تجاوز إلى المحتوى

من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)

سقيفة بني ساعدة

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أحمد بن الحارث عن أبي الحَسن عن أبي مَعشر عن المَقْبريّ: أن المهاجرين بينما هم في حُجرة رسول اللهّ صلى الله عليه وسلم وقد قَبضه اللهّ إليه إذ جاء مَعْن بن عديّ وعُويم ساعدة فقالا لأبي بكر: بابً فِتْنة إن يُغلقه اللهّ بك هذا سعدُ بن عُبادة والأنصار يُريدون أن يُبايعوه.

فَمضى أبو بكر وعمر وأبو عُبيدة حتى جاءوا سَقيفة بني ساعدة وسَعد على طِنّفس مُتكئاً على وِسادة وبه الحًمّى فقال له أبو بكر: ماذا ترى أبا ثابت قال: أنا رجلٌ منكم.

فقال حُباب بن المُنذر: منّا أمير ومنكم أمير فإنّ عمل المُهاجريّ في الأنصاري شيئاً ردّ عليه وإن عمل الأنصاريُّ في المهاجري شيئاً رد عليه وإن لم تَفعلوا فأنا جذيلها المُحكّك وعُذَيقها المُرجّب لَنُعيدنَّها جَذَعة.

قال عمر: فأردتُ أن أتكلم وكنتُ زَوّرت كلاماً في نفسي.

فقال أبو بكر: على رِسْلك يا عمر فما ترَك كلمةً كنتُ زوَّرتها في نَفسي إلا تكلّم بها وقال: نحن المهاجرون أول الناس إسلاماً وأكرمُهم أحساباً وأوسَطُهم داراً وأحسنُهم وُجوهاً وأمسُّهم برسول الله صلى الله عليه وسلم رَحِماً وأنتم إخوانُنا في الإسلام وشُركاؤنا في الدَين نَصرتم وواسيتم فجزاكم اللهّ خيراً فنحن الأمراء وأنتم الوزراء لا تَدين العربُ إلا لهذا الحيّ من قُريش فلا تَنْفَسوا على إخوانكم المهاجرين ما فضّلهم الله به فقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: الأئمة من قُريش.

وقد رضيت لكم أحدَ هذين الرجلين - يعنى عمرَ ابن الخطاب وأبا عُبيدة بن الجَراح - فقال عمر: يكون هذا وِأنتَ حيّ! ما كان أحد لِيُؤخّرك عن مَقامك الذي أقامك فيه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ثُم ضرب على يده فبايعه وبايعه الناس وازدحموا على أبي بكر.

فقالت الأنصار: قتلتم سعداً.

فقال عمر: اقتُلوه قَتله الله فإنه صاحبُ فتنة.

فبايع الناسُ أبا بكر وأتوا به المسجدَ يُبايعونه فسمع العبّاسُ وعليٌّ التَكبيرَ في المسجد ولم يَفرُغوا من غَسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليّ: ما هذا قال العّباس: ما رُئِي مثلُ هذا قطّ أما قلتُ لك!

ومن حديث النًعمان بن بَشير الأنصاري: لما ثَقل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم تكلّم الناس مَن يقوم بالأمر بعده فقال قوم: أبو بكر وقال قومٌ: أبي بن كعب.

قال النُّعمان بن بَشير: فأتيتُا أبيّا فقلت: يا أبيّ إن الناسَ قد ذكروا أنَ رسول صلى الله عليه وسلم يستخلف أبا بكر أو إياك فانطلق حتى نَنظر في هذا الأمر.

فقال: إنَّ عندي في هذا الأمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ما أنا بذاكره حتى يَقبِضه الله إليه ثم انطلق.

وخرجت معه حتى دخلنا على النبيّ صلى الله عليه وسلم بعد الصُّبح وهو يَحسو حَسْوا في قَصعة مَشْعوبة.

فلما فرغ أقبل على أبيّ فقال: هذا ما قلتُ لك.

قال: فأوص بنا.

فخرج يخطّ برجليه حتى صار على المِنبر ثم قال: يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تَزيدون وأصبحت الأنصارُ كما هي لا تزيد ألا وإن الناس يَكْثرون وتَقِلّ الأنصار حتى يكونوا كالمِلْح في الطعام فمن وَلى من أمرهم شيئاً فَلْيَقبَل من مُحسنهم ولْيعفُ عن مُسيئهم ثم دخل.

فلما توفي قيل لي: هاتيك الأنصارُ مع سعد بن عُبادة يقولون: نحن الأولى بالأمر والمهاجرون يقولون: لنا الأمر دونكم.

فأتيت أبيّا فقرعتُ بابه فخرج إليّ مُلتحفا فقلت: ألا أراك إلا قاعداً ببيتك مُغلقاً عليك بابَك وهؤلاء قومُك من بني ساعدة يُنازعون المُهاجرين فأخرج إلى قومك.

فخَرج فقال: إنكم والله ما أنتم من هذا الأمر في شيء إنه لهم دونكم يليها من المُهاجرين رجلان ثم يُقتل الثالث ويُنزع الأمرُ فيكون هاهنا وأشار إلى الشام وإن هذا الكلام لمبلول بريق رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أغلق بابَه ودخل.

ومن حديث حذيفة قال: كنَا جلوساً عند رسول اللهّ عظيم فقال: إني لا أدري ما بقائي فيكم فاقتدُوا بالذين من بَعدي وأشار إلى أبي بكر وعمر واهتدُوا بهَدْي عمار وما حَدّثكم ابن مسعود فصدقوه.

الذين تخلفوا عن بيعة أبي بكر - في والعباس والزبير وسعد بن عُبادة.

فأما عليّ والعباس والزبير فقعدوا في بيت فاطمة حتى بَعث إليهم أبو بكر عمرَ ابن الخطاب ليُخرِجهم من بيت فاطمة وقال له: إِن أبوا فقاتِلْهم.

فأقبل بقَبس من نار على أن يُضرم عليهم الدار فلقيته فاطمةُ فقالت: يا بن الخطاب أجئت لتُحرق دارنا قال: نعم أو تدخلوا فيما دخلتْ فيه الأمة.

فخرج علي حتى دخل على أبي بكر فبايعه فقال له أبو بكر: أكرهتَ إمارتي فقال: لا ولكني آليتُ أن لا أرتدي بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفظَ القرآن فعليه حَبست نفسي.

ومن حديث الزُّهري عن عُروة عن عائشة قالت: لم يُبايع عليٌ أبا بكر حتى ماتت فاطمة وذلك لستة أشهر من موت أبيها صلى الله عليه وسلم.

فأرسل علي إلى أبي بكر فأتاه في منزله فبايعه وقال: واللهّ ما نَفسنا عليك ما ساق الله إليك من فَضل وخَير ولكنّا كُنَا نرى أن لنا في هذا الأمر شيئاً فاستبددْتَ به دوننا وما نُنكر فضلك.

وأما سعدُ بن عبادة فإنه رحل إلى الشام.

أبو المنذر هشام بن محمد الكلبيّ قال: بث عمرُ رجلاً إلى الشام فقال: ادْعه إلى البَيعة واحمل له بكل ما قَدرت عليه فإن أيَ فاستعن الله عليه.

فقَدم الرجل الشام فلقيه بحُوران في حائطٍ فدَعاه إلى البيعة فقال: لا أبايع قُرشياً أبداً.

قال: فإني أقاتلك.

قال: وإن قاتلتَني!

قال: أفخارج أنت مما دخلتْ فيه الأمة قال: أمّا من البَيعة فأنا خارج.

فرَماه بسَهم فقتله.

ميمون بن مِهران عن أبيه قال: رُمي سعد بنُ عبادة في حمّام بالشام فقُتل.

سعيد بن أبي عَروبة عن ابن سيرين قال: رُمي سعد بن عُبادة بسهم فوُجد دفينا في جسده.

فمات فبكته الجنّ فقالت:

وقَتلنا سيّد الخَزْ رج سعدَ بن عُبادة ورَميناه بسهمي نِ فلم نُخْطِىء فُؤاده فضائل أبي بكر رضي الله عنه - محمد بن المَنكدر قال: نازع عمرَ أبا بكر فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: هل أنتم تاركوِني وصاحبي إنّ الله بَعثني بالهُدى ودين الحق إلى الناس كافّة فقالوا جميعاً: كذبت وقال أبو بكر: صدقتَ.

وهو صاحبُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وجليسه في الغار وأوّل من صلّى معه أمن به واتّبعه.

وقال عمر بن الخطّاب: أبو بكر سيّدنا وأعتق سيّدَنا. يريد بلالاً.

وكان بلال عبداً لأميّة بن خَلف فاشتراه أبو بكر وأَعتقه وكان من مُولَّدي مكّة أبوه رَباح وأمه حَمامة.

وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم: مَن أول من قام معك في هذا الأمر قال: حُرّ وعَبد.

يريد بالحُر أبا بكر وبالعَبد بلالاً.

وقال بعضُهم: عليّ وخبّاب.

أبو الحسن المدائني قال: دخل هارون الرشيدً مسجدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم فبعث إلى مالك بن أنس فقيه المدينة فأتاه وهو واقف بين قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم واْلمِنبر فلما قام بين يديه وسلّم عليه بالخلافة قال: يا مالك صف لي مكان أبي بكر وعُمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحياة الدنيا.

فقال: مكانُهما منه يا أمير المؤمنين كمكان قَبريهما من قبره.

فقال: شَفيتَني يا مالك: الشَّعبي عن أبي سَلمة: إنّ عليا سُئل عن أبي بكر وعمرِ فقال: على الخَبير سقطتَ كانا والله إمامَين صالحين مُصلحين خَرجا من الدنيا خميصِين.

وقال عليّ بن أبي طالب: سَبق رسولُ اللهّ صلى الله عليه وسلم وثَنّى أبو بكر وثَلّث عمر ثم خَبطتنا فتنةٌ عَمياء كما شاء الله.

وقالت عائشة: تُوفّي رسولُ الله عظيم بين سَحْري ونَحري فلو نَزل بالْجبال الراسيات ما نَزل بأبي لهدّها اشرأبّ النِّفاق وارتدت العرب فوالله ما اختلفوَا في لفظة إلا طار أبي بحظّها وغنائها في الإسلام.

عمرو بن عثمان عن أبيه عن عائشة أنه بلغها أن أُناساً يتناولون من أبيها فأرسلت إليهم فلما حضروا قالت: إنّ أبي والله لا تعطوه الأيدي طَوَد مًنيف وظل ممدود أنجح إذ أكديتم وسبق إذ ونيتم سَبْقَ الجواد إذا استولى على الأمد.

فتى قريش ناشئاً وكَهفها كهلا.

يَفك عانيها ويَريش مُملقها ويرأب صَدْعها ويَلُمّ شَعثها.

فما برحت شكيمتُه في ذات اللهّ تشتد حتى اتخذ بفنائه مسجداً يحيى فيه ما أمات المُبطلون.

وكان وقيد الجوامح عزير الدَّمعة شجّي النشيج.

وأصفقت إليه نسوان مكة وولدانها يَسخرون منه ويستهزئون به والله يستهزىء بهم وَيمُدّهم في طُغيانهم يَعمهوِن وأكبرت ذلك رجالات قريش فما فَلّوا له صفاة ولا قصفوا قناة حتى ضرب الحقُّ بجِرانه وألقىِ بَرْكه ورست أوتادُه.

فلما قَبض الله نبيَّه ضَرب الشيطانُ رُواقَه ومدّ طنبه ونصب حبائلَه وأجلب بخيله ورَجْله فقام الصدِّيق حاسراً مشمِّراً.

فردّ نَشر الإسلام على غره وأقام أَوَده بثِقافه فابذعرّ النِّفاق بوطئه وانتاش الناسَ بعَدْله حتى أراح الحق على أهله وحَقن الدماءَ في أهبها.

ثم أتته منيّته فسدّ ثُلمتَه نظيرُه في المَرحمة وشقيقُه في المَعدلة ذلك ابن الخطّاب.

للّه دَرّ أم حَفلت له ودَرّت عليه.

ففتح الفًتوح وشرد الشِّرْك وبَعَج الأرض فقاءت أُكًلَها ولفظت جَناها ترأمه ويأباها وتريده ويَصْدِف عنها ثم تَركها كما صَحبها.

فأَرُوني ما ترتابون وأيَّ يومي أبي تَنقمون أيوم إقامته إذ عدل فيكم أم يوم ظَعنه إِذ نَظر لكم أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم.

النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «العقد الفريد»