِ
فعم عليه الحلمَ والجهلَ، والقهِبمنزلةِ بينَ العداوةِ والسلمِ
إذا أنتَ جازيتَ السفيه، كما جزىفأنتَ سفيهٌ مثلهُ غيرُ ذي حلمِ
ولا تغصبَنْ عرضَ الشفيه ودارهُبحلمِ فإن أعيا عليكَ فالصرْمِ
فيرجوكَ تاراتِ ويخشاكَ تارةًوتأخذُ فيما بينَ ذلك بالحزمِ
فإن لمْ تجدْ عليه فاستعِنْعليه بجهَّالِ فذاك منَ العزْمِ
في التوراة مكتوب: "يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب، فلا أمحقك فيمن أمحق" وقيل: من ذكر قدرة الله عليه لم يستعمل قدرته في ظلم العباد، قال عبد الله بن مسلم بن محارب للرشيد: يا أمير المؤمنين أسألك بالذي أنت بين يديه أذل مني بين يديك، وهو على عقابك أقدرك منك على عقابي، لما عفوتَ عني فتركه وعفى عنه، بعض الأدباء قال: إياك وعزة الغضب، فإلها تق! ى بك إلى ذل العذر، أجمع رجل لعمر بن عبد العزيز كلاماً.
فقال عمر: أردت أن يستفزني الشيطان بعزَّة السلطان، فأنال منك اليوم ما نال مض غدا انصرف رحمك الله. قال رجاء بن حيوة لعبد الله بن مروان في أسره ابن الأشعث، إن الله قد أعطاك ما تحب من الظفر، فأعط الله من ما يحب من العفو. قال المأمون لإبراهيم بن المهدي: إني شاورت في أمرك فأشاروا علي بقتلك، إلا أني وجدتُ قدرك فوق ذنبك، فكرهت القتل للازم حرمتك.
فقال يا أمير المؤمنين: إن المُشار أشار. مما جرت به العادة في السياسة، إلا أنك أبيت أن تطلب النصر إلا من حيث عودته من العفو، فإن قتلت فلك نظير، وإن عفوت، فلا نظير لك، وأنشأ يقول:
البرُّ بي منكَ وطَّا العذرَ عندكَ ليفما فعلتَ فم تعدلْ ولم تلمِ
وقامَ عذركَ لي فاحتجَّ عندكَ ليمقامُ شاهد عدلٍ غيرَ متَّهمِ
لئنْ جحدتُكَ ما أوليتَ منْ نعمٍإني لفي اللومِ أولى منكَ بالكرمِ
تعفو بعدلٍ وتسطو إن سطوتَ بهفلا عدمناكَ من عافٍ ومنتقمِ
قال بعض البلغاء: الوجوه مرايا تريك أسرار البرايا قال حكيم: العينان أنم من اللسان. وقال بعض الشعراء في ذلك المعنى:
تُريك أعينهمْ ما في صدورهمإن العيونَ يؤدي سرَّها النَّظرا
قال النبي ﷺ: "في المعاريض مندوحة عن الكذب".
وسأله رجل كن أنت؟ فقال: "من ماء وطين".
الرجل إنه من القبيلة المنسوبة إلى ماء، ولم يكن يعرفه، وهو ﵇، أراد من الماء الذي يخلق منه الحياة. قال بعض الحكماء: الناس في الدنيا كصور في صحيفة، كلما نشر، بعضها طوي بعضها، أسر معن بن زئدة ثلاثمائة رجل، وأمر بضرب أعناقهم، فقام إليه غلام منهم.
فقال: يا معن لا تقتل أسراك عطاشاً، فقال اُسقوهم، فلما اسقوهم، قال له: يا معن لا تقتل أضيافك، فقال خلوا عنهم، وأطلقهم، حكى أن مجنون ليلى لما طردوه عن الحي، قيل إنه آيس من لقائها، واستأنس يبعدها ونأيها فأنشد:
أليسَ الليلُ يجمعني وليلىكفاكَ به وذاكَ لنا تداني
ترى وضحَ الهلالِ كما أراهُويعلوهَا النهارُ كما علاَني
وفي معناه:
أقلِبُ طرْفي في السماءِ لعلُّهُيصادفُ منها نظرةً حينَ ينظرُ
قال بعض الحكماء: إياك، والعجلة فإن العرب تسميها أم الندامات، لأن صاحبها يقول: قبل أن يعلم، ويجيب قبل أنأ يفهم، ويعزم قبل أن يفكر، ويحمد قبل أن يجرب، ومن صحب هذه الأخلاق صحب الندامة، واعتزل السلامة، قيل إن الله (!) لم يخلق شيئاً، والمعروف أحسن منه إلا الشكر، فإنه أحسن من المعروف.
قال عبد الله بن العباس المعروف أوثق الحصون، وأفضل الكنوز، وأزكى الزروع، غير أنه لا يصلح إلا بثلاث: هي تعجيله، وتصغيره وسترهُ فإنك إذا عجلته هنأته، وإذا صغرته عظمته، وإذا سترته تممته. لما حبس الرشيد يزيد بن جرير أمر إحضاره لتأديبه، فلما مثل بين يديه، قال: يا أمير المؤمنين، كذي نعمتك وسليل منتك وخريج دولتك، فجزاك الله قي وقت الغضب جزاء الكاظمين وعند الرضاء أمر المنعمين، فاستحسن قوله، وأمر بإطلاقه لبعضهم:
شيئانِ لو بكتِ الدماء عليهماعينايَ، حتى يؤذنا بذهابِ
لم يبلُغَا المعشارَ مِنْ حقيهِمَافقدُ الشباب وفرقهُ الأحبابِ
للمعري:
حيِّ منْ أجلِ أهلهن الدياراوابك هنداً لا للنؤى والآثارا
فهي قالتْ لما رأت شيْبَ رأسيوأرادَت تعتُّبَا وازورارا
أنتَ بدرُ وقد بدا الصبحُ في رأسكَوالصبح يطردُ الأقمار
حكى الأصمعي قال: أتى عبد الملك بن مروان برجل قامت عليه البينة بسرقة فأمر بقطعه، فقال الرجل: يدي يا أمير المؤمنين أعندها يعفوك أن تلقى مكاناً يشينها:
فلا خيرَ في الدنيا ولا نعيمهاإذا ما شمالٌ فارقتها يمينُها
فقال عبد الملك: هذا حدٌّ من حدود الله أقامه عليه، فقال: يا أمير المؤمنين فاجعله من بعض ذنوبك، إلى تستغفر الله فيها فأطلقه. قبل: أنه كان لمحمد بن حميد بنت فتوفيت، فدخل عليه أبو تمام الطائي، فقال ما أقدمك يا أبا تمام؟ فقال: تعزية الأمير، فقال: أو ما علمت أني لا أقبل العزاء؟ قال: فأنشدُك بيتين من الشعر، فقال: وما هما
تعرَّ إذا رزئتَ فخير درعٍتُسربْل للمصائبِ ثوبُ صبْرِ
ولمْ أرَ نعمةً شملت كريماًكعورة ذي حجي سُترت بقبرِ
قال أحسنت يا أبا تمام، وفض رافعاً الحزن. يُروى عن النبي ﷺ عاد رجلاً من الأنصار، فلما أراد الانصراف، قال: "جعل الله ما مضى كفارة، وأجراً، وما بقي عاقبة وذكراً".
قال أبو لكر بن عباس: كنت، إذ كنت شابا إذا أصابتني مصيبة تصبرت لها، ولم أبكِ، ورددت البكاء ولزمته فكان ذلك يؤذيني، ويوجعني، حتى رأيت إعرابياً واقفا بالكناس على جمل ينشد:
خليلي عُوجا من صدور الرواحلِبجمهور حزوى وابكيا في المنازلِ
لعلَّ انحدارَ الدمعِ يبعثُ راحةًمن الوجدِ أو يشفي غليلَ البلابلِ
فقلت من هذا؟ فقالوا: ذو الرمَّة، فأصابني بعد ذلك مصائب، فكنت أبكى فوجدت لذلك راحة، فقلت في نفسي، قاتل الله الأعرابي ما كان أبصره، وفي المعنى:
أبكِ، فمن أنفعِ ما في البكاءِبأنهُ للحزنِ تسهيلُ
وهوَ إذا أنتَ تأملتهُحزنٌ على الخدينِ محلولُ
كان يقال: أسرع الاستماع، وأبطئ التحقيق. هجا أبو الهول الحميري الفضل بن يحيى، ثم أتاه راغباً إليه فقال: ويلك بأي وجه تلقاني؟ قال: بالوجه الذي ألقى الله تعالى به وذنوبي عنده اعثر، فضحك منه، ووصله.
في دعاء داود ﵇، قال: اللهم إني أعوذ بك من جار عينه تراني، وقلبه يرعاني، إن رأي حسنة كتمها، وإن رأى سيئة أذاعها، سأل النعمان بن المنذر الصقعُب النهدي: فقال: ما الداءُ العياء؟ قال: جار السوء، إن قاولته تهتك، وإن غبت عنه سلبك، قال خلاد الأرقط، إعطاء الشاعر من بر الوالدين، ومدح رجل الرهري بشعر، فأعطاه وقال: من ابتغى الخير اتقى الشر لمسكين الدرامي.
وإذا الفاحشُ لاقى فاحشاًفهناكم وافقَ الشنُّ الطبقْ
إنما الفحشُ ومن يعتادهكغرابِ السوء ما شاءَ نعقْ
أو حمارِ السوءِ إن أشبعتهُرمحَ الناس وإن جاعَ نهقْ
أو غلامِ السوء إن جوعتهُسرق الجار وإن يشبعْ فسقْ
أو كغيرى رفعتْ عن ذيلهَاهل جديدٌ مثلُ ملبوسٍ خلِقْ!
قيل لابن شبرمة: إن فلاناً لا يدري ما الشر يكفيه ذلك، أحرى أن يقع فيه. وقال الطائي: إذا كان الشريد يكفيه الترك فاتركه. قال النبي ﷺ: "ألا أبلغكم بشر الناس، قالوا بلى، قال: من لا يقبل عثرة معذرة، ألا أنبئكم بشر من ذلك، قالوا: بلى، قال: من يبغض الناس يبغضونه.
سمع الأحنف رجلاً يقول: ما أبالي أمُدحت أم هُجيت، فقال له الأحنف: استرحت يا هذا من حيث تعب الكرام. تبع داود بن المعتمر امرأة ظنها من الفواسد، فقال لها: لولا ما رأيت عليك مني سيماء الخير لم أتبعك، فضحكت الامرأة تعجباً، وأسندت ظهرها إلى حائط وقالت: إنما يعتصم مثلي من مثلك بسيماء الخير، فأما إذا صار سيماء الخير هو الدال لمثلك على مثلي فالله المستعان. كتب أحمد بن علي الظاهري إلى الوزير أبي محمد المهلبي:
قد مسَّ حالَ أولئكَ الضرُيا منْ إليهِ النهيُ والأمرُ
وصلاحُ عبدِك أنتَ تعرفُهُوإليكِ فيه النفعُ والضرُ
لا تتركنَّ الدهر يظلمنيما دام يقبل قولك الدهرُ
حكي عن أبي كثير محمد بن إبراهيم أنه، قال: لما جيء يرأس الحسين بن على ﵉ إلى دمشق، كبّر الناس، فقال أعرابي:
لكأنما بكَ يا بنَ بنتِ محمدِقتلوا جهاراً عامدينَ رسولاَ
ويكبرونَ لأن قتلتَ وإنماقتلوا بكَ التكبيرَ والتهليلاَ
فبكيكَ أجفانُ الأجفانُ السحائبِ بكرةًوبكيكَ أنفاسُ الرياض أصيلاَ
يا منْ إذا حسنَ العزاءُ على امرئٍكانَ البكاءُ حسناً عليهِ جميلاَ
قال الأوزاعي: إذا أراد الله بقومٍ شراً، أعطاهم الجدل ومنعهم العمل. وقال سفيان جوارحك سلاح الله عليك، بأيها شاء قتلك. وقال بعضهم خرجنا من دارنا يكرم المعشر فاجتزنا بدار أبي محمد بن البادرائي الكاتب، وقد كان الخراب استمر عليها، واستولى، فقرأت على الحصن مكتوب شعر:
يا منزلَ القومِ الذين تفرقتْ بهمُ المنازلُأصبحتَ بعدَ عمارةٍ قفراً تخرقك
فلئنْ رأيتكَ موحشاًفلقدْ رأيتُ وأنتِ أهلُ
قال الجاحظ: رأيت جارية تباع في بغداد بسوق النخاسين، ينادي عليها، فدعوت بها وجعلت أقبلها، وكان على خدها خال، فأعجبتني، فقلت لها، ما اسمك؟ فقالت: مكه، قلت، وما هذا الخال الذي على خدك؟ قالت: الحجر الأسود، قلت مرادي أقبل الحجر الأسود، فقالت: إليك عني ألم تسمع إلى، قول الله تعالى: (لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس) شكا رجل إلى أفلاطون حاله، فقال له ة إنك لن تجد الناش إلا رجلين: إما موقر في نفسه قدمه حطه، أو مقدَماً في نفسه، أخره دهره، فارض. مما أنت فيه اختياراً وإلا رضيت به اضطراراً. قيل إن عيسى بن موسى: دعا جارية إلى فراشه، فلم يقدر على وطئها وعجز فأنشا يقول:
القلبُ يطمعُ والأسبابُ عاجزةٌوالنفسُ تهلكُ بينَ العجز والطمع
قال الأصمعي: كنت مع الرشيد بطريق مكة فرأى ناراً من بعيد عالية، فقال ما هذا النجم؟ فقالوا: هذه نار، فقال: كأنها نجم، ما أشك أن العرب قد قالت في هذا أشياء، أين الأصمعي، فأحضرت، وأنشدته لكثير:
نظرْتُ وأصحابي بأيلةٍ موهناًوقدْ حانَ من نجمِ الثريَّا تصوبُ
لغرَّةَ ناراً ما تبوحُ كأنهاإذا ما رمقناها من البعدِ كوكبُ
قال جعفر بن هشام بن عبد الملك يوماً سمعت مثل الأول إذا رمت عنها سلوةً فالشافع. من الحب ميعاد المقابر، فقلت أشعر منه الأحوص حيثُ يقول:
سيبقى لها في مضمر القلبِ والحشىسريرةُ حبٍ يومَ تبلى السرائرُ
دخل أعرابي على خالد بن صفوان، فقال: أصلح الله الأمير، الأمير يأمر بملء جرابي هذا حنطة، فقال املأه دراهم فمليء، فحمله وخرج إلى الناس، فقالوا: ما صنعت في حاجتك؟ قال: سألت الأمير ما يشبهني فأمر لي ما يشبهه ابن المعتز:
إني غريبٌ بدارٍ لا كرامَ بهاكغربةِ الشعرة السوداء في الشمطِ
ما نشرحُ العينَ في شيءٍ تسرُّ بهِولستُ أبدي الرضا إلا على سخطِ
ما أحسن، قول الديلمي، وأجمله، وأكثر حكمته حيث يقول:
وعدد من الرحمنِ فضلاً ونعمةًعليكَ إذا ما جاءَ للخيرِ طالبُ
وإني امرؤٌ لا يُرتجى الخيرُ عندهُيكن هيناً ثقلاً على من يصاحبُ
فلا تمنعنَّ ذا حاجةٍ جاءَ طالباًفإنكَ لا تدري متى أنتَ راغبُ
إذا قلتَ في شيء نعمْ فأتمهُفإنْ نعمَ ديناً على الحرِّ واجبُ
وإلا قفُلْ لا واسترحْ وترحْ بهالكيلا يقولُ الناس إنكَ كاذبُ
ومنْ ذا الذي يرجو الأباعدَ قربَهُإذا هو لمْ تصلحْ عليهِ الأقاربُ
وكذلك للمقنع الكندي:
أبلُ الرجالَ إذا أردتَ إخاءهموتوسَّمنَّ أمورهم وتفقدِ
فإذا ظفرْتَ يدي الأمانة والتقىفيهِ التدينُ قريرَ عينٍ فانشدِ
ومتى يريكَ ولا محالةَ زلةًفعلى أخيكَ بفضلٍ حلمكِ فاردُدِ
حُكى أن وفود العرب، وأهل الشعر، والأدب، لا يقبلون برَّ من يعطى بسؤال، ويسمح إذا حثّ على نوال. قال الأعشى.
مررتُ بأقوامٍ فعافت حياضهم قلوصىوكان الشرب منها بمائكا
وما ذاكَ إلا أنْ كفيكَ بالنَّدىتجودان بالإعطاء قبل سؤالكما
وهذا من جزل المديح سمو الكلام الجزل الصحيح، وقد أحسن كثير عزة حيثُ يقول:
عمَّ الرداءٌ إذا تبسَّمَ ضاحكاًذلتْ لضحكته رقابُ المالِ
سعى ساع إلى كسرى فأجابه، إن كانت السعاية صحيحة فهي بك قبيحة، فإن كنت أردت النصح فخسرانك أكثر من الربح، ومعاذ الله أن أقبل من مهتوكٍ في مستور، ولولا أنك في خفارة شيبك لقابلناك مما يقابل به أمثالك:
ومُهَفهفٌ لما تملكَ مُهجتيهجرَ الوصالَ وأوصلَ الهجَرا
لو أنَّ فيهِ لمُستضامٍ نصرةًما كانَ يظلمُ ردفُهُ الخصْرا
لبعضهم:
صن النفسَ وأحملها على ما يزينُهاتعشْ سالماً والقولُ فيكَ جميلُ
ولا ترين الناس إلا تجمُّلاًكبابِكَ دهرٌ أو جفاكَ خليلُ
يعزُّ غنيُّ النفسِ لو قلَّ مالُهُويغْنى غنيُّ المالِ وهو ذليلُ
فلا خيرَ في ود! ِّ امرئٍ متلونٍإذا الريحُ مالتْ مالَ حيثُ بخيلُ
جواد إذا استغنيتَ عنهُ بمالهِوعندَ نزولِ النائباتِ بخيلُ
وما أكثرَ الأخوانَ حينَ تعدُّهمولكنهم في النائيات قليلُ
قيل إن أبا دلف العجلي أقام ببابه أعرابيٌ شهراً يستمحنه، فلم يصله بشيء، فكتب إليه:
ماذا أقولُ إذا سئلتُ وقيلَ ليماذا لقيتَ منَ الجوادِ المفضلِ
إن قلتُ أعطاني كذبتُ وإن أقلْبخلَ الجوادُ بمالهِ لمْ يجملِ
فاختر لنفسكَ كيفَ شئتَ فإننيلابدَّ مخيرهُم وإنَّ لم أسألِ
فنقد إليه بعشرة آلاف درهم: وكتب جوابه:
أعجلتنا فأتاكَ قلُّ عطائناولو انتظرْتَ أتاكَ غيرُ مقللِ
فخذِ القليلَ وكنْ كأنكَ لم تسلْونكونُ نحنُ كأننا لم نسألِ
قال عمر بن الخطاب ﵁: من عرض نفسه للتهمة، فلا يلومن من أساء به الظن، ومن كتم سره كانت الخيرة في يده، ضع أمر أخيك على أحسنه، حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظنن بكلمة خرجت من أخيك المسلم سواءاً، وأنت تجد له في الخير محملاً، وما كافأت من عصا الله فيك يمثل أن يطيع الله فيه، وعليك بإخوان الصدق، وكن في اكتسابهم فإنهم زين عند الرخاء، وعدة عند البلاء، ولا تهاون بالحلف بالله فيهينك الله تعالى.
روى معاذ بن جبل، قال: قد شهد رسول الله ﷺ إملاك رجل من أصحابه، فقال: "على الألفة، والطائر المأمون وسعة الرزق، بارك الله لكم دففوا على رأسه".
قال: فجيء بدف وجيء بأطباق عليها فاكهة وسكر، فقال النبي ﷺ: "انتهوا"، فقال يا رسول الله: أو لم تنهنا عن النهبة؟ فقال: "إنما نهيتكم عن العساكر، أما العرسات فلا".
قال فجاذبهم النبي عليه الصلاة، والسلام وجاذبوه.
دخل رجل على ابن حاجب النعمان الوزير فاعتذر من إغبابه الزيارة، وترك الملارمة، والتردد إليه، فقال الوزير: يا هذا قلة المصير مع الود في الضمير، خير من كثرة الحضور مع الغل في الصدور. حكي عن بعض أهل البصرة: أنه رأى على باب بعض مدائن البحر القاصية. مكتوباً: بسم الله الخالق الخلق، وصاحب الرزق.
ما أعجب قصتي، وأعظم محنتي، أقصتني الخطوب، وأقصدتني النكوب، حتى بلغت به هذا الموضع المهوب، ولو كان للبعد غاية استحق من هذا المحل لبلغني إليها، ولم يقنع لي إلا بها، وتحت مكتوب:
ومنْ شدةٍ لا يموتُ الفتىولكنْ لميقاته يهلكُ
فسبحانَ مالكَ ما في السَّماءِوالأرضِ حقّا لا يملكُ
قال بعض الشعراء: قرأت على صخرة بجيزة قبرص، يقول: فلان بن فلان البغدادي، قذف بي الزمان إلى هذا المكان، وتحته:
إلى اللهِ أشكو لاَ إلى النَّاس إنَّهُعلى كشفِ ما ألقي منَ الهمِّ قادرُ
قال بشر بن الحارث الحافي: أشد الأعمال ثلاثة: الجود مع القلة، والورع في الخلوة، وكلمة حق عند من يخاف، ويرجأ لبعضهم:
وإذا ما جهلتَ ودَّ صديقٍفاختبرْ ما جهلتَ بالعلمانِ
إنَّ وجهَ الغلامِ يبينكَ عمَّافي ضميرِ المولى منَ الكتمانِ
قرئ على لوح قبر. مقيم إلى أن يبعث الله خلقه لقاؤك لا يرجى، وأنت قريب.
تزيدُ بلاءً في كلِّ يومٍ وليلةٍوتنسى كما تبلى وأتتَ حبيبُ
ووجد منقور في جبل اصطخر، رب مغبوط بنعمة هي داؤه، ومرحوم من سقم هو شفاؤه ومحسود على رخاء هو بلاؤه، سمع عمر بن دينار، أعرابياً يقول: زهدك في راغب نقص، ورغبتك في زاهد ذل نفس قال بعض الشعراء متغزلاً، وهو بالدنيا أليق:
ما كنتُ أيامَ كنتِ راضيةًعنَّي بذاكَ الرِّضا بمغتبطِ
علماً بأنَّ الرِّضا سيتبعهُمنكِ التَّجنِّي وكثرةُ السَّخطِ
فكلَّما ساءني فعنْ خلقٍمنكِ ما سرَّني فعنْ غلطِ
لأبي بكر الخالدي:
والبدرُ منثقبٌ بغيمٍ أبيضَهو فيه بينَ تستُّرٍ وتبرُّجِ
كنفسِ الحسناءِ في المرآة إذْكملتْ محاسنها ولم تتزوجِ
وفي معناه لأبي معمر أروي:
يا ربَّ ليلٍ طويلِ الباعِ باعَ لهُجفني الرُّقادَ بدمعي إذا رقرقهُ
كأنَّما البدرُ لمَّا أنْ بدا كملاًوالغيمُ يحسبهُ طوراً ويطلقهُ
وجهُ الحبيبِ عتابي ظلَّ يلبسهُثوبَ الحياءَ ولعتابي يمزِّقهُ
حكي أنه لما شهد أبو علقمة المري عند عبد الله بن نوار القاضي، ووقف في قبول شهادته، فقال له: لم وقفت في قبول شهادتي وإجرائها؟ قال: بلغني انك تلعب بالكلاب، والصقور، قال: من أخبرك أني جاد في الصيد بها غير لاعب؟ فهل وقف المخبر لك على فرق ما بين الجد، والهزل، قال: لا، ثم أجاز شهادته. لأبي علي بن شبل:
فمنْ مبصرٍ أمراً تحامى دلوجهُومن والجٍ فيه درى كيفَ يخرجُ
واحرَّ لاَ منْ ذاولاَ ذاكَ خابطٍلعشواءِ ليلٍ دونها الباد مريحُ
يروى أنه بالمدينة امرأة جميلة فنظرت في المرأة، وقالت: لزوجها هل أحد من الناس يرى هذا الوجه، فلا يفتنن به؟ قال: نعم، عبد الله بن عمر بن الخطاب، قالت: فتأذن لي، حتى أفتنه؟ قال: نعم، فأتته كالمستغيثة له، فاستحلت معها في ناحية المسجد، ثم سفرت له عن وجهها، وهي في غاية الحسن، والجمال.
فقال لها: اتقي الله يا أمة الله، قالت: إني قد فتنت بك فانظر في أمري، فقال إني سائلك الله عن شيء فإن صدقت فعلت، قالت، وما هو؟ قال: أخبريني لو أن ملك الموت دخل عليه لقبض روحك أكان يسرك قضيت لك حاجة؟ قالت: لا، قال: فاتقي الله يا أمة الله، فقد أنعم عليك، وأحسن إليك.
قالوا: فرجعت إلى زوجها، فقال لها: ما صنعت؟ قالت: نحن، والله بطالون، ثم أقبلت على الصوم، والصلاة، والعبادة، فكان زوجها يقول: ما لي ولعبد الله بن عمر أفسد علي زوجتي كانت عروسة صارت راهبة، للهذلي:
لوْ كانَ للدَّهرِ مالٌ كانَ متلدهِوكانَ للدَّهرِ صخرٌ مالِ قنانِ
آبي الهضميةٍ نابٍ بالعظيمةمتلاف الكريمةُ لا سقطُ، ولا وانِ
رباءُ مرقبة قوال محكمةدفّاعُ مفلتةُ قطَّاعُ أقرانِ
حامي الحقيقةِ نسَّالُ الوديعةِمعتاقُ الوسيقة جلدُ غير ثنيانِ
سهَّادُ انديةٍ حمَّالُ ألويةٍهبَّاطُ أوديةٍ سرحانُ فتيانِ
يحمي الصِّحابَ إذا سالَ البرزُويكفي القائلين إذا ما كبلَ العاني
ويتركُ القرنَ مصفرَّاً أناملهُكأنَّ في ريطتيهِ نضخُ أرقانِ
يعطيكَ ما لا تكادُ النفسُ تسألهُمنَ البلاد وهوبٍ غيرُ منَّان ِ
كان رجل يسمى وثاباً وسمي كلبه عمرو فقيل له فيه:
لو هيأ لهُ الله منَ التوفيق أسباباًلسمَّى نفسهُ عمروُ وسمَّي الكلبُ وثابا
للأصمعي قال: حدثني العلاء بن أسلم، قال: عزمت على الخروج إلى مكة، فجاءني أسلم بن عقبة، وكان أخا ذي الرمة غيلان، فقال لي: يا ابن أخي إنك تريد سفراً يحضر الشيطان فيه حضوراً لا يحضر في غيره.
فاتق الله وصل الصلاة في وقتها تصليها لا محالة، وهي تنفعك، واعلم أن لكل رفقة كلب ينبح عليهم، أن كان عاداً تقلده دونهم، فلا تكونن كلب الرفقة. كان مطرف بن عبد الله يكره أن يقول: للكلب اخسأ، ومن دعائه على قوم لا يمنعون كلابهم من دخول مصلاهم، اللهم احرمهم بركة صيدهم. أعرابي يذم رجلاً:
نزلنا بعمارَ فأشلا كلابهُعلينا فكدنا بينَ بيتيهِ نوكلُ
فقلتُ لأصحابي اسرِّ إليهمُإذا اليومَ أمْ يومُ القيامةِ أطولُ
آخر يذم رجلاً:
ولقدْ دخلتُ على زيادِ مرَّةًفظنتهُ ممَّنْ يضرُّ وينفعُ
فإذا زيادٌ في الرِّجالِ كأنَّهمشطٌ يقلَّبهُ خصيٌ أصلعُ
قال الخبر أرزي حدثنا شيخ أديب من أهل البصرة أنه خرج يوماً من لبغداد إلى موضع بها تسمى كرخايا، قال فوصلت إلي عبارة الياسمين، فجلست أتنسم الهوى، وإذا بفتى عليه أطمار رثة ومعه دفاتر ومحبرة ينسخ، فقلت يا فتى: مع هذا الجمال، والحسن أنت بهذا الشقاء فنظرتي نظر متعجب مني وقال: شقائي هذا أحلى طعماً.
وأحمد عافية في الأولي، والآخرة من تنعمك، فقلت، وما دليلك على قولك؟ قال لأنك تذل، ولا أذل، وتراقب، ولا أراقب، وتخدم، ولا أخدم، وتطمع، ولا أطمع، وأغدو، وأروح خالي البال قليل الأشغال، ثم قام فكتب على ساج العبارة:
أسائل عن حالي، يرعوي بمنظري حبيبي، هذا في هواك قليل سأصبر، حتى يرعوي، ويرق لي وينهج من طرق الوصال سبيل.
لما ورد الوزير المهلبي البصرة وجد على حائط البيت الذي فيه مكتوباً:
أحنُّ إلى بغدادَ شوقاً وإنَّماأحنُّ إلى ألفِ بهالي شائقِ
مقيمٌ بأرض سرتُ عنها وبدعةإقامةٌ معشوقٍ ورحلةُ عاشقِ
يقال إن عبد الشهوة أذل من عبد الرق، وجد على قصر معز الدولة الذي بناه بالشماسية من بغداد، واليوم يسمى آثار القصر مسناه الدار الغربة على شاطئ دجلة، مقابل جامع القطيعة، مكتوباً حضر فلان بن فلان الجروي في سماط الملك معز الدولة، والدنيا عليه مقبلة، وهيئة الملك عليه مشتملة، ثم عدت في سنة اثنين وستين وثلاثمائة فرأيت ما يعتبر به اللبيب، ويفتكر فيه الأريب وقلت هذه الأبيات:
عينُ بكّى للقصرِ قصرُ معزِّ الدولةالمؤنَّقُ العجيبُ البناءِ
قد خلاَ بعدَ عزَّ ةٍ وجمالوعفَّاً بعدْ رونقٍ وبهاءِ
لوْ تبقى على الحوادثِ شيءٌليقي ملكهُ من الأشياءِ
كلُّ أمرٍ وإنْ تطاولَ أو دامَإلى نقلةٍ وحال انقضاءِ
عبرٌ أبيٍّ فإنَّهُ ليسَ يغنيذو الأيادي والطَّولِ والآلاءِ
قال الأصمعي قال لبعض العرب خرجي في بعض الليالي المظلمة، وإذا بجارية كأنها صنم فراودتها عن نفسها، فقلت يا هذا أمالك زاجر من عقل، غذ لم يكن واعظ من دين؟ فقلت، والله ما يرانا إلا الكواكب، فقالت، ويحك فأين أنت من مكوكبها؟ فأخجلني كلامها فقلت لها غني كنت أمزح، فقالت.
إيَّاك المزاحَ فإنَّهُ يجرئُعليك الطفلَ، والرجلَ النَّذلاَ
ويذهبُ ماءَ الوجهِ بعدَ وضائهِويورثُ بعدَ العزِّ صاحبهُ ذلاَّ
كتب عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله، امنعوا الناس من المزاح تسلم لكم الأعراض، وقد قال بعض الشعراء:
مازحْ أخالكَ إذا أردتَ مزاحاًوثوقٌ منهُ في المزاحِ جماحاً
ولربَّما مزحَ الصديقُ بمزحةٍكانتْ لبابِ عداوةٍ مفتاحاً
وقد أحسن محمود الوراق:
تلقى الفتى يلقى أخاهُ وخذنهفي لحنِ منطقة بما لا يغفرُ
ويقولُ كنتُ ممازحاً وملاعباًهيهاتَ ناركُ في الحشا تتسعَّرُ
ألهبتها وطفقتَ تضحكُ لاهياًعمَّا بهِ وفؤادهُ يتفطَّرُ
أو ما علمتَ ومثلُ جهلكَ غالبٌإنَّ المزاحَ هوَ السَّبابُ الأصغرُ
قال المنكدر، قالت لي أمي، وكانت أدركت النبي ﷺ: لا تمازح الصبيان فتهون عليهم، وقال سعيد بن العاص لا تمازح الشريف فيحقد عليك، وقال بعضهم، ولا الدنيء فيجترئ عليك، وقال بعض الحكماء إياكم، والمزاح فإنه يذهب بالبهاء، ويورث الندامة، ويذوي بالمروءة قال مسعر بن كدام لابنه:
ولقدْ نصحتكَ يا كدامُ نصيحةًفاسمعْ لقولِ أبٍ عليك شفيقُ
إنَّ المزاحةَ والمراءَ فدعهماخلقانِ لا أرضاهما لصديقِ
إنِّي بلوتهما فلم أحمدهماكمجاورٍ جاراً ولا لرفيقِ
اجتمع عبد الله بن طاهر مع ندمائه على رياض في أيام الربيع، فقال ليقل كل واحد منكم في هذا شيئاً، فقال أحدهم:
شموسٌ وأقمارٌ منَ الزَّهرِ طلعلدى اللَّهوِ في أكتافها متمتِّعُ
فقال الآخر:
نشاوى تثنِّيها الرياحُ فتثنيفيلثم بعضٌ بعضها حينَ ترجعُ
فقال الثالث:
كأنَّ عليها من مجاجةِ ريقهالآليءُ إلاَّ أنَّها هيَ ألمعُ
يقال إن ثلاثة يفسدون المروءة المنية، والحرص، والغضب.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع