تجاوز إلى المحتوى

من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)

كتاب المجنبة الثانية في التوقيعات والفصول والصدور وأخبار الكتبة

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

قال أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه: قد مَضى قولنا في الخُطب وفضائلها وذِكْر طِوالها وقِصارها ومَقامات أَهْلها ونحن قائلون بعون الله وتَوفيقه في التَوقيعات والفُصَول والصُّدور وأَدَوات الكِتابة وأَخبار الكًتَاب وفَضْلِ الإيجاز إذ كان أشرفُ الكلام كُلَه حُسْناً وأَرفعُهقَدْراً وأَعظمُه مِن القلوب مَوْقعاً وأقلُه على اللسان عَملاً ما دَلّ بعضُه على كُلّه وكَفى قليلُه عن كَثيرة شَهِد ظاهرُه على باطنه وذلك أن تَقِلَّ حُروفه وتَكْثَر معانيه.

ومنه قولُهم: رُبّ إشارة أبلغُ من لَفظ.

ليس أَن الإشارة تُبيّنَ ما لا يُبينه الكلامُ وتَبْلغُ ما يَقْصُر عنه اللسان ولكنّها إذا قامت مَقام اللَّفظ وسَدّت مَسد الكلام كانت أبلغَ لقلّة مؤونتها وخِفّة محملها.

قال أَبرْويز لكاتبه: اجْمَع الكَثِيرَ ممّا تُريد من المعنى في القليل ممّا تقول.

يحُضُّه على الإيجاز ويَنهاه عن الإكثار في كًتبه.

أَلَا تَراهم كيف طَعنوا على الإسهاب والإكثار حتى كان بعضُ الصحابة يقول: أعوذ بالله من الإسهاب! قيل له: وما الإسهاب قال: المُسْهَب الذي يتخلل بلسانه تَخلّل الباقر ويَشول به شَوَلان الروْق.

وقال النبيّ صلى الله عليه وسلم ولم أجد أحداً من الألف يَذُم الإيجاز ويَقْدح فيهِ ويَعيبه ويَطْعن عليه. وتحب العربُ التخْفيف والحَذْف ولهَربها مات التثْقيل والتطويل كان قَصْرُ المَمْدود أحبَّ إليها من مدّ المَقْصور وتَسْكينُ المُتحرّك أخف عليها من تَحْريك الساكن لأنّ الحَركة عَمَل والسُّكون راحة.

وفي كلام العرب الاختصار والإطناب والاختصار عندهم أحمد في الجُملة وإن كان للإطناب مَوْضع لا يَصْلح إلا له.

وقد تُومِىء إلى الشيء فَتَستغني عن التَّفسير بالإيماءة كما قالوا: لمحةٌ دالّة.

كتب عمرو بنُ مَسْعدة إلى ضَمْرة الحَرُوريّ كتاباً فنظر فيه جعفر بن يحيى فَوقَّع في ظهره: إذا كان الإكثار أبلغَ كان الإيجاز مُقَصِّراً وإذا كان الإيجاز كافياً كان الإكثار عيَّاً.

وبَعث إلى مَروانَ بن محمد قائدٌ مِن قُوَاده بغلام أَسْود فأَمر عبدَ الحميد الكاتبَ أن يكتبَ إليه يَلْحاه وُيعنِّفه فكَتب وأَكثر فاستثقل ذلك مَروانُ وأَخذ الكتاب فوقّع في أسفله: أَمَا إنك لو عَلِمْت عدداً أقل من واحد ولوناً شرَّاً من أسود لبعثتَ به. وتكلّم ربيعةُ الرّأي فأَكْثر وأَعْجبه إكثارُه فالتفت إلى أعرابيّ إلى جنبه فقال له: ما تَعدّون البلاغة عندكم يا أعرابيّ قال له: حَذْف الكلام وإيجازالصواب.

قال: فما تَعدّون العِيّ قال: ما كُنتَ فيه منذُ اليوم.

فكأنما أَلقمه حَجراً.

في هذا الباب

النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «العقد الفريد»