تجاوز إلى المحتوى

من «العقد الفريد» لابن عبد ربه الأندلسي (ت ٣٢٨هـ)

مقتل عبد الله بن الزبير

فيه بيت واحد

حدّد أي كلمة في النص لترى معناها في المعجم.

أبو عُبيد عن حجّاج عن أبي مَعْشر قال: لما بايع الناسُ عبدَ الملك بن مروان بعد قَتْل مُصعب بن الزبير ودخل الكوفة قال له الحجّاج: إني رأيتُ في المَنام كأني أسْلُخ ابنَ الزُّبير من رأسه إلى قَدميه.

فقال له عبدُ الملك: أنت له فاخرج إليه.

فخرج إليه الحجاج لا ألف وخمسمائة حتى نزل الطائفَ.

وجعل عبدً الملك يُرسل إليه الجيوش رَسَلا بعد رَسَل حتى تَوافي إليه الناسُ قدرَ ما يظن أنه يَقْوى على قتال ابن الزبيرِ وكان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين.

فسار الحجاجُ من الطائف حتى نزل مِنَى فحجَّ بالناس وابنُ الزبير مَحصور ثم نَصب الحجاجُ المجانيق على أبي قُبيس وعلى قُعيْقان ونواحي مكة كُلِّها يرمي أهلَ مكة بالحجارة.

فلما كانت الليلةُ التي قُتل يا صبيحتها ابنُ الزبير جمع ابنُ الزبير مَن كان معه من القرشيين فقال: ما ترون فقال رجل من بني مخزوم مِن آل بني ربيعة: والله لقد قاتلنا معك حتى لا نَجد مقيلًا ولئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت وإنما هي إحدى خَصْلتين: إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا وإما أن تأذن لنا فَنخرج.

فقالت ابن الزبير: لقد كنتُ عاهدتُ الله أن لا يبايعني أحدٌ فأُقيله بيعتَه إلا ابن صفوان.

فقال ابن صفوان: أما أنا فإني أقاتل معك حتى أموت بموتك وإنها لتأخذني الحَفيظة أن أسلمك في مثل هذه الحالة.

وقال له رجل آخر: اكتب إلي عبد الملك بن مروان.

فقال له: كيف أكتب: من عبد الله أمير المؤمنين إلى عبد الملك بن مروان فوالله لا يَقبل هذا أبداً أم أكتب: لعبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من عبد الله بن الزبير فوالله لأن تقع الخَضْراء على الغبراء أحبّ إليّ من ذلك.

فقال عُروة بن الزُّبير وهو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين قد جعل الله لك أُسوة.

قال: من هو قال: حسن بن عليّ خَلع نفسه وبايع مُعاوية.

فرِفع ابنُ الزبير رِجْلَه فضرب بها عُروة حتى ألقاه عن السرِير وقال: يا عروة قلبي إذاَ مثلُ قَلبك! والله لو قبلتُ ما تقولون ما عِشْت إلا قليلا وقد أخذت الدَنيَّة وإن ضربة بسيف في عِزّ خيرٌ من لَطْمَة في ذُلّ.

فلما أصبح دخل عليه بعضُ نسائه وهي أُم هاشم بنت منصور بن زياد الفَزارية فقال لها: اصنعي لنا طعاماً فصنعت له كبداً وسَناماً.

فأخذ منه لُقمة فلاكها ثم لفَظها ثم قال: اسقوني لَبناً.

فأُتي بلبن فشرب منه.

ثم قال: هَيِّئوا لي غُسلا فاغتسل ثم تحنط وتَطيَّب ثم نام نومة وخَرج ودَخل على أمه أسماء بنت أبي بكر ذات.

النِّطاقين وهي عمياء وقد بلغت مائة سنة فقال: يا أماه ما ترين قد خَذلني الناس وِخَذلني أهلُ بيتي فقالت: لا يلعبن بِك صِبيان بني أُمية عِشْ كريماً ومُت كريماً.

فخرج فأسند ظهرَه إلى الكعبة ومعه نفرٌ يسير فجعل يُقاتلهم ويَهْزِمهم وهو يقول: ويله! يا له فتْحا لو كان له رجال!

فناداه الحجاج: قد كان لك رجال فضيّعتَهم.

وجعل ينظر إلى أبواب المسجد والناس يَهْجُمون عليه فيقول: مَن هؤلاء فيقال له أهلُ مصر.

قال: قَتلة عثمان! فحمل عليهم وكان فيهم رجل من أهل الشام يقال له خَلبوب فقال لأهل الشام: أما تستطيعون إذا ولَّى ابنُ الزبير أن لأخذوه بأيديكم قالوا: وُيمكنك أنت أن تأخذَه بيدك قال نعم.

قالوا: فشأنَك.

فاقبل وهو يريد أن يَحتضنه وابنُ الزبير يَرتجز ويقول:

لو كان قِرْني واحداً كفيتُه فضربه ابنُ الزبير بالسيف فقطع يده.

فقال خَلبوب: حَس قال ابن الزبير: اصبر خَلبوب.

قال:

وجاءه حجر من حِجارة المَنجنيق فأصاب قَفاه فسقط.

فاقتحم أهلُ الشام عليه.

فما فهموا قتلَه حتى سمعوا جارية تَبكي وتقول: وا أمير المؤمنيناه! فحزّوا رأسه وذهبوا به إلى الحجّاج.

وقُتل معه عبد الله بن صَفوان وعُمارة بن حَزم وعبد الله بن مُطيع.

قال أبو معشر: وبعث الحجاجُ برؤوسهم إلى المدينة.

فنَصبوها للناس فجعلوا يُقرّبون رأسَ ابن صفوان إلى ابن الزبير كأنه يسارّه ويَلعبون بذلك.

ثم بعث برؤوسهم إلى عبد الملك بن مَروان.

فخرجت أسماء إلى الحجاج فقالت له: أتأذن لي أن أدفنه فقد قضيتَ أربك منه قال: لا.

ثم قال لها: ما ظنّك برجل قَتل عبدَ الله بن الزبير قالت: حَسِيبُه اللهّ.

فلما منعها أن تدفنه قالت: أما إنّي سمعتُ رسول الله يقول: يَخرج من ثقيف رجلاًن: الكذاب والمُبير فأما الكَذاب فالمُختار وأما المُبير فأنت.

فقال الحجاج: اللهم مُبيرٌ لا كذّاب.

ومن غير رواية أبي عُبيد قال:

لما نَصب الحجاج المجانيق لقتال عبد الله بن الزُبير أظلتهم سحابة فأرعدت وأبرقت وأرسلت الصواعق ففزع الناس وامسكوا عن القتال.

فقام فيهم الحجاجُ فقال: أيها الناس لا يهولنكم هذا فإني أنا الحجاج بن يوسف وقد أصحرتُ لربِّي فلو ركبنا عظيماً لحال بيننا وبينه.

ولكنها جبال تهامة لم تزل الصواعقُ تنزل بها.

ثم أمر بكُرسيّ فطُرح له ثم قال: يا أهل الشام قاتلوا على أعطيات أمير المؤمنين.

فكان أهلُ الشام إذا رَموا الكعبة يَرْتَجزون ويقولون هذا:

خَطّارة مثل الفَتِيق المُزْبِد يُرمى بها عُوّاذ أهل المَسجد ويقولون أيضاً: دِري عُقاب بلبن وأشخاب.

فلما رأى ذلك ابن الزُّبير خرج إليهم بسيفه فقاتلهم حيناً.

فناداه الحجِّاج: ويلك يا بن ذات النَطاقين! اقْبل الأمان وادْخل في طاعة أمير المؤمنين.

فدخل على أمه أسماء فقال لها: سمعتِ - رحمك الله - ما يقول القومُ وما يَدْعونني إليه من الأمان قالت: سمعتُهم لعنهم الله! فما أجهلهم وأعجب منهم إذ يُعيرُونك بذات النّطاقين! ولو علموا ذلك لكان ذلك أعظَم فَخرك عندهم.

قالت: وما ذاك يا أماه قالت: خرج رسولُ اللهّ صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره مع أبي بكر فهيأت لهما سُفرة فطلبا شيئاً يَرْبطانها بها فما وجداه فقطعتُ من مِئْزري لذلك ما احتاجا إليه فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم:

أمَا إن لك به نِطاقين في الجنَة.

فقال عبد الله: الحمد لله حمداً كثيرِاً فما تأمريني به فإنهم قد أعْطوني الأمان قالت: أرى أن تموت كريماً ولا تتَّبع فاسقاً لئيماً وأن يكون آخر نهارك أكرمَ من أوله.

فَقبَّل رأسها وودّعها وضمّته إلى نفسها.

ثم خرج من عندها فَصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنّ الموت قد تغشَاكم سحابُه وأحْدف بكم رَبابُه واجتمع بعد تَفرّق وارجحنّ بعد تَمشّق ورَجَس نحوكم رعدُه وهو مُفْرغ عليكم وَدْقه وقاد إليكم البلايا تَتْبعها المنايا فاجعلوا السيوفَ لها غرضاً واستعينوا عليها بِالصبر.

وتمثَّل بأبيات ثم اقتحم يُقاتل وهو يقول:

قد جَدّ أصحابُك ضرْبَ الأعْناقْوقامت الحربُ لها على ساقْ

ثم جعل يُقاتل وحده ولا يَهُدّه شيء كلما اجتمع عليه القومُ فرقهم وذادهم حتى أثخن بالجراحات ولم يستطع النُّهوض.

فدخل عليه الحجّاج فدعا بالنَطع فحزّ رأسه هو بنفسه في داخل مسجد الكعبة - لا رَحم الله الحجّاج - ثم بعث برأسه إلى عبد الملك بن مَروان وقَتَل من أصحابه مَن ظَفِر به.

ثم أقبل فاستأذن على أمه أسماء بنت أبي بكر ليعزّيها فأذنت له فقالت له: يا حجّاج قتلتَ عبد الله قال: يا ابنة أبي بكر إني لقاتلُ الملحدين.

قالت: بل أنت قاتل المُؤمنين الموحَدين.

قال لها: كيف رأيتِ ما صنعتُ بابنك قالت: رأيتك أفسدت عليه دنياه وأفسد عليك آخرتك ولا ضَير أنْ أكرمه الله على يَديك فقد أهدي رأس يحيى بن زكريا إلى بَغيّ من بغايا بني إسرائيل.

هشامُ بن عُروة عن أبيه قال: كان عُثمان استخلف عبد الله بن الزُّبير على الدار يوم الدار فبذلك ادّعى ابنُ الزبير الخلافَة.

محمد بن سعيد قال: لما نَصب الحجاج رايةَ الأمان وتصرّم الناسُ عن ابن الزبير قال لعبد الله بن صَفْوان: قد أقلتُك بيعتي وجعلتُك في سَعة فخُذ لنفسك أماناً.

فقال: مه والله ما أعطيتُك إياها حتى رأيتُك أهلاً لها وما رأيتُ أحداً أولى بها منك فلا تَضربُ هذه الصلعةَ فتيانُ بني أمية أبداً وأشار إلى رأسه.

قال: فحدثت سليمان بن عبد الملك حديثَه فقال: إني كنت لأراه أعرجَ جباناً.

فلما كانت الليلة التي قُتل في صباحها ابنُ الزُّبير أقبل عبدُ الله بن صفوان وقد دنا أهلُ الشام من المسجد فاستأذن.

فقالت الجاريةُ: هو نائم.

فقال: أو ليلةُ نوم هذه أيْقظيه فلم تَفعل.

فأقام ثم استأذن.

فقالت: هو نائم فانصرف.

ثم رجع آخرَ الليل وقد هجم القومُ على المَسجد.

فخرج إليه فقال: والله ما نِمْتُ منذُ عَقلت الصلاة نومي هذه الليلةَ وليلةَ الجمل ثم دعا بالسّواك فاستاك متمكَناً ثم توضَّأ متمكناً ولبس ثيابَه ثم قال: أنظرني حتى أودِّع أمَّ عبد الله فلم يَبقَ شيء وكان يكره أن يأتيَها فتعزمَ عليه أن يأخذ الأمان فدخل عليها وقد كُفّ بصرُها فسلّم فقالت: مَن هذا فقال: عبد الله فشمّته ثم قالت: يا بُني مُت كريماً.

فقال لها: إن هذا قد أمّنني - يعني الحجاج - قالت: يا بني لا تَرضَ الدنيَّة فإن الموت لا بُدّ منه.

قال: إني أخاف أن يُمثِّلِ بي.

قالت: إن الكَبْش إذا ذُبح لم يأمن السلخ.

قال: فخَرج فقاتل قتالاً شديداً.

فجعل يَهْزِمهم ثم يَرجع ويقول: يا له فتحاً لو كان له رجال! أو كان المُصعب أخي حَيًّاً! فلما حَضرت الصلاة صلّى صلاته ثم قال: أين باب أهل مصر حَنقاً لعثمان.

فقاتل حتى قتل وقُتل معه عبدُ اللهّ بن صفوان.

وأتي برأسه الحجاجُ وهو فاتح عَينيه وفاه فقال: هذا رجل لم يكن يعرف القَتل ولا ما يَصير إليه المقتول لذلك فتح عَينيه وفاه.

هشام بن عُروة عن أبيه: إن عبد اللهّ بن الزُّبير كان أولَ مولود وُلد في الإسلام فلما وُلد كبّر النبيُّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولما قُتل كبَر الحجاج ابن يوسف وأهلُ الشام معه.

فقال ابن عمر: ما هذا قالوا: كَبّر أهل الشام لقتل عبد الله بن الزُّبير.

قال: الذين كَبَروا لمولده خيرٌ من الذين كبَروا لقتله.

أيوب عن أبي قُلابة:

شهدتُ ابنةَ أبي بكر غَسّلت ابنها ابنَ الزُّبير بعد شهر وقد تقطعت أوصاله وذُهب برأسه وكَفّنته وصلّت عليه.

هشام بن عُروة قال: عبدُ الله بن عبَّاس للجائز به: جَنِّبني خَشبة ابن الزُّبير.

فلم يَشعر ليلة حتى عَثر فيها فقال: ما هذا فقال: خَشبة ابن الزبير.

فوقف ودعا له وقال: لئن عَلتْك رجلاك لطالما وقفتَ عليهما في صَلاتك.

ثم قال لأصحابه: أما والله ما عرفتهُ إلا صَوّاماً قَوّاماً ولكنني ما زلتُ أخاف عليه منذ رأيتهُ أن تُعجبه بَغلاتُ معاوية الشُهب.

قال: وكان معاوية قد حَجّ فدخل المدينة وخلفه خمسَ عشرةَ بغلة شهباء عليها رحائل الأرجوان فيها الجواري عليهن الجَلابيبُ والمُعَصفرات ففُتن الناس.

النص من «العقد الفريد» كما نسخه متطوعو ويكي مصدر، برخصة المشاع الإبداعي (نسب المصنف، الترخيص بالمثل ٤٫٠). الرخصة · مصادر الموقع

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.

فهرس «العقد الفريد»