من «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات» لزكريا القزويني (ت ٦٨٢هـ)
النظر الخامس في القوي
القوى صنف من الملائكة خلقها الله تعالى لتدبير الأبدان وقوام منافع أعضائها من الأفعال والإدراكات، فتشبه أفعالها فيها أفعال صناع البلاد وسكانها، فإن حال البدن مع الروح وهذه القوة تشبه مدينة عامرة بآلاتها مأنوسة بسكانها، مفتوحة الأسواق مسلوكة الطرقات مشتغلة الصناع، وحاله عند النوم وهذه الحواس وسكون الحركات تشبه حال المدينة بالليل إذا غلقت أبوابها، وتعطلت صناعها ونام أهلها. ومنهم من قال إن البدن كبيت بنقوش وصور عجيبة، وألوان مختلفة فالقوى تلك النقوش، والصور والنفس كالسراج الذي يدار في أطراف البيت، وبسبب وصول ضوئه إلى آخر البيت يرى له في سقفه وحيطانه وفرشه عجائب يبينهن فيها، بل في كل زاوية من زواياه مثل الحس والعقل والفهم، والقوى الظاهرة والباطنة والجمال وغيرها، فإذا فارق النفس بطلب هذه المعاني كما أن البيت عند انطفاء السرج لا يرى لتلك النقوش والصور أثر عجائب القوى خارجة عن فهم الإنسان، لكن أحببت أن أذكر بعض ما أدركه أذكياء النفوس من الحكماء من العجائب المودعة في الأنواع الأربعة من القوى، والله الموفق للصواب.
النص من طبعة مكتبة الثقافة الدينية بالقاهرة (٢٠٠٦م) كما في المكتبة الشاملة، بلا حواشي المحقق. مصادر الموقع