تجاوز إلى المحتوى

من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)

خطب النكاح

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

خَطب عثمانُ بنِ عَنْبَسة بني أبي سُفيان إلى عُتبة بن أبي سفيان ابنته.

فأقعده على فَخذه وكان حَدَثاً فقال: أقرَبُ قريب خَطب أحب حبيب لا أستطيع له ردًا ولا أجِد من إسعافه بداً قد زَوجتكها وأنت أعزُّ علي منها وهي ألصَق بقلبي منك فأكْرِمها يَعْذُب على لساني ذِكْرُك ولا تُهنْها فيَصْغُرَ عندي قَدْرُك وقد قَرَّبتُك مع قُرْبك فلا تبعد قلبي مِن قلبك.

خطبة نكاح العُتبي قال: زوج شبيب بن شَيبة ابنه بنتَ سًوّار القاضي فقلنا: اليومَ يَعُب عُبابه.

فلما اجتمعوا تكلّم فقال: الحمد لله وصلى الله على رسول الله.

أما بعد فإن المَعرفة منا ومنكم وخطبة نكاح العُتبي قال: كان الحَسَن البَصري يقول في خُطبة النِّكاح بعد الحمد لله والثناء عليه: أما بعد فإِنّ الله جَمع بهذا النّكاح الأرحام المُنقطعة والأنساب المتفرّقة وجَعَل ذلك في سُنّة من دينه ومنهاج من أمرِه.

وقد خَطب إليكم فلان وعليه من الله نِعْمة وهو يَبْذل من الصداق كذا فاستخيروا الله ورُدّوا خيراً يرحمكم الله.

خطبة نكاح العُتبي قال: حَضَرْت ابن الفقَيَر خَطب على نفسه امرأةً من باهلة فقال: وما حسنٌ أن يمْدَحَ المرْءُ نفسَه ولكنَ أخلاقاً تُذَمُ وتُمْدَحُ وإن فلانة ذُكِرت لي.

وخطبة نكاح العُتبي قال: يُستَحَب للخاطب إطالة الكلام وللْمخطوب إليه تَقْصيره.

فَخَطب محمدُ بن الوليد إلى عمر بن العزيز أختَه فتكلّم محمد بكلام طويل.

فأجابه عمر: الحمد لله ذي الكِبْرياء وصلى الله على محمد خاتم الأنبياء.

أما بعد فإنّ الرّغْبة منك دَعَتْك إلينا والرّغبةَ فيك أجابتك منّا وقد أحسنَ بك ظنّا مَن أودعك كريمتَه واختارك ولم يخْتر عليك وقد زَوَّجتكها على كتاب الله إمساكاً بمعروف أو تَسْريحاً بإحسان.

خطبة نكاح خطب بلالٌ إلى قوم من خَثْعم لنفسه ولأخيه فَحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال: أنا بلال وهذا أخي: كنا ضالّين فهدانا الله عَبْدَين فأعتقنا الله فقيرين فأغنانا الله فإن تُزوَجونا فالحمد لله وإن تَرُدُونا فالمُستعان الله.

وقال عبدُ الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز: قد زَوَجَك أمير المؤمنين ابنتَه فاطمة.

قال: جزاك الله يا أمير المؤمنين خَيراً فقد أجْزلت العطية وكفَيت المسألة.

نكاح العبد الأصمعي قال: زوج خالدُ بن صفوان عبدَه من أمته فقال له العبد: لو دَعوتَ الناس وخَطبت! قال: ادعهم أنت.

فدعاهم العبد فلما اجتمعوا تكلَّم خالد بن صَفوان فقال: إنَّ الله أعظم وأجلُّ من أن يُذْكر في نِكاح هذين الكلبين وأنا أشهدكم أني زَوَّجت هذه الزانية من هذا ابن الزانية.

خطب الأعراب الأصمعي قال: خطَبَ أعرابيّ فقال: أما بعد فإنَّ الدُنيا دَار مَمَرَّ والآخرة دار مَقَرّ فخُذوا من مَمَرِّكم لمَقَركم ولا تَهْتِكوا أستارَكم عند من لا تخفى عليه أسرارُكم واخرِجوا من الدنيا قُلوبَكم قبل أن تَخْرُج منها أبدانُكم ففيها حَيِيتم ولغيرها خُلقتم اليومَ عمل بلا حِساب وغداً حسابٌ بلا عَمل.

إنَّ الرجل إذا هَلك قال الناس: ما تَرك وقالت المَلَائكة: ما قدَم فقدِّموا بعضاً يكون لكم قَرْضاً ولا تَتْركوا كُلَاً فيكون عليكم كَلّاً.

أقول قولي هذا والمَحمود الله والمُصلى عليه محمد والمَدْعو له الخليفة ثم إمامُكم جعفر قُوموا إلى صلاتكم.

خطبة لأعرابي الحمد لله الحميد المُستحمد وصَلّى الله علي النبيّ محمد أما بعد فإن التعمّق في ارتجال الخًطب لَمُمكن والكلامَ لا يَنثني حتى يُنْثنى عنه والله تبارك وتعالى لا يُدرك واصفٌ كُنْه صِفته ولا يبلغ خَطِيب مُنْتهى مِدْحته له الحمدُ كما مَدح نفسه فانهضوا إلى صلاتكم ثم نزل فصلى.

خطبة أعرابي لقومه يَنْهَى عن أمر ويَرْتكبه ويَأمر بشيء ويَجْتنبه وقد قال الأول:

وَدع ما لُمت صاحبَه عليه فَذَم أن يَلُومك مَن تَلُومُ

ألهمنا الله وإياكم تَقواه والعملَ برضاه.

وفي الأم زيادة من غير أَصلها فأوردتُها كهيئتها وهي خُطبة لعلي كرم الله وجهه أوردت في هذه المُجنّبة تِلْو خُطبة المأمون يوم عيد الفطر:

جاء رجل إلى عليّ كرم الله وجهه فقال: يا أمير المؤمنين صِفْ لنا رَبنا لنزداد له مَحبَّة وبه مَعْرفة. فغضب علي كرم الله وجهه ثم نادَى: الصلاةً جامعة. فاجتمع الناسُ إليه حتى غصَ المَسجد بأهله ثم صَعِد المنبر وهو مُغْضَب مُتغير اللون فَحَمد اللهّ وأثنى عليه بما هو أهله ثمّ صلّى على النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: الحمدُ لله الذي لا يَعُزه المنع ولا يُكديه الإعطاء بل كلّ مُعْطٍ يَنْقص سِواه هو المنَّان بفرائد النِّعم وعَوائد المَزيد وبجُوده ضَمِنت عيالَةُ الخلق ونُهج سَبيلُ الطلب للراغبين إليه.

وليس بما يُسأل أجودَ منه بما لا يُسأل وما اختلف عليه دَهْر فتختلفَ فيه حال ولو وَهَب ما انشقَّت عنه معادنُ الجبال وضَحِكت عنه أصدافُ البحار من فِلَذ اللَّجين وسبائك العِقْيان وشَذْر الدرّ وحَصيد المَرْجان لبعض عباده ما أَثر ذلك في مُلكه ولا في جُوده ولا أَنفد ذلك سَعَةَ ما عنده. فعندَه من الأفضال ما لا يُنْفِده مَطْلَب وسؤال ولا يَخْطِر لكم على بال لأنه الجوادُ الذي لا تَنْقصه المواهب ولا يُبرمه إلحاحُ الملحَين بالحوائج إنّما أمرُه إذا أراد شيئاً أن يقول له كُن فيكُون. فما ظَنًّكم بمَن هو هكذا ولا هكذا غيرُه سبحانَه وبحمده! أيها السائل اعقل ما سألَتني عنه ولا تسأَل أحداً بعدي فإني أكْفيك مؤونة الطٌلب وشِدّة التّعمق في المَذْهب. وكيف يُوصف الذي سألَتني عنه وهو الذي عَجزت عنه الملائكة علىِ قُربهم من كرسيّ كرامته وطُول وَلَهم إليه وتَعْظيمهم جلالَ عِزته وقُربهم من غيْب ملكوته أن يَعْلَموا من عِلْمه إلا ما علّمهم وهم من ملكوت العرش بحيثُ هم ومن مَعرفته على ما فَطرهم عليه فقالوا: سُبحانك لا عِلْم لنا إلا ما عَلمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

فمدح الله اعترافهم بالعَجْز عما لم يُحيطوا به عِلْماً وسَمّى تَرْكَهم التعمّق فيما لم يُكلفهم البحثَ عنه رُسوخاً. فاقتِصرْ على هذا ولا تَقْدِرُ عظمةَ الله على قَدْر عقلك فتكونَ من الهالكين.

واعلم أَنّ الله الذي لم يَحْدُث فيُمِكنَ فيه التغيّرُ والانتقال ولم يَتغيَّر في ذاته بمرور الأحوال ولم يَختلف عليه تعاقبُ الأيّام والليالي هو الذي خلق الخلقَ على غير مِثال أمتثله ولا مِقدار احتذى عليه مِن خالقِ كان قبلَه بلى أرَانا من مَلكوت قُدرته وعجائب ربُوبيّته مما نَطقت به آثار حِكْمتهَ واضطرارِ الحاجة من الخَلق إلى أن يُفَهِّمهم مَبلغ قوَّته ما دَلِّنا بقيام الحُجة له بذلك علينا على مَعْرفته.

ولم تُحِط به الصِّفات بإدراكها إيّاه بالحدُود مُتناهياً وما زال إذ هو الله الذي لسِر كمثله شيء عن صِفَة المَخلوقين مُتعالياً انحسرت العُيون عَن أن تَنالَه فيكونَ بالعِيان مَوْصوفاً وبالذات التي لا يَعْلمها إلّا هو عند خَلْقه مَعْروفاً. وفات لعلوّه عن الأشياء مواقِعَ وَهْم المُتوهِّمين وليسِ له مِثْل فيكونَ بالخلق مُشَبَّهاً وما زال عند أهل المَعرفة به عن الأشباه والأنداد منزَّهاً. وكيف يكون مَن لا يُقْدَر قَدْره مُقدَّراً في روايات الأوهام وقد ضَلّت في إدراك كيفيته حواسُّ الأنام لأنه أجلُّ من أن تَحُدَّه ألبابُ البَشر بنَظير. فسبحانه وتعالى عن جَهلِ المخلوقين وسُبحانه وتعالى عن إفك الجاهلين. ألَا وإن لله ملائِكةً صلى الله عليه وسلم لو أَنّ مَلَكاً هَبط منهم إلى الأرض لما وَسِعَتْه لِعظم خَلْقه وكَزْة أجنْحته ومن ملائكته مَن سَدّ الآفاق بجنَاح من أَجْنحته دون سائر بَدَنه ومنِ ملائكته مَن السمواتُ إلى حُجْزَته وسائرُ بدنه في جِرْم الهواء الأسفل والأرضون إلى رُكبته ومِن ملائكته مَن لو اجتمعت الإنسُ والجنّ على أن يَصِفوه ما وَصفوه لبُعدِ ما بين مَفاصِلِه ولحُسن تركيب صورته وكيف يُوصف مَنْ سَبْعُمائة عام مِقدار ما بين مَنْكِبيه إلى شَحْمة أُذنيه ومِن ملائكته مَن لو أُلقيت السُفن لا دموع عينيه لَجَرَت دَهْرَ الدَاهرين. فأين أين بأحدكم! وأين أين أن يدرِك ما لا يُدْرَك!

النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «العقد الفريد»