تجاوز إلى المحتوى

من «توشيع التوشيح» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

فصل لا بأس بإيراده

الموشح فن تفرد به أهل المغرب، وامتازوا به على أهل المشرق، وتوسعوا في فنونه، وأكثروا من أنواعه وضروبه. وقيل: انه أول من نظم الموشحات بالمغرب الإمام أحمد بن عبد ربه صاحب كتاب العقد. وقال ابن بسام أول من صنع أوزان هذه الموشحات بأفقنا، واخترع طريقها -فيما بلغني- محمد بن محمود القبري الضرير. وقيل: ابن عبد ربه. ثم نشأ يوسف بن هارون الرمادي وأكثر منها. قال الأستاذ الأديب أبو الحسن علي بن سعد الخير. رحمه الله تعالى، من جملة كلام: ووجدنا بعض المتأخرين كمهيار الديلمي، وأبي محمد القاسم الحريري، وغيرهما، قد استنبطوا من تلك الأعاريض أقساماً مؤلفة على فقر مختلفة وقواف مؤتلفة. قلت: يعني بذلك أشعار العرب في أبحر العروض. قال: وسموها ملاعب. واستنبط منها أيضا أهل الأندلس ضربا قسموه على أوزان مؤتلفة، وألحان مختلفة، وسموه موشحا، وجعلوا ترصيع الكلام وتنميق الأقسام توشيحاً، وكانوا أول من سن هذه الطريق ونهجه، وأوضح رسمه ومنهجه، انتهى.

قلت: ورسم الموشح هو: كلام منظوم، على قدر مخصوص، بقواف مختلفة.

قال القاضي السعيد ابن سناء الملك رحمه الله تعالى: وهو ما يأتلف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات ويقال له التام، وفي الأقل من خمسة أقفال وخمسة أبيات ويقال له الأقرع. فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات.

قال: والأقفال هي أجزاء مؤلفة يلزم أن يكون كل قفل منها متفقا مع بقيتها في وزنها وقوافيها وعدد أجزائها. قلت: ينبغي أن تزاد هذه العبارة قوله يُبتدأ الموشح بالقفل ويختم. قال: والأبيات هي أجزاء مؤلفة مفردة أو مركبة يلزم في كل بيت منها أن يكون متفقا مع بقية أبيات الموشح، في وزنها وعدد أجزائها إلا في قوافيها، بل يحسن أن تكون قوافي كل بيت منها مخالفة لقوافي البيت الآخر. قال: وأقل ما يتركب القفل من جزأين فصاعدا إلى ثمانية أجزاء، وعشرة أجزاء. والجزء من القفل لا يكون إلا مفردا، والجزء من البيت قد يكون مفردا، وقد يكون مركباً، والمركب لا يتركب إلا من فقرتين أو ثلاث فقر، وقد يتركب في الأقل من أربع فقر.

القفل المركب من جزأين، مثاله:

شمسٌ قارنت بدراكأسٌ ونديم

القفل المركب من ثلاثة أجزاء، مثاله:

حلَّت يد الأمطارأزرَّة النوار

فيا خدني

المركب من أربعة أجزاء، مثاله:

أدر لنا أكواب ...

ينسى بها الوجد

واستحضر الجلاس ...

كما اقتضى الود

المركب من خمسة أجزاء، مثاله:

يا من أجود ويبخلعلى شحي وافتقاري

أهواك

وعندي زيادة

منها شوقي وادكاري

المركب من ستة أجزاء، مثاله:

ميتات الدمنأحيين كربي

وهل يتمكن

عزاء لقلبي

مت يا عزاه

شاه

المركب من سبعة أجزاء، مثاله:

من شانيعن شاني

به جفني

قد استعبر

وقد عبر

عن المضمر

بما عندي

المركب من ثمانية أجزاء، مثاله:

على عيون العينرعي الدراري

من شغف

بالحب

واستعذب العذاب

والتذ حاليه

من أسف

وكرب

وقد ينتهي في التركيب إلى اثني عشر جزءاً. والأبيات منها ما تكون أجزاؤه مفردة.

فمنها ما هو على ثلاثة أجزاء، مثاله:

أرى لك مهندأحاط به الاثمد

فجَّرد ما جرَّد

ومنها ما هو على أربعة أجزاء، مثاله:

قد باح دمعي بما اكتمهوحن قلبي لمن يظلمه
رشا تمرَّن في لا فمهكم بالمنى أبداً الثمه

ومنها ما هو مركب. فمنها ما يتركب من فقرتين وثلاثة أجزاء، مثاله:

أقم عذريفقد آن أن أعكف
على خمريطوف بها أوطف
كما تدريهضيم الحشا مخطف

ومنها ما يتركب من فقرتين وثلاثة أجزاء ونصف، مثاله:

من أودع الأجفانصوارم الهند
وأنبت الريحانفي صفحة الخد
قضى على الهيمانبالدمع والسهد

[أنى وللكتمان]

ومنها ما يتركب من فقرتين وأربعة أجزاء، مثاله:

ما حوى محاسن الدهرإلا غزال
معرق الجدين من فهرعم وخال
نسبه للنائل الغمروللنزال
فأنا أهواه للفخروللجمال

ومنها ما يتركب من فقرتين وخمسة أجزاء، مثاله:

هن الظباء الشمسقنيصهن الضيغم
ما أن لها من كنسإلا القلوب الهيم
القرب منها عرسوالبعد عنها مأتم
تلك الشفاه اللعسيبرا بهن المغرم
لها لحاظ نعسترنو إلى من تسقم

ومنها ما تركب من ثلاث فقر وثلاثة أجزاء، مثاله:

من لي به يرنوبمقلتي ساحر

إلى العباد

ينأى به الحسنفينثني نافر

صعب القياد

وتارة يدنوكما احتسى الطائر

ماء الثماد

ومنها ما تركب من أربع فقر وثلاثة أجزاء، مثاله:

بأبي ظبي حمىيكنفه

أسد غيل

مذهبي رشف لمىقرقفه

سلسبيل

يستبي قلبي بمايعطفه

إذ يميل

قال ابن سناء الملك: والخرجة عبارة عن القفل الأخير من الموشح. والشرط فيها أن تكون حجاجية من قبل السخف، قزمانية من قبل اللحن، حارة محرقة، حادة منضجة، من ألفاظ العامة ولغات الداصة.

قال: والمشروع بل المفروض في الخرجة أن تجعل الخروج إليها وثبا واستطرادا، وقولا مستعارا على بعض الألسنة الناطقة أو الصامتة. وأكثر ما تجعل على السنة الصبيان والنسوان والسكرى والسكران. ولابد في البيت الذي قبل الخرجة من: قال أو قلت أو قالت أو غنيت أو غنى أو غنت.

قال: وقد تكون الخرجة أعجمية اللفظ بشرط أن يكون لفظها في الأعجمية سفسافاً نفطياً، رمادياً زطياً.

قال: والخرجة هي أبراز الموشح، وملحه وسكره، ومسكه وعنبره، وهي العاقبة وينبغي أن تكون حميدة، والخاتمة بل السابقة وان كانت الأخيرة.

قال: وفي المتأخرين من يعجز عن الخرجة، فيستعير خرجة غيره، وهو أصوب رأيا ممن لا يوفق في خرجته بان يعربها ويتعاقل، ولا يلحن فيتخافف بل يتثاقل.

قلت: هذه الشروط التي شرطها في الخرجة قل من يلتزمها لتعذرها عليه، فهو إما أن يتركها وإما أن يأتي بها خارجة عن هذه الشروط، وقد رأيت السراج المحار، وأحمد بن حسن الموصلي، والشيخ صدر الدين بن الوكيل، والشهاب العزازي، وابن دانيال، وغيرهم من المعاصرين والمتأخرين قبلهم، لم يأت احد منهم بخرجة، وإن أتى بها كانت غير داخلة.

وستقف في هذه الموشحات التي أوردها من كلامي، وفي بعضها خرجات إن أنت أنصفتها عرفت أين تقع من شروط ابن سناء الملك، رحمه الله تعالى. وأنا فقد ارتكبت فيها مزلتين، وسلكت فيها زلقين، لأنني غالب ما نظمته على وزن من تقدمني، وأتيت فيه بخرجة غير خرجته. وهذا فهو من أصعب ما يكون، لأن الوشاحين يحصلون الخرجة أولا ثم إنهم ينظمون الموشح على وزنها وقافيتها. وأنا فأحتاج إلى أن التزم بذلك الوزن الذي تقدمني وبقوافيه، وأجيء مع ذلك بالخرجة الداخلة. وهذان أمران مشقان، إلا على من أيده الله بمعونته.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «توشيع التوشيح»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.