تجاوز إلى المحتوى

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)

فصل: في الأنف

خلق الأنف بارزا عن الوجه لما فيه من الجمال، ولتكون أرنبته آلة لاستنشاق الهواء، وخلق مجراه مفتوحا؛ لأن الحاجة إلى استنشاق الهواء للتنفس ضرورية دائما، وإنما جعل مجراتين احتياطيا لمصلحة النفس حتى لو أصاب إحدى المجراتين آفة تحصل بالأخرى مصلحة التنفس، وخلقت قصبته صلبة لتكون وقاية للوجه من المصادمات، وأرنبته لينة ليحصل بانقباضها وانبساطها جذب الهواء، كما ترى من كير الحدادين ومجراه إذ علا ينقسم قسمين: أحدهما يفضي إلى فضاء الفم، والآخر يمر صاعدا حتى يفضي إلى العظم الشبيه بالمصفاة الموضوع في وجه محل الإحساس فيحصل بأحد القسمين الشم، وبالآخر التنفس، وإنما جعل في منتهى ثقبتي الأنف عظم مثقوب شبيه بالمصفاة؛ لتصل الروائح بنفسها إلى موضع الإحساس، ويستفرغ منها الفضول المخاطية ولم تجعل هذه المنافذ مستقيمة بل معوجة إذ لو كانت مستقيمة لكان الهواء المستنشق يصل إلى الدماغ بسرعة فيفسد، فجعلت معوجة ليبقى الهواء في تلك التعاريج مدة فتنكسر برودتها، فإذا وصل إلى الدماغ يكون معتدلا، وجعل منفذ المنخرين إلى الحنك حيث يوازي الحلقوم ليكون التنفس أسهل ولو لم يكن كذلك لما أمكن إطباق الفم ساعة ولو كان التنفس بالفم لكان الفم جافا بدخول الهواء وخروجه فلم يحصل إدراك الطعم ولا حركة اللسان ولا مضغ الطعام ولا بلعه.

النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.