تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في العين

لما كانت الحاجة إلى العين ماسة اقتضت الحكمة الإلهية أن تكون في غاية الرقة واللين ووقاها بضروب كثيرة من الوقاية، فوضعها في حفرة من العظم، وجعل حولها عظاما صلبة، وغطاها بالأجفان، وصانها بالأهداب، وجعلها عينين اثنين حتى لو أصاب إحداهما آفة بقيت الأخرى سليمة، وجعلهما في الرأس؛ لأن حاسة البصر بمنزلة الديدبان وأنه كلما كان أعلى مكانا كانت مسافة مبصراته أكثر، ولأن العصبة التي فيها الروح الباصرة رقيقة جدا نازلة من الدماغ لا تحمل مسافة بعيدة وقد وضعت أمام البدن لتكون حارسة للأعضاء التي غطاؤها ضعيف كالبطن وغيره، ولأن عمل الأعضاء الخارجة كاليد والرجل من قدام لتكون مشاهدة لأعمالها وهي سبع طبقات، وتركيبها أنه ينشأ من الدماغ من تحت القحف عصبة مجوفة تنتهي إلى قعر العين وعليها غشاءان: أحدهما غليظ، والآخر رقيق، فإذا صارت إلى عظم العين فارقها الغشاء الغليظ، وصار لباسا وغشاء لعظم العين، وتسمى الطبقة الصلبية ويفارقها أيضا الغشاء الرقيق ويسير لباسا وغشاء دون الطبقة الصلبية، وتسمى الطبقة المشيمية لشبهها بالمشيمية، وتعرض العصبية نفسها أن تصير غشاء بين الغشائين المذكورين، ويسمى الغشاء الشبكي، ثم يتكون في وسط هذا جسم لين رطب في لون الزجاج يسمى الرطوبة الزجاجية، ويتكون في وسط هذا الجسم جسم آخر مستدير إلا أنه مفرطح شبيه بالجليد في صفائه، وتسمى الرطوبة الجليدية وتحيط الزجاجية بالجليد بمقدار النصف ويعلو النصف الآخر جسم شبيه بنسج العنكبوت شديد الصفاء والصقال وتسمى الطبقة العنكبوتية، ثم يعلو هذا الجسم جسم سائل في لون بياض البيض تسمى الرطوبة البيضية، ثم يعلو الرطوبة جسم رقيق أملس الخارج يختلف لونه في الناس فربما كان شديد السواد وربما كان دون ذلك، وفي وسطه حين يحاذي الجليد ثقب يتسع ويضيق في حال دون حال بمقدار حاجة الجليدية إلى الضوء، فيضيق عند الضوء الشديد ويتسع في الظلمة، وهذا الثقب هو الحدقة ويسمى هذا الغشاء الطبقة العينية، ويعلوها ويغشاها جسم كثيف صاف شبيه بصفيحة رقيقة من قرن أبيض وتسمى الطبقة القرنية غير أنها تتكون بكون الطبقة التي تحتها المسماه العينية ويعلوها ويغشاها إلى موضع سواد العين في حوله جسم أبيض اللون صلب يسمى الملتحم وهو بياض العين ونباته من الجلد الذي خارج القحف ونبات القرنية من الطبقة الصلبية، ونبات القرنية العينية من الطبقة المشيمية، ونبات العنكبوتية من الطبقة الشبكية، والله الموفق.

(أما الروح الباصر) فإنه في جوفه عصبان يبتدئان من غور البطنين المتلازمين المقدمين من

الدماغ نبتا يصير النابت منهما يسارا، ونبتا يصير النابت منهما يمينا، ثم يلتقيان على مقاطع صلبي، ثم ينفذ النابت يمينا إلى الحدقة اليمنى والنابت يسارا إلى الحدقة اليسرى، ولوقوع هذا التقاطع منافع، منها: أن الروح السائل إلى أحد الحدقتين لا يكون محجوبا عن الأخرى وإذا عرضت لإحداهما آفة صار الروح الناظر من الطريقين إلى العين السليمة، ولذلك ترى إحدى الحدقتين أقوى إبصارا إذا غمضت الأخرى لقوة اندفاع الروح الباصر إليها. وأما منافع الطبقات والرطوبات فكثيرة والحاجة إليها للطبيب ليس كتابنا بصدده، وأما الجفن فمنشؤه من الجلد الذي هو خارج القحف والرأس، وفيه ثلاث عضلات تأتي اثنتان من جهة الموقين، يجذبان الجفن إلى أسفل جذبا متشابها، وأما فتح الجفن فيكفيه عضلة واحدة تأتي من وسط الجفن فينبسط طرف وتراها على طرف الجفن، فإذا نشجت فتحت العين، وأما الجفن الأسفل فإنه لا عضلة فيه وجعل الأسفل أصغر من الأعلى لأن الأعلى يستر الحدقة مرة ويكشفها أخرى بتحركه، وأما الأسفل فإنه غير متحرك، فلو زيد على هذا القدر لستر شيئا من الحدقة دائما ولكن بفضول العين تجتمع فيه ولا يسيل، وأما منفعته فليمنع نكاده ما يلاقي الحدقة من خارج، ويمنع عند إطباقها وصول الغبار والدخان والشعاع ويصقل الحدقة دائما، ويبعد عنها ما أصابها من الهباء والقذي، وأما الأهداب فإنها بمنزلة السياج حول العين يمنع عن الحدقة بعض الأشياء التي لا يمنعها الجفن مع انفتاح العين كما ترى عند هبوب الريح الذي يأتي بالقذي تفتح أدنى فتح وتتصل الأهداب الفوقانية بالسفلانية، فيحصل منها شبه شباك لينظر من ورائها، فتحصل الرؤية مع اندفاع القذي، والله أعلم.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.