تجاوز إلى المحتوى

من «سفط الملح وزوح الترح» لابن الدجاجي (ت ٥٦٤هـ)

نبذة في الهدية

كتب أحمد بن يوسف إلى المأمون مع شيء أهداه إليه:

على العبدِ حقٌ فهو لا بدَّ فاعلُوإنْ عظُمَ الموْلَى وحلتْ فضائلُهُ
ألمْ ترنا نهدي إلى الله مالهُوإن لم كان في وسعنا ما يشاكلُهْ
ولو أننا نهدي على قدرٍ حقهُلقصر على الصبرُ عنهُ وناهلهُ
ولكننا نهدي على من نجلُّهُوإن لم يكن في وسعنا ما يشاكلُهُ

آخر:

تنوقْ في الهدية كلُّ قومٍإليكَ غداةَ شريكَ للدواءِ
فلما أن هممتْ بها مدلاًلموضع خدمتي بكَ والإخاءِ

وجدتُ كثيرَ ما أهدي قليلاً=لمثلكَ فاقتصرتُ على الدعاءِ آخر:

تنوقُ من ثيابكَ في الهداياإليَ غداة قصد الباسليقِ
فلم أر كالدعاء أعمَّ نفعاًوأجملَ في مكافأة الصديقِ
فاعديُ الثنا وقلتُ ربييعذُكَ منْ شرِّ أنَّاتِ العروقِ

آخر:

اسعدْ بشربكَ في النيروزِ مصطحباًلا زلتَ تلقى من الأيامِ ما صلحا
لازلتَ تلقى منَ الايام صالحةًتُبقي السرورَ وتنفي الهمَّ والترحَا
إني لا استصغر لدنيا بأجمعهاهدية لك إلا الشكرَ، والمدحَا

آخر:

هديتي تصغرُ عنْ همتيوهمتي تكبرُ عنْ مالي
فخالصُ الودِّ ومحضٌ الوفاءِأفضلُ ما تهديهِ أمثالي

أهدى أبو تمام الطائي إلى الحسن بن وهب قلما وكتب معه:

قدْ بعثتا إليكَ أكرمَك اللهبشيءٍ فكنْ لهُ ذا قبولِ
لا تقسه إلى ندى كفكَ الغُمرِولا نيلكَ الكثير الجليلِ
واغتفر قلة الهدية منيإن جهدَ المقِلِّ غيرُ قليلِ

للبحتري:

ألنتَ لي الأيام منْ بعد قسوةٍوأعتبَتْ لي دهري المسيء فاعتبَا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»
وألبستني النعمي، التي غيَّرت أخيعليَّ فأمسى نازِحَ الودِّ أجنبَا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»
فلا فُزت مِنْ مُرِّ الليالي براحةٍإذا أنا لم أصبِحْ بنثرِكَ مُعتِبَا
للشاعر البحتري، من قصيدة «أجدك ما ينفك يسري لزينبا»

غيره:

أخي لي كأيامِ الحياةِ أخاوةًتكونُ ألواناً علي خطوبها
إذا عبتُ منهُ خلةً فهجرتُهُدعتني إليهِ خلةٌ لا أعيبُهَا

ذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه عن سهل بن ميسرة: أنه لما رجع أبو العباس عبد الله بن طاهر من الشام، ارتفع فوق سطح قصره، فرأى دخاناً يرتفع في جواره، فقال لعمرويه ما هذا الدخان؟ فقال: أظن القوم يخبزون.

فقال: ويحتاج جيراننا إلى أن يتكلفوا ذلك، ثم دعا حاجبه فقال: امضي ومعك كاتب، وأحصِ موالينا ممن لا تعطيهم عنا فسارع فمضى، وأحصاهم، صغيرهم وكبيرهم فبلغ جمدهم أربعة آلاف نفس، فأمر لكل واحد منهم. بمنوين خبزاً ومنا لحماً، وثمن التوابل في كل شهر عشرة دراهم، والكسوة في الشتاء مائة وخمسون درهماً، وفي الصيف مائة درهماً فكان ذلك دأبه مدة مقامه ببغداد.

فلما خرج منها انقطع ذلك، إلا الكسوة فإنها دامت مدة ما عاش أبو العباس عبد الله نن ظاهر ﵀، والمكان الذي كان ينزل به ببغداد بالجانب الغربي على شاطئ دجلة، وهو إلى الآن يعرف به، وينسب إليه، وهو الحريم الطاهرى:

ألقِ بالبشرِ من لقيتَ منَ الناسجميعاً ولاقهمْ بالطلاقَةْ
نحن منهم حباً ثارٍ كريمٍطيبٌ طعمُهُ لذيذٌ مذاقُهْ
ودع التيهَ، والعبوسَ عنِ الناسفإن العبوس رأسُ الحماقةْ
كلما شئتَ أن تُعادي عاديتَصديقاً، وقد تعزَّا لصداقةْ

قال النبي ﷺ: "يا أبا هريرة زرْ غباً تزدد حباً".

وقال بعض الحكماء. من كثرت زيارته قلت بشاشته، وقال أخر: من داوم زيارة الأصدقاء عدم الاستبشار عند اللقاء:

أقللْ زيارتك الصديقَتكُنْ كالثوبِ استجدَّهُ
إن الكريمَ يملُّهُ منْلا يزالُ يراهُ عندهُ

آخر:

عليكَ بإقلالِ الزيارة إنهاتكونُ إذا دامتْ إلى الهجرِ مسلكاً
فإني رأيتُ القطرَ يسأم دائماًويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا

آخر:

إني كثرتُ عليه في زيارتهوالشيءُ مسثقلٌ جداً وإنَّ كثُرَا
للشاعر إبراهيم بن المهدي، اقرأ القصيدة
ورابني منه أني لا أزالُ أرىفي طرفه قصراً عني إذا نظرا
للشاعر علية بنت المهدي، اقرأ القصيدة

قال عمر بن الخطاب ﵁: لكل شيء راس وراس المعروف تعجيله، وقال عبد الملك في وصيته لبنيه: يا بني معروفك عنده ولكل شيء آفة وآفة المعروف المطل، ولبعضهم:

صلْ من أردتَ وصالهُ وأخاهإن الأخوة خيرها موصولها
وإذا ضمنتَ لصاحبٍ لك حاجةًفاعلمْ بأنَّ تمامهَا تعجيلُهَا

وكان يقال إن بذل جاه السائل أعظم من معروف المسؤول، وقال أثم بن صيفي السؤال، وإن قل ثمن النوال، وإن جل، قال علي بن أبي طالب الكاتب:

ما اعتاصَ باذلُ وجههِ بسؤالهِيوماً ولا نالَ الغِنى بسؤالِ
وإذا السؤال مع النوال وزيهُرجح السؤال وخفَّ كلُّ نوال
وإذا بليتَ ببذلِ وجهكَ سائلاًفابذل له المتكرم المفضال

قال معاوية بن أبي سفيان الحازم من كتم سره من صديقه، مخافة أن تنتقل صداقته عداوة، فيذيع سره ولبعضهم:

لو أنَّ امرءاً يُخفي الهوة عنْ ضميرهِلمتُّ ولم يعلمْ بذاكَ ضميرُ
ولكن سألقى الله والقلبُ لم يَبُحْبسركَ والمستخبرون كثيرُ

آخر:

لا يكتم السر إلا كلَّ ذي خطرٍوالسرُّ عند كرامِ الناس مكتومُ
والسرُّ عندي في بيتٍ له غلقُقدْ ضاع مفتاحُهُ والبابُ مختومُ
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «لا تودع السر إلا عند ذي كرم»

قال بعض العلماء: إذا أراد الله أن يزيل عن عبد نعمة فأول ما يغير منها عقله، قال أبو عبد الله وزير المهلبي: إنصاف الرعية مع شكر المقدرة بالولاية أشد من بذل المال مع شح النفس.

ذكر الجاحظ في (كتاب): المعلمين عن ابن عمران: الأنبياء عيهم السلام لا يتثاءبون، وما تثاءب نجي قط، روي أن مروان بن محمد قال عبد الحميد بن يحيى، صاحب الرسائل بعد أن تفرق الناس عنه وانهزموا: قد احتجتُ إلى أن يصير مع عدوي، وتظهر الانقلاب، فإن عجبهم بأدبك وفصاحتك وحاجتهم إلى مثلك، يستجريهم علي تمكينك، وحسن الظن بك، فإن قدرت أن تنفعني في حياتي فإني فداك، وإن عجزت عنه رجوت أن لا تعجز عن حفظ حرمتي بعد موتي، وأنشد عبد الحميد متمثلاً:

أسرَّوقا ثم أظهر عذرهُفمنْ لي بعذرٍ يوسعُ الناس ظاهرُ

ثم أنشد:

فلومي ظاهرٌ لا شكَّ فيهللأيميهِ وعذري بالمغيبِ
وكمْ من موقفٍ حسنٍ أُحيلتْمحاسنهُ فعُد من الذنوبِ

فلما سمع ذلك منه علم أنه لا يفعل، ثم، قال له: عبد الحميد الذي أمرين به انفع الأمرين لك، وأقبحهما لي وليس لك على. الصبر معك إلا أن يفتح الله عليك، وأقتل معك، سئل شُريح عن العشاق فقال: أشدهم حياءً أعظمهم أجراً ولبعضهم:

فوالله ما أدري وإني لسائلٌبمكة هل في الهوى أجرُ
وهلْ في اكتحال العين بالعين زينةٌإذا ما لقي الألوان لإبل به أجرُ

قيل إنه مرَّ جرير الشاعر بسعيد بن المسيب، فقال من هذا فقيل له الذي يقول:

سألتُ سعيداً يا فتى المدينةهل في حُب دهماء من وزر
فقالَ سعيد بن المسيب إنمايلامُ على ما يستطيعُ منَ الأمرِ

قال سعيد بن المسيب: يا فتى المدينة ما سألني أحد، ولو سألني لأحبت، وحكي عن مالك بن أنس أن شاعراً جاءه فقال: إنني قلت أبياتاً ذكرتك فيها فاجمعها، فقال لا حاجة لي منها، قال أحب أن تفعل، فقال هات فأنشده:

سلُوا مالكَ المُفتي عن اللهو، والصبيوحبِّ الحسانِ المُعجباتِ الفواركِ
يُخبركم عني مصيبٌ وإنماأسلي همومُ القلب عني بذلكِ
فهلْ لمحبٍ يكتمُ الحبَّ والهوىآثامَ وهلْ ضمِّهِ المتهالكِ

فسري عن مالك، وكان ظنه أنه هجاه، يقال إن المال قي الأنف، والحسن في العين، والملاحة ني الفم، ظ ل رجل للفضيل بن عياض: بعني رجلاً أتخذه لسري وآمنه على أمرى، فقال له ة تلك ضالة لا توجد. وقيل لبعض الحكماء: من أبعد الناس سفراً؟ قال: من كان في طلب طريق يرضاه، قال ابن السَّماك في بعض كلامه: لق أمهل، حتى كأنه أهمل، ولقد ستر، حتى كأنه غفر، قيل لبعض الحكماء: أي الكنوز خير؟ فقال: أما بعد تقوى الله سبحانه، والأخ الصاع، قال جابر بن عبد الله البجلي، ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي. أنشد المبرد:

تودُّ عدوي ثم تزعم أننيأودك إن الرأي عنكَ لعازبُ
وليس أخي من ودَّ في رأي عينهولكن أخي من ودني في العواقب

قال بعض الحكماء: إيّاك ومعاداة الرجال فإنها لن تعدمك مكر حليم، أو مفاجأة لئيم، قال عمر بن الخطاب ﵁: إذا رزقك الله مودة امرئ مسلم فتشبث بها، أنشد المبردة:

وكنتُ إذا الصديقُ أرادَ غيظيوأشرقني على خثو بريقي
غفرتُ ذنوبه ولطمتُ غيظيمخافةَ أن أكون بلا صديقِ

قال رجلٌ من عبد القيس لابنه: يا بي لا تؤاخِ أحدا، حتى تعرف موارد أموره ومصادرها، فإذا استنبطت منه الخير ورضيت منه العشرة فآخه على إقالة العثرة، والمواساة عند العشرة، روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "رأس العقل بعد الإيمان المودة للناس".

وقال المنصور: إذا أحببت المحمدة من الناس بلا مؤونة فألقاهم ببشرٍ حسن.

قال كعب الأحبار: لين وجهك للناس تكن أحب إليهم كن يعطيهم الذهب، والفضة، وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنكم لم تسعُوا بأموالكم فسعوهم ببسط الوجه وحمسن الخلق".

وقال النبي ﷺ: "تمام محبتكم المصحافة".

وقال عليه الصلاة، والسلام: حين جاءه أعرابي، فقال يا رسول الله: إنا من أهل البادية، يجب أن تعلمنا علماً وعملاً لعل الله أن ينفعنا به قال: "لا تحقرن من المعروف شيئاً، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي، وإن تكلم أخاك، ووجهك إليه منبسط".

وقال الحسن يزيد في المحبة، وقال مجاهد عن معاذ إن المسلمين إذا التقيا فضحك كل واحد منهما في وجه صاحبه، ثم أخذ بيده تحاتت ذنوبها، كما تحاتت ورق الشجر، يقال إن المودة قرابة مستفادة، وهى أشد الأحساب، وأقرب الأسباب. وقال بعض الشعراء:

قد يمكثُ الناس حيناً ليس بينهمُودٌ فيزرعهُ التسليم واللطفُ
يُسلي الخليلين طولُ النأي بينهماويلتقي شعبُ شتى فيأتلِفُ

وقال بشر بن السري: ليس من البر أن تحب من أبغضه حبيبك، قال ابن عباس: من أحب أخواني إليَّ أخٌ إن غبتُ عذرني، وإن جئته قبلني، قال الأصمعي ليس للروم صاد، ولا للفرس ثاء، ولا للسريان دال. لبعضهم

تولتْ دولةُ الحسن بن سهلٍولم أبللْ لهاتي من نداهَا
فإنْ ذهبتْ فلا تبكي عليهافإن بُكَى عيني من بكاها

لابن أبي الدنيا:

تولتْ بهجةُ الدنيافكلُّ جديدها خلقُ
للشاعر أبو العيناء، اقرأ القصيدة
وخان الناس كلهمُوافلا أدري بمن أثقُ
كأنَّ مكارمَ الأخلاقسدَّتْ دونَها الطرُقُ
فلا حسبٌ ولا كرمٌولا دينٌ ولا خُلُقُ

لابن الرومي في البطيخ:

فكم قال في البطيخ قولَخبيرٌ حين ذمَّ لدى الخصامِ
تحياتُ وفاكهةٌ وإدموها صوم الثقيل من الطعامِ
وأشنان وحلواءَ مهيأٌوعندَ العسر كوب للمدامِ
وبعدَ الطلىْ في الحمام طيبٌوضقي للمتانة كلِّ عامِ
وسهلُ المُجتنى دان لطيفٌوذلله المهيمنُ للأنامِ

شكا أهل دمشق إلى ابن أبي الدرداء، قلة ممرهم، وتغير أشجارهم، فقال أطلتم حيطانها، وأكثرتم حراسها فجاء البلاء من فوقها.

دخل سالم بن عبد الله بن عمر على سليمان بن عبد الملك، وعلى سالم ثوب رث مشتمل به، فلم يزل سليمان ترحب به، حتى أجلسه معه على سريره، وعمر بن عبد العزيز معه في المجلس، فقال رجل من القوم لعمر، ما استطاع خالك أن يلبس ثياباً هي أحسن من هذه، ويدخل على أمير المؤمنين، فقال عمر ما رأيت ثياب خالي وضعته إلى مكانك، ولا ثيابك رفعتك إلى مكانه.

ودخل محمد بن كعب على سليمان أيضاً في ثياب رثة فقال له: ما حملك على لبس هذه؟، فقال أكره أن أقول فقرا فاشكو ربي، أو أقول زهداً فأطرى، وأزكى نفسي. دخل وكيع بن أبي الأسود على عدوك! بن أرطأة، وهو والي العراق من قبل عمر بن عبد العزيز فلبس عنده ثيابه.

فقال لوكيع سوِّ علي ثوبي يا أبا المطرف، فقال وكيع ذكرتني الطفر، وكنت ناسياً إن في خُفي ضيق فمد أيها الأمير، فقال له: يا أبا المطرف إن الرجل ليتولى من أخيه ما هو فوق هذا، فقال له: يا عدى إذا غزلت عنا فكلفنا ما أجبت فأما، وأنت ترى بنفسك علينا قدرة وبيدك بسطت، لشاعر في هذا المعنى

إذا عُزل المرءُ صافيتهوعند الولاية استكبرُ
لأن الوليَّ لهُ نخوةٌونفسي على الذلَّ لا تصبرُ

قيل لوهيبة بنت معن قد أفقرت بناتك بكثرة صلاتك فقالت يعينهن من تقربت إليه ني حفظهن بتفريق مالي له. سأل الفضل بن الربيع رجلاً عن قاضى بلدته، فقال جمع فأوعى، وسأل فأكدى، وحكم فتعدى، وطغى لما استغنى، قال ابن عباس التفكير في الخبر يدعو إلى استعماله، والعمل به، والندم على الشر يدعو إلى تركه، يقال من هانت الدنيا عليه مالت القلوب إليه، ومن عمل الرد، فقد أحسن الرفد.

قال سهل بن هارون في صدر كتاب له، وجب على كل ذي عقل له أنْ يبتدئ بالحمد، بل استفتاحها، كما يبتدئ النقمة قبل استحقاقها. قال المنصور لجرير بن يزيد إني لأعدك لأمر كبير، فقال يا أمير المؤمنين أن الله قد أعدَّ لك مني قلباً معقوداً ينصحك، ويداً مبسوطة بطاعتك، وسيفاً مشحوذاً على أعدائك فإذا شئت، قيل لأنوشروان من أطول الناس عمراً؟ فقال: من كثر علمه فناوب له غيره من لعده، ومن كثر معروفه فشرف به عقبه. قيل للفضل بن يحيى من أعقل الناس؟ قال من عرف مقادير الأمور قولاً وفعلاً.

وسأل قباد الملك بعض الحكماء فقال: أخبرني من أعدل الناس، وأجور الناس، وأحمق الناس، وأكيس الناس، وأسعد الناس؟ فقال الحكيم أما أعدلهم، فمن أنصف من نفسه، وأما أجورهم، فمن رأى جوره عدلاً، وأما أحمقهم، فمن يصدق- مما لا يكون، وأما أكيسهم، فمن أخذ للأمر أهبته قبل نزوله، وأما أسعدهم، فمن ختم له في عاقبته بخير. وقال أنوشروان الحكيم من أكمل الناس مروءة؟ قال: من أحرز دينه، ووصل رحمه فأكرم إخوانه، وأصلح ماله. وقيل لبعض الحكماء، وما الشكر قال الإقرار بالنعمة وجزاؤها بالحسنى مضمراً وقائلاً وفاعلاً مجزأ الضمير النية، والمحبة، والطاعة وجزاء الفعل المعاونة، والصبر عليه، والسعي فيما يرضي المنعم، وقال بعض الشعراء:

وقدً عرضتْ لي حاجةٌ وأظننيبأني إذا أنزلتُهَا بكَ تنجحُ
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة
فإن ألكُ في أخذ العطية مربحاًفإنكَ في بذلِ العطية أريحُ
لأن لك العقبي من الأجرِ خالصاًوشكري من الدنيا فحقَّكَ أرجح
للشاعر عِمران بن حطان، اقرأ القصيدة

يُروى عن محمد بنشهاب الزهري، أنه قال أول حب ظهر في الإسلام حب النبي ﷺ لعائشة رضي الله تعالى عنها روى حماد بن زيد عن مجاهد بن سلمة قال لما أتى زيد بن حارث إلى النبي ﷺ جاء رسول الله إلى منزل زيد، فخرجت ابنة له صغيرة، فلما رأت النبي ﷺ أجهشت في وجهه بالبكاء فبكى، حتى انتحب، فقيل له ما هذا يا رسول الله؟ قال: "شوق الحبيب إلى حبيبه".

وقد حبّ وعشق جماعة من الأجلاء المتقدمين، والسلف، والتابعين منهم عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق كان يحب ليلى بت الخوزي الغساني، التي ارتد أبوها وقتله خالد بن الوليد وسبا أهله دفعت إلى عبد الرحمن وفيها قال:

تذكرتُ ليلى والسماوةَ دونَهافما لابنة الخوزيّ ليلى وماليَا
للشاعر عبد الرحمن بن ابي بكر الصديق، اقرأ القصيدة

ومنهم عبد الله بن عمر بن الخطاب كان يهوى جارة رومية، وكان يجد بها وجداً شديداً، فوقعت يوماً عن بغلة كانت عليها، فجعل يمسح التراب عن وجهها ونهديها، فكانت تقول: لَهُ أنت قالون أي رجل جيد صالح فهربت منه، فقال فيها:

قدْ كنت أحسبني قالونَ فانطلقتْفاليوم أعلم أنِّي غيرُ قالونَ

ومنهم الحسن بن علي بن أبي طالب ﵄، عشق الرباب الكلبية، وهي أم ولده سكينة وعبد الله الذي قتل معه بكربلاء وفيها يقول:

لعمركَ إنَّني لأحبُّ أرضاًتحلُّ بها سكينةُ والرَّبابُ
أحبُّهما وأبذل جلَّ ماليوليسَ للائمٍ عندي عتابُ

ومنهم الحسن بن عبد الله بن العباس ﵄، عشق عشقاً شديداً عايذا بنت عمرو بن سعيد بن عمرو بن العاص، وتزوجها، وكان بها مشغوفاً وفيها يقول:

أعايذُ ما شمسُ النَّهارِ إذا بدتْبأحسنَ منها بينَ عينيكِ عابداً
وما أنتِ إلاَّ دميةٌ في كنيسةٍيطلُّ لها البطريقُ بالليل ساجداً

ومنهم عبد الرحمن بن أبي عمار فقيه أهل الحجاز دخل النحاس فعلق فتاة واشتهر بها، حتى مشا إليه مجاهد وعطا وطاووس يعدلونه، فأجابهم بأبيات منها:

يلومني فيكِ أقوامٌ أُجالسهمفما أبالي أطالَ الَّلومُّ أم وقعا
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا دين قلبك منها لست ذاكرها»

فاشتراها له عبد الله بن جعفر، وزينها ودخل إليه عبد الله بن أبي عمار في جملة الناس، فلما أراد النهوض استجلسه وسأله عن حبها، فقال في اللحم، والدم، والمخ، والعصب، والعظام، فأخرجها إليه وقال هذه هي؟ قال نعم

هيَ التي هامَ قلبي مِنْ تذكُّرهاوالنفسُ مشغولةٌ أيضاً بذكراها

قال له فخذ بيدها فهي لك، وأمر له معها بماية ألف درهم.

ومنهم عبد الله بن الحسين بن علي ﵈، عشق هند بنت أبي عبيدة وفيها يقول:

يا هندُ إنكْ لوْ سمع??تِ بعاذلينِ تبايعا
هندٌ أحبُّ لي منمالي وأهلِي أجمعَا
فيها أطعتُ عواذليوأطعتُ قلباً موجعا

ومنهم عبد الله القس مر بسلامة فسمع غناءها فرآه مولاه فأدخله فشغف بها وجماله فيها:

ألم ترها لا يبعد الله دارهاإذا طربت من صوتها كيفَ تصنعُ
تمدُّ نظامَ الصَّوتِ ثم تردُّهإلى صلصلٍ من صوتها يترجعُ

ومنهم شريح القاضي كانت عنده زينب التميمية، وكان بها مشغوفاً ولها محباً وفيها يقول:

إذا زينبُ زاراها أهلُهاحسدت وأكرمت زوَّارها

وقد روي أن عائشة بنت طلحة كانت من أجمل الناس، وأحسن النساء صورة، وكانت سيئة الخلق، فغضبت يوماً على زوجها، وخرجت إلى مسجد رسول الله ﷺ فرآها أبو هريرى، فقال: سبحان الله ما أحسن ما غذاك أهلك! ما رأيت أحسن وجهاً منك.

وقد كان مغيث يحب زوجته بريدة، وكان عبداً، فلما عتقتها عائشة خيروها في المقام، أو الفرق، فاختارت فرق مغيث، فاشتد عليها وهام بها، حتى كانت تطوف البيت، وهو وراءها يبكي ودموعه على خديه، حتى قال النبي ﷺ لعمه العباس: "يا عم ما نرى شدة حبه لها وبغضها له، ثم دعاها رسول الله ﷺ وكلمها في معناه أبأمرك يا رسول الله قال لا أنا شافع".

وقد قال ﵇: "ما خلفت على أمتي فتنة أشد من النساء" وقد قال بعضهم:

من كان ذا علمٍ بأمرٍ الهوىفهو بما ألقاهُ مني عليمُ
لم آتِ في الحب بأعجوبةٍالحبُّ في العالم داءٌ قديم

وقد أنشد المأمون:

داءٌ قديمٌ في بني آدمصبوة إنسان بإنسانِ
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

وقد تجاوز الأسود، والخاقاني لما عوتب في حبه فقال:

ويكَ أنْ الملامُ يعزِّي الملوماليس جرمي، كما زعمتَ عظيما
إنْ أكنْ عاشقاً فلم آيِ إلاما أتتهُ الرجالُ قبلي قديما
أنبياءُ الهدى وخيرةُ خلقِ اللهوالأعظمونَ طرَّاً خلوما
فتنتْ صاحبَ الزبورِ في المحرابِإذا ظلَّ للصلاة مقيما
ذاتَ فرعٍ بدتْ تحلَّل منهابدناً ناعماً وكشحاً هضيما
وتراءت على الوليِّ فتاةٌفتنتْ بالجمالِ إبراهيما
ولقدْ همَّ يوسفْ بالذي هموقد كان طاهراً معصوما
ولقد تيمتْ فؤاد رسول اللهعرسٌ بنت حارث تتييما
أحمد المصطفى، فمن أنا حتَّىتنكري أنْ أكونَ عبداً سقيما
إنما أكثري التعجُّب ممنكان من فتنةِ النساءِ سليما

ولآخر:

ولائمٍ لامني في الحبِّ قلتُ لهيا أعظمَ النَّاس فيما لامني حمقا
أنا شرَّعتُ الهوى وحدي فتعذلنيهذا نبيُّ الهدى داوُد قد عشقا

كان يقال نِعم حاجب الشهوات غض الأبصار. ونعم قرين المرء الصمت واستقلال الكبير يعرض التعبير، قيل أنه أشير على أعرابية بالتزوج فأنشدت:

لا تأمروني بالرزالِ فإنَّنيأريدُ كرامَ القومِ أو أتبتَّلُ
أريد فتىً لا يملأُ الهولُ صدرهُيعودُ علينا حلمهُ حين يجهلُ

حكي أنه لقي الرشيد موسى بن جعفر بن محمد بن علي بالمدينة، وكان موسى على بغلة، فاستنكر ذلك الرشيد، وقال للفضل: قل له ما الذي دعاك أن تلتقي مع أمير المؤمنين بهذه الركبة؟ فقلت له كيف تلقيت أمير المؤمنين على هذه الدابة، التي أن طلبت عليها لم تلحق، وإن طلبت عليها لم تسبق قال لست بحيث أُطلب، ولا أطلب ولكنها دابة تنحط عن خيلاء الخيلاء، وترتفع عن ذلة الغير، وخير الأمور أوسطها.

وكان الأفضل الرقاشي يؤثر ركوب الحمار. فقيل له: إنك يؤثر ركوب الحمار، فقال: هو أجمع الدواب تركب، ويتمهل، وهو أسهل الدواب مرتقى، وأيسرها سقطة، وأهونها غيباً، وأيسرها دراء، يترافع به الجليل، ويتواضع به الناسك، فراكبه تارة كراكب الفرس، وتارة كالماشي، ويقوم به الإمامة اللكما، والعبد الأخرق.

قال الأصمعي: رؤي عمر بن العاص راكباً على بغلة قد شمط وجهها هرماً، فقل له: لم تركب هذه، وأنت على فاخرة مصر؟ فقال: إني لا ملك عندي لدابتي ما حملت رجلي، ولا صديقي ما كتم سري، ولا لمرأتي ما أحسنت عشرتي، إن الملك من كواذب الأخلاق.

كان لبعض الظرفاء امرأة كبيرة، تحبه، وتأتي إليه، وتمنعه من التفسح، والمداعبة مع النساء وتظهر الغيرة عليه، فأضجرته، وأكثر عليه بذلك، فكتب إلى أبي الفتوح عبد الرحمن بن عبير الهيثم أن يعمل في ذلك شعراً، فقال:

ومن عجبِ الأيَّام شمطاءَ قاعدٌتحاول مني الوصلَ، وهي تغارُ
إذا أنستني، أوحشتُ منْ أحسبُّهُفي من ندايتها إلى نفارُ
وفي مثلها يُهوى الجفا، وهو مظلمٌويُكرهُ ضوءُ الوصل، وهو نهارُ

لبدر بن صدقة بن منصور بن دبيس بعدما قتل أبوه وملكت دياره:

يا غاديين من الشام إلى العراق بشمالي
إنّ الأمانة لا تطي??ق لحملها صمُّ الجبالِ
إن جئتم الحللَ الرحامَ ومركز الأمل الطوال
ووقوفاً مزدحمِ الوف?ود بباب أبلج كالهلالِ
قولا لساكنها المؤي?د بالبشاشة والجمالِ
مالي أرى السعدي منجيش الفتى المصريِّ خالِ
والقبةُ البيضاء فينقضٍ وكانت في كمالِ
يا صدقُ لو صدقوا رجالك مثلَ صدقك في النزالِ
أو يحملون على اليمين كماحملت على الشمالِ
دامت لهم عربي??ة تبقى على مرِّ الليالي
لكنَّهم قرُّوا وماكرُّوا فتياً للعبيد مع الموالي
بأرنو هل خطر وإلاولا خطروا ببالي
قالوا فقد قبلوا فقلت إلى الجحيم ولا أبالي
للقتل يصلح كلُّ منما كان يصلح للقتالِ

قيل لبعضهم: ما العيش؟ فقال: إقبال الزمان وعز السلطان، ومعاشرة الكرام من الخلان.

وكان ابن بسام ملقى من حجاب الوزراء، وكان يقصدونه بالحجاب، فحضروا يوماً باب القاسم بن عبد الله في أيام وزارته فحجب، فقال:

إنّي أتيتكَ زائراً ومسلِّماًولكي أقوم ببعض حقِّ واجب
فإذا ببابكَ حاجبٌ مسبطرٌفعمود بابكَ في حرم الحاجبِ
ولئن رأيتكَ راضياً بفعالهِفتمام بابكَ في حرمِ الصاحب

وله أيضاً في سعد حاجب الخاقاني الوزير، وكان أسوداً:

يا سعدُ إنَّك قد حجبتَ ثلاثةًكلا قتلتَ وفيك رسمٌ لائحُ
وأتيتَ تحجبُ رابعاً لتثيرهُفارفق به فالشيخ شيخٌ صالحُ
يا حاجب الوزراء إنك عندهمسعدٌ ولكنْ أنتَ سعدُ الذابحُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «يا سعد إنك قد حجبت ثلاثة»

وفيه يقول البحتري:

ولمَّا وقفنا ببابِ الوزيرِوقد كشفَ السترُ أو جانبهُ
ظللنا نُرجم فيك الظُّنونأحاجِمُهُ أنتَ أم حاجبهُ
للشاعر البحتري، من قصيدة «وأظلمت حين لبست السواد»

قيل للأعرابي: اتق الحساب، قال: ومن يحاسبني؟ قيل الله ﷿، قال: إن الكريم إذا حاسب تفضل.

قدم رجل إلى بعض الولاة، فأراد ضربه فقال: تأنَّ أيها الأمير، فإن التأني من الولاة صدقة.

قيل أتي سليمان بن عبد الملك برجل قد عفا عنه مرة بعد مرة، فأمر بضرب عنقه، فقال الرجل: الله، الله يا أمير المؤمنين، قال: أوليس قد عفوت عنك مرة بعد مرة،؟ فقال الرجل: أوليس فداء لك مني مرة بعد مرة يا أمير المؤمنين؟ قال: صدقت، وخلا سبيله.

قال الربيع بن أنس كنا في يوم عيد وقوفاً على رأس المنصور، والناس سماطان على مراتبهم، والمهدي جالس على وسادة، إذ أقبل صالح بن منصور، وهو الذي يدعى المسكين، وقد كان المنصور يرشحه لبعض الأمر، فقال بين السماطين، فسلم فأحسن السلم، ثم استأذن في الكلام، فأذن له المنصور فأجاد، فمد المنصور إليه، ثم قال له: يا بني ادنُ مني، فلما أدناه اعتنقه، ثم أقعده بين يديه ونظر إليه المنصور، ثم نظر في وجه من كان بحضرته من أهل بيته وغيرهم، هل منهم أحدٌ يثني على صالح ابنه لحسن كلامه وبلاغة نظامه، فكلهم هاب المهدي فقام عقال بن شبة بن عقال، فقال لله در خطيب قام آنفاً ما أفصح لسانه، وأحسن بيانه، وأمضى جنانه، وأبل ريقه، وأسهل طريقه، وحق لمن كان أمير المؤمنين أباه، والمهدي أخاه أن يكون، كما قال الشاعر:

هوَ الجوادُ فإنْ تلحق بشأوهماعلى تكاليفهِ من مثله لحقا
أو يسبقاهُ على ما كان من مهلٍفمثل ما قدما م صالحٍ سبقا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «إن الخليط أجد البين فانفرقا»

قال الربيع: فأقبل علي أبو عبيد الله وزير المنصور، وكان إلى جانبي وقال: ما رأيت مثل هذا الرجل، ولا سمعت أحسن من نظامه، إنه أرضى أمير المؤمنين، ومدح الغلام، وسلم من المهدي، ثم أقبل المنصور علي فقال: يا ربيع لا ينصرف التميمي إلا بثلاثين ألف درهم، فما انصرف، حتى حملت إليه معنا.

رأيت بخط شيخنا شيخ الإسلام أبي الوفا علي بن عقيل ﵀، قال: ذكر أبو بكر الخطيب في تاريخه بإسناده، عن عمر بن الهياج بن سعيد، قال: أتت امرأة من ولد جرير بن عبد الله البجلي، صاحب رسول الله ﷺ إلى شريك القاضي، وهو بالكوفة، فقالت: أنا بالله، ثم بالقاضي، وذكرت نسبها ورددت الكلام، فقال لها: أيها عند الآن من ظلمك؟ فقالت: الأمير موسى بن عيسى، وهو ابن أخي المنصور، كان لي بستان على شاطئ الفرات لي فيه نخل، ورثته عن آبائي، وقاسمت أخوتي، وبنيت بيني وبينهم حائطاً، وجعلت فيه غارساً يحفظ النخل، ويقوم ببستاني.

فاشترى الأمير موسى بن عيسى من أخوتي جميعاًَ وساومني، وأرغبني، فلم أبعه، فلما كان في هذه الليلة، بعث فاعل، فاقتلعوا الحائط، فأصبحت لا أعرف من بخلي شيئاً، واختلط بنخل أخوتي، فقال شريك: يا غلام، آتني بطيئة وختم عليها، ثم قال لا أمضي إلى بابه، حتى يحضر معك، فجاءت المرأة بالطينة إلى بابه، فأخذها الحاجب ودخل على موسى، وقال: أعدا شريك عليك.

فقال: ادع لي صاحب الشرطة، فدعاه، فقال امض إلى شريك، وقل سبحان الله ما رأيت أعجب من أمرك، امرأة ادعت دعوى لم تصح ادعيتها علي.

فقال له صاحب الشرطة: إن رأى الأمير أن يعفيني من لقائه فليفعل، فقال امض، ويلك فخرج، وأمر غلمانه أن يتقدموا إلى الحبس بفراش وغيره، فلما وقف بين يدي شريك، وأدى الرسالة، فقال يا غلام خذ بيد هذا وضعه في الحبس، فقال قد والله يا عبد الله عرفت أنك تفعل بي هذا، فقدمت عليه، وبلغ موسى الخبر فوجه بالحاجب إليه، وقال: قل له هذا من ذاك رسول أي شيء عليه، فلما أدى الرسالة، قال يا غلام ألحقه بصاحبه في الحبس.

فلما صلى الأمير العصر، بعث إلى الحسن بن الصباح الأشعثي وجماعة من وجوه الكوفة، وأصدقاء شريك من العلماء، والقراء، فقال لهم: امضوا إليه وبلغوه السلام، وأعلموه أنه قد استخف بي، وأني لست كالعامة فمضوا، وهو جالس في مسجده بعد العصر، فأبلغوه الرسالة، فلما فرغوا قال لهم، فما لي إلا أراكم جئتم في غيره في الناس كلمتموني من هنا من فتيان الحي فليأخذ كل واحد منكم بيد رجل منهم، واذهبوا بهم إلى السجن، لا، والله لا بتم إلا فيه، قالوا: أجاداً أنت حقاً؟ قال: نعم، حتى لا تعودوا برسالة ظالم، فحبسهم، فركب الأمير موسى بن عيسى في الليل وفتح باب الحبس، وأخرجهم جميعاً، وجاء من الغد السجان إلى شريك في مجلس القضاء، فأخبره، فأمر بالقنطر فختمها، ووجه بها إلى منزله.

وقال لغلامه: الحقني بثقلي إلى بغداد، والله ما طلبنا هذا الأمر منهم ولكن أكرهونا عليه، ولقد ضمنوا لنا الإغراء فيه إذا تقلدناه لهم، ومضى نحو قنطرة الكوفة يريد بغداد، فبلغ الخبر موسى بن عيسى فركب في موكبه فلحقه، وجعل يناشده الله، وقال يا أبا عبد الله، تثبت انظر إلى أخوانك تحبسهم دع أعواني قال نعم، لأنهم مشوا لك في أمر لم يجب عليهم المشي فيه، ولست ببارح، أو يردوا إلى الحبس، وإلا مضيت إلى أمير المؤمنين فاستعففته مما جعله إلي فأمر بردهم إلى الحبس، وهو، والله واقف مكانه، حتى جاء السجان فأخبره بذلك.

فقال لأعوانه خذوا بلجام بغلة الأمير فردوه بين يديه، حتى دخل المجلس وجلس. وقال أين الجويرية المتظلمة من هذا؟ فجاءت، قال هذا خصمك قالت نعم، قال قد حضر مجلس الحكم، ثم قال الأمير أولئك يخرجون قبل كل شيء من الحبس، فقال القاضي أما الآن فنعم، أخرجهم، ثم التفت إلى الأمير فقال ما تقول فيما تدعيه هذه المرأة؟ قال صدقت، قال فترد جميع ما أخذت منها، وتبني لها حيطها في وقت واحد سريعاً، كما هدم، قال: أفعل، قال ما بقي لك شيء؟ قالت بيت الفارس ومتاعه، قال موسى يرد متاعه، ويبنى بيته، بقي لك شيء تدعيه؟ قالت لا وجزاك الله خيراً عن المسلمين، قال قومي لشأنك، ثم أخذ شريك بيد موسى بن عيسى فأجلسه في صدر المجلس، ثم قال السلام عليك أيها الأمير تأمر بشيء ليمتثل؟، قال له موسى: بأي شيء وضحك وانصرف راضياً بفعل شريك.

يقال: إن المروءة عشرة خصال: الحلم، والحياء، والصدق، والسخاء، وترك الغيبة، وحسن الخلق، والعفو عند المقدرة، وبذل المعروف، وإنجاز الوعد، وكتم السر.

حكي عن الحسن بن سهل أنه لما ودع المأمون فبلغ نهاية التشييع، فقال المأمون ألك حاجة يا أبا محمد؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين تحفظ علي من قلبك لا أستطيع حفظه إلا بك.

كتب عبيد الله بن عبد الله بن ظاهر إلى موسى بن بغا معزياً له غير أخيه أبي نصر، ومهنئاً له بإحضار الخلافة إلى المعتمد على الله، لئن كانت الأيام أعزك الله، أساءت الرزية، لقد أحسنت العطية، أو قاربت المنية، لقد بلغت الأمنية، فأعطت بكف وثنت كفاً، فلا زلت مشمولاً بالنعم، مغموراً بالكرم. حتى يكون كل يوم من أيامك موفياً في الفضل على أمسه، مقصراً عن فضل غده، وأمسه.

كتب رجل إلى صديق له، قد كنت أستعيذك ظالماً، فتحكم لي، وقد استعذيتك مظلوماً، فضاق عني عدلك، وقد ذكرت، قول الشاعر:

كنت من كربتي أفرُّ إليهمفهمُ كربتي فأينَ الفرارُ؟

وكتب آخر إلى من وعده بوعد ومطله كفا بالتأويل موجباً للمأمول، فكيف بالموعود الممطول.

وكتب آخر إلى صديف له لا تستقل لنا براً فإنا لا نستكثر على قبوله شكراً.

يقال أن الحمية أحد العلتين.

هذه رقية للنار الفارسي، والنملة، وهي مجربة متداولة: تعقد عند عاقولة في يوم الأحد وتحفر على أصلها بحديدة، وتقول وأنت تحفر هذه الكلمات: توميد، الدوريدك، برذم، شرندم، هلميسة، وخشك، يانسي، نوشفا، توشفا عن فلان بن فلانة، أو فلان بنت فلانة، وتقطع العاقولة، وتثقل عليها، وتركي وأكثر ما يفعل ثلاثة آحاد فإنه يبرأ بإذن الله تعالى.

قال طاووس اليمامي، رأيت علياً كرم الله وجهه على المنبر بالكوفة، وقد خطب خطبة بليغة، قال فيها: معاشر الناس عشر خصال تقبح، قيل ما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: الغدر بالأشراف، والخدعة بالعلماء، والكبر في الأبرار، والشح بالملوك، والبخل بالأغنياء، والإزراء بالفقراء، والسفاهة بالشيوخ، والفجور بالقراء، والكذب بالقضاة، والعجلة في الأمراء.

قال الأمير عمر بن هبيرة لبعض عماله: اتخذ كاتباً، ولا تكونا نارين فتحرقا، ولا مائين فتغرقا، ولا تنفتحا، وكن ناراً وليكن ماء، وول عملك أهل البيوتات فإن عدلوا، فذاك الظن بهم، وإن لم يفعلوا كان لك عذر في توليتهم، ويكن حاجبك طلق الوجه، ينزل الناس منازلهم.

فإن حاجب الرجل وجهه قيل أن يرى فليكن وجهك حسناً، ومره أن يتلقى بالبشر، ومره أن يستقبل مصافيك ومخالصيك جذلاً مسروراً، وأن يقضي حوائجهم، ويقرب مجالسهم، بل يوجه من يكون ذلك طبعاً فيه، ولا يكون عليه مؤونة له من نفسه.

يحكى أن رجلاً وقف بين يدي الوزير مسعدة، وقد ركب في موكبه، وأظهر من الكبرياء، والجبروت ما يخرج عن حد العادة فأنشد:

لا تناها فوق حالك حالكمل الوزن وامتلأ المكيال
مثل شمس النهار لما استقلتفي ذراها فليس إلا الزوال

وحكي عن بعض الكتاب أنه وقع إلى قاضي قم: أيها القاضي بقم قد عزلناك فقم، فقال القاضي: والله ما أراد عزلي وإنما التطابق بالسجع حمله على ذلك، فما مضت أيام عدة حتى أعاده.

يقال: من استطال عليك بصورته، وبخل عليك بفضله، ففي التصاوير مثله كثير أنشد ابن الأعرابي:

حملت جبال الحب منك، وإنّنيلأعجز عن حمل القميص وأضعف
وما الحب من حسنٍ ولا من ملاحةٍولكنه شيءٌ به الروح تتلف

قال بعض الحكماء: من فعل ما شاء لقي ما لا يشاء.

وقال بعض الأدباء: أوسع ما يكون الكريم مغفرة. إذا ضاقت بالمذنب المقدرة.

ويقال: إن الاستطالة نذالة.

قيل للأحنف بن قيس: هل رأيت أحداً أحكم بياناً منك؟ قال: أي والله من تعلمت منه الحلم، قيل من هو؟ قال: قيس بن عاصم المنقري بينما هو محتبٍ بفناء بيته، أُدني بابن له، قيل قتله ابن عم له. فوالله ما تغير له وجه، ولا حل حبوته، ولكنه أمر، بأن يغسل ويوارى، ثم أرسل إلى قاتله لا يجوز أن تجري في الانتقام مجراك في الاعتداء، فأقبل إلينا آمناً، وأخبرونا بالسبب الذي هيجك على ما أحييت، ثم قال: يا غلام اذهب إلى أم القتيل بمائة من الإبل، ليسكن عنها ما تداخلها من اللوعة، ثم أنشأ يقول:

إني امرؤٌ لا بطئ حسبيدنسٌ يخالطه، ولا أفقُ
من منفرٍ في بيت مكرمةٍوالفرعُ بيتٌ حوله الغصنُ
لا يفطنون لعيب جارهموهم لعين عيوبه فطن
خطباء حين يقول قائلهمبيض الوجوه أعفه لسنُ

قيل لأمير المؤمنين، عمر بن الخطاب ﵁ من سيد قومك؟ قال: من أحوجهم الدهر إليّ.

يقال: من رغب في المكارم فليتجنب المحارم.

ويقال: أنعم الناس عيشاً من عاش غيره في ظله.

وقد روي أن كعب بن مالك، وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا لما جاء البشير بنزول توبته سجد، وألقى رداءه على البشير.

قال عمران بن محمد اليقطيني: رأيت يونس بن المختار، في دار المأمون، ومرتبته أعلى المراتب، قاعداً على الأرض، فقال له الحاجب: ارتفع ي أبا المعلي إلى مرتبتك. فقال: قد رفعني أمير المؤمنين إليها وليس لي عمل بقي لها، فلم لا أكرمها عن القعود عليها إلى أن يتهيأ لي الشكر عليها، فبلغ ذلك المأمون، فقال هذا غاية الشكر وزاد في إكرامه، لمحمود الوراق:

يا أيها الظالم في فعلهوالظلم مردود على من ظلم
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا أيها الظالم في فعله»
إلى متى أنت وحتى متىتشكو المصيبات وتنسى النعم
للشاعر محمود الوراق، من قصيدة «يا أيها الظالم في فعله»

أخذ هذا من تفسير الحسن لقوله تعالى: ﴿إن الإنسان لربه لكنودٌ﴾ قال: يعود المصائب، وينسى النعم.

ويروى عن النبي ﷺ أنه قال: "من أنظر معسراً إلى ميسرة كان في ظل الله ﷿".

وروي عنه ﵇ أنه قال من شد على أخيه في التقاضي، إذا كان معسراً شد الله عليه في قبره.

قال أبو معاوية الأسود: إخواني كلهم خير مني، فقيل له كيف ذلك؟ فقال كلهم يرى الفضل على نفسه، ومن فضلي على نفسه فهو خير مني لبعضهم:

فلا نغترر بالبشرِ في وجهِ حاسدٍفيردُّ ابتسامَ الثَّغر من غلظة الحقدِ
وإن مشرب السُّمِ لا شكَّ قاتلٌوإن هو أحنى نفسهُ لدَّة الشهدِ

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «سفط الملح وزوح الترح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.