من «التمام في تفسير أشعار هذيل» لابن جني (ت ٣٩٢هـ)
شعر مليح بن الحكم
قال:
تشوقت اثر الظاعن المتفرق
فيها:
إذا هن ظاهرن اللجين صدعنهبسر الشبا يخرقنه كل مخرق
لام (الشبا) واو وهو الحدة لقولهم في جمعه: شبوات، ومنه شبوة العقرب لحدتها.
وفيها:
يجللها الأحمال عبد كأنماجلين بماء المذهب المترقرق
ينبغي أن يكون (المذهب) هنا مصدرًا كقولك بماء الأذهاب كما قال محمد بن يزيد في قولهم: حروف المعجم، إن المعجم هنا الإعام، وقرأ بعضهم فيما حكاه أبو الحسن: "ومن يهن الله فما له من مُكْرم" أي: من اكرام، هذا هو الوجه. وقد يجوز أن يكون (المذهب) هنا اسم المفعول كأنه قالأ: بماء الشيء الذي يذهب وماء الذي يذهب هو ماء الذهب، ويجوز أن يكون اراد بماء الجوهر المذهب به ثم حذف حرف الجر فأرتفع الضمير لقيامه مقام الفاعل فلما ارتفع استتر في اسم المفعول على ما تقدم من قوله:
[كأن ثبيرا في عرانين وبله]كبير أناس في بجاد مزمل
أي: مزمل فيه، والجوهر المذهب به هو الذهب فكأنه قال: جلين بماء الذهب ففي (المذهب) على هذا القول والقول الذي قبله ضمير مرفوع، فأما وهو مصدر في القول الأول فلا ضمير فيه لأنه ليس بصفة لأنه ليس باسم مفعول.
وفيها:
أصول الغضا لم نصح حتى تعوددتبه من أجيج الواهج المتودق
لام (الغضا) ياء لقولهم فيه: الغضياء كالطرفاء والقصباء، جاء ذلك في شعر الطرماح، قالأ:
[غضي عن الفحشاء يقصر طرفهوإن هو لاقي غارة لم يهلل]
وفيها: لتلتمس عينًا سوى عينك التيوهبت بجاري دمعك المترقرق
قال: ويروى (ذهبت)، أما من روى (وهبت) فإنه يحتمل أمرين، أحدهما: أن يريد التي وهبتها فحذف العائد تخفيفًا، والآخر: أن تكون الباء زائدة كأنه قال: التي وهبت جاري دمعها، وأما من قال: (ذهبت) فإنه يحتمل أمرين أيضا، أحدهما: ذهبت بها بجاري دمعها كما تقول ذهبت بمالك بالاتفاق، وحذفت (بها) كقول سيبويه في قول الله تعالى: " واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا"، أي: فيه، فحذفه. ويجوز أن يكون حذف الباء فبقي (ذهبتها) ثم حذف الضمير في الصفة
ويكون الجاري على هذا مصدرا كالباطل والفالج أي بجريان دمعها، والآخر: أن يكون على ظاهره.
وفيها فإن تنجلي بالود عني وتبخليبوصلك أو تدلي بأشعث مخلق
يحتمل هذا قولين، أحدهما: حذف المفعول كأنه قال: فإن تصرفي الود، وحسن له أيضا زيادة الباء أن معناه: فإن تنصرفي بالود، فهو إذن من قول الله سبحانه: " الرفث إلى نسائكم"، وقد ذكرت أشباهه،
فإني كما قد تعلمين ابن حرةلقرم هجان وابن آل محرقِ
يحتمل: (كما قد تعلمين) أمرين، أحدهما: أن يكون اعتراضا بين اسم (أن) وخبرها أي فإني ابن حرة وقد تقدم ذكر هذا الاعتراض، والآخر: أن يكون خبر (أن) وابن حرة خبرا آخر كقولنا: (هذا حلو حامض)، وإذا كانت (كما قد تعلمين) اعتراضا كانت الكاف خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كما تعلمين وحذف المبتدأ.
ونحن قتلنا مقبلا غير مدبرتأبط ما تزهق بنا الحرب تزهق
هذا يدل على جواز تقديم حال المظهر، أراد: قتلنا تأبط مقبلا، فقدم، ومثله ضربت جالسة هندا، وقد قدمنا نظيره، وأراد (تأبط شرا) فحذف المفعول للعلم به. ولذا جاز هذا مع ياءي الإضافة إليه تأبطي وفي برق نحره: برقي، ينسب إلى الصدر ويترك العجز فضلة كان، أو أحد ركني الجملة.
صبحناهم والشمس خضراء غضةبذات الغضى حد السنان المخرق
لام (الغضى) ياء لجواز امالتها ولأنها لام مجهولة، وقد تقدم قانون هذا.
وفيها:
ضربنا بهن الهام من كل جائزعن الدين أو من تائه متبطرق
قال: (متبطرق) متكبر، هذا يؤكد عندك صرف ما كان من الأعجمي تدخله الألف واللام واجراه لذلك مجرى أصول كلام العرب لدخول اللام عليه، وذلك نحو رجل سميته نيروزا ولجاما، ألا تراهما لدخول اللام عليهما في النيروز واللجام جاريين مجرى القيصوم والكتاب، ووجه الدلالة أنه أشتق من البطريق (تفعلل) فقال: تبطرق فهو متبطرق، فجرى مجرى تدحرج فهو متدحرج، فالاشتقاق منه يحلقه بأصول كلام العرب التي هي مصادر. قال أبو علي ومنه قول رؤبة:
هل ينجيني حلف سختيتأو فضة أو ذهب كبريت
قال: فسختيت من سخت كزحليل من زحل، وإذا جاز أن يشتق من اعلام كلام العجم على بعدها عن أصول كلام العرب كان الاشتقاق من أجناسها المشابهة لاجناس كلام العرب أجوز وذلك قولهم: قد تفر عن الرجل، إذا طغى وعلا أمره، فهذا من فرعون، وفرعون علم، فسختيت من سخت، ومتبطرق من بطريق لجواز السخت، والبطريق أولى بالجواز. وفيها:
بضرب يزيل الهمام شدة وقعهبكل حسام في صبي ورونق
قال: (صبيه) فوق ظبته، لا يجوز أن تكون الباء في (بكل) من صلة الضرب حتى يصير تقديره بضرب بكل حسام، وذلك أن قوله: (يزيل الهام شدة وقعه) صفة لضرب، والصفة إذا جرت على الموصوف آذنت بتمام الاسم وانقضائه، ألا ترى أنه لا يجوز: (عجبت من ضربك الشديد عمرا الضعيف) ـ، ولكن يجوز أن تكون الباء في قوله: (بكل) صفة أخرى لـ (ضرب) فتكون حينئذ متعلقة بمحذوف وفيها ضمير الموصوف كأنه قال: (بضرب كائن بكل حسام) وما يكون من صلة المصدر في حال قد يكون خبرا عنه وصفة له، ألا ترى إلى قولك: عجبت من اياب زيد إليك، فـ (إليك) متعلقة بنفس المصدر وقد قال الله سبحانه: " إن إلينا إيابهم "، فجعل (إلينا) خبرا عن المصدر ويجوز أيضا أن تكون الباء، في (بكل حسام) متعلقة بفعل محذوف دل عليه قوله (بضرب) أي: ضربناكم بكل حسام، وقد تقدم نظير هذا. أما لام (صبي السيف) فينبغي أن تكون واوا لأنه طرفه وكأنه صغير بالإضافة إلى جملة السيف كصغر الابن من الأب، أو لأنه طرفه والانسان كالطرف لأبيه وكل واحد
منهما طرف لصاحبه أي ناحية له وقتر، قال:
فكيف باطرافي إذا ما شتمتنيوما بعد شتم الوالدين صلوح
وقد قالوا: صبوت إليه، أي ملت إليه، والشيء إنما يميل إلى الشيء بأطرافه وجهاته فتكون اطرافه أقرب إلى الميل إليه من زبرته ومعظمه.
وقد علمت ذاك القبائل كلهاومن قد فككنا من أسير ومطلق
أي: ممن كان أسيرًا، وهو الان مطلق عنه بفكنا إياه، فحكى حال الأسر في حال الفك كما يحكي حال الموت في حال الحياة في نحو قوله:
إذا ما مات ميت تميم
ونحو ذلك فاعرفه، وقد تقدم ذكره.
وإن أفتخر ابلغ مدى المجد كلهوإن اقتصر أبلغ سناء وأصدق
لام (السناء) واو لأنه الشرف، وقالوا: سنايسنو، إذا استقى كأنه رفع الماء من البئر ونحوها، وروينا عن قطرب: سنى في المجد يسنى سناء، وسنا يسنو سناء أيضًا، وهذا قاطع.
وفيها: وداوية ملساء تمسي سباعهابها مثل عواد السقيم المغفق
يجوز أن يكون من (الدو) فاعلة ثم نسب إليها فحذف لامها كقولك في ناجية: ناجي، وقال الفراء: أصلها دوية، فأبدل الواو الأولى الفا، يريد نحو يا جل ويا حل، ويجوز فيها عندي وجه ثالث، وهو أن يكون بني منها (فعلية) إلا أنه، أعل العين وصحح اللام كـ (غاية) و (طاية) و (ثاية)، ومثلها في المثال العارية، إلا أن لام هذه صحيحة فأعلت عينها.
وفيها: بعنس تبيت العيس ترتع تحتهاخبيا يبلى كل سفعاء سيلق
قال: (سيلق) حديدة، ينبغي أن تكون من قول الله: سلقوكم بألسنة حداد. وقول الشاعر:
إن تحت الأحجار حزما وجوداوخصيما ألد ذا مسلاق
وهذا يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون ذا صوت مسلاق أي صلب شديد، والآخر: أن يكون اراد: وخصيما ألد مسلاقا، فجاء بذا على ما يقوله في اضافة المسمى إلى اسمه، وقد تقدم نحوه في قوله:
[فكأنها بالجزع بين نبايع]وآلات ذي العرجاء نهب مجمع
وقال مليح أيضا من قصيدة:
يظفن بعوهج غيداء مثل الـغمامة برقها عمل منير
قال: اجتمعت العين والهاء غير مفصولة منها ومفصولة، فغير المفصولة، نحو: عهر وعهار، ومفصولة نحو: عوهج وعمه، فإن تقدمت الهاء على العين لم يكن من الفصل بد وذلك نحو: الهراع وهيع وهجع.
وفيها:
جوافل في السراب كما استقلتفلوك البحر زال بها الشرير
قال: (الشرير) شجر البحر، جمع (الفلك) على فلوك، كـ (برج) وبروج، وينبغي أن يكون ذلك المجموع هو الواحد من قول الله سبحانه: في الفلك المشحون، لا الجميع في قول الله تعالى: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم. وذلك أن سيبويه قال: لا يكسر التكسير إلا عن تقدم سماع.
فتضجع تارة وتقيم أخرىبهن طوالب القصد الصدور
يرتفع (الصدور) بـ (طوالب) كما تقول: (مررت برجال طوالب زيدا نساؤهم)، وإن شئت رفعت (الصدور) بالقصد كقولك: (حب القيام زيد) أي: إن يقوم زيد، فتعمل المصدر، وفيه اللام كقوله (عن الضرب مسمعا)، فيصير تقديره: (طوالب إن تقصد الصدور).
وقال مليح أيضا من قصيدة أولها:
بأن الخليط الذي ما دونه أحدعندي ولو لم يكن يدري بما أجِدُ
قال: أي ليس عندي أحد يعدله، واراد: وإن كان هو لا يدري بما أجد، لا يجوز أن يكون (عندي) صفة لـ (أحد)، لأن المعنى أنه ما عندي أحد أقرب إلي منه، وقد يجوز على هذا أن يكون دونه هو المستقر، و (عندي) فضلة فارغة متعلقة بدونه وهو ذو الضمير، ويجوز فيه عكس هذا، وهو أن يكون (عندي) هو المستقر وفيه الضمير و (دونه) فضلة فارغة معلقة بـ (عندي)، وقد يجوز أن يكونا خبرين كـ (حلو حامض) من قولك: (هذا حلو حامض)، فإذا كان ذلك كذلك ففي كل واحد منهما ضمير إلا أن الضمير الذي يتقاضها المبتدأ من خبره إذا كان حاملا لضميره إنما هو في مجموع الظرفين لا في إحدهما لأنه ليس إحدهما هو الخبر دون صاحبه فيعود الضمير منه لنفسه على مبتدأه، وقد يجوز أن يكون دونه حالا لـ (أحد)، وأصله أن يكون صفة لـ (أحد) مؤخرًا عنه، فلما قدم عليه نصب على الحال منه كقوله:
أبنت فما تنفك حول متالعلها مثل آثار المبقر ملعب
ومن رفع بالظرف لم يكن فيه ضمير لرفعه الظاهر إلا أنه لا يجوز أن يكون الرافع للنكرة إلا الظرف الأول لأن ما ارتفع بالظرف كالفاعل.
سدسا وبزلا إذا ما قام راحلهاتحصنت بشبا اطرافه غرد
صريف الفحل لقطمه، وحد (غرد) وإن كان خبرًا عن الأطراف
حملاً على المعنى لأنه كأنه قال: كل طرف منها غرد، ومثله ما أنشده أبو الحسن:
[وجفنة كنضيح البئر متأقة]ترى جوانبها بالشحم مفتوقا
أي: كل جانب منها، ومثله ما حكاه أبو زيد من قولهم: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة وأعطانا كلنا مائة، أي: كسا كل واحد منا حلة واعطى كل واحد منا مائة، عليه قول الله سبحانه: " فاجلدوهم ثمانين جلدة" أي: اجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة اعتبارًا بقوله جل وعز: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة".
قال
يا ابن التي حد ثناها باع
أي: كل واحدة منهما باع، وعليه عندي قوله تعالى: أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر. أي: أو لم نعمر كل واحد منكم ما يتذكر فيه من تذكر.
وفيها:
فالعين تحمل أشواقًا مضاعفةوالعين تكحل فيها الصاب والرمد
ينبغي أن تكون عين (الصاب) واو حملا على الأكثر، وقد مضى ذكرها.
كدلج الشرب المجتار زينهحمل عثاكيل فهو الواثن الركد
قال: (المجتار) المتجاور، بعضه قريب من بعض، أخرج هذا على موجب قياسه ولم يصحح هنا كما صحح في أكثر الأمر، وأجرى في الاعلال مجرى (اعتاد) و (اقتاد)، وقد تقدم القول على بابه.
وفيها: كأنها يوم تثنينا تحيتهاغمامة من سماك صوبه قرد
ذكر (السماك) وأخرجه مخرج واحد من جماعة كل واحد منها سماك، وهو نحو قولهم: (أما البصرة فلا بصرة لك) فإن قلت: فهناك سماكان، فمن هنا جازت الإشاعة قيل: هو وإن كان كذلك فإن النوء إنما هو لاحدهما وهو السماك الأعزال والرائح لا نوء له، وفيه أكثر من هذا.
تثني لنا جيد مكحول مدامعهالها بنعمان أو فيض الشرى ولد
قال: (الشرى) ما كان حول الحرم، ينبغي أن تكون لام (الشرى) ياء لأنها مجهولة، فالياء أغلب من الواو على اللام، وكذا رأيته في الخط العتيق مكتوبا بالياء، وإن كانوا قد كتبوا (القرا) للظهر بالياء وهو من الواو وكذا (مازكا) كتبوه بالياء.
وفيها:
وحب ليلى ولا تخشى محونتهصدع بنفسك مما ليس ينتقد
قال: (محونته) عاره أو تباعته، يمكن أن يكون (محونة): (فعولة) من المحنة لأن العار من أشد المحن وأغلظها، ويجوز أن تكون (مفعلة) من (الحين) على قول أبي الحسن في (مضوفة) و (مبوعة)، وذلك أن
العار كالقتل أو أشدـ، فإن كسرت على القول الأول همزت فقلت: محائن كعجائز، وعلى الثاني لا تهمز كمعايش.
وفيها:
سعلاة ظلماء حرف لا تورعهاخشاشة مثل حجل الساق والمسد
عطف المعرفة على النكرة، والعطف نظير التثنية وأنت لا تجمع في التثنية بين المعرفة والنكرة، وفرق، بينهما الذي جاز هذا لأجله أن العطف يتباين وفيه الاسمان، ويمتاز أحدهما من صاحبه، والتثنية يصاغ لها فلا يكونان إلا من لفظ واحد، وأما قوله (لنا قمراها) و (وجزاني الزهدمان) و (سيرة العمرين)، فإنك لم تجمعها إلا بعدأن سميت كل واحد منهما باسم صاحبه فصارا كأنهما قمر وقمر، وعمر وعمر، وزهدم وزهدم، لولا ذاك لم يصغ من اسمين مختلفين اسم واحد من لفظ واحد، ألا ترى أنك لما لم ترد هذا وعمدت إلى صياغة اسم واحد من اسمين البتة ضممت بعض حروف احدهما إلى بعض حروف صاحبه فقلت: عبقسي وعبدري وعبشمية ومرقسي، ومما جاء من عطف المعرفة على النكرة قوله:
[أرمي عليها وهي فرع أجمع]وهي ثلاث أذرع والأصبع
إلا أن النكرة التي هي خشاشة موصوفة فهي أقرب من المعرفة.
مهشة لدليج الليل صادقةوقع الهجير إذا ما شحشح الصرد
شحشح: صاح، لك في نصب (وقع الهجير) مذهبان، إن شئت على أنه مفعول صادقة كقولك: (صدقت القتال) أي بالغت فيه ووفيته ما يجب له، فإن شئت على أنه تمييز مشبه بالمفعول كقوله
أجب الظهر والشعر الرقابا
وقوله، أنشدنا أبو علي:
لقد علم الايقاظ أخفيه الكرىتزججها من حالك واكتحالها
لا تستزاد ولا تثني براكبهاإذا تفاضلت العيدية النجد
قالوا: النجود الماضية، ولا تثني براكبها أي: لا تؤخره حتى ينثوي عليه، والعيدية: الإبل منسوبة إلى عيدان بن مهرة. ينبغي على هذا القول أن يكون العيدية مما غيرته ياء الإضافة كقولهم في أمس: أمسي، وفي الدهر: دهري، وفي الحمض: ابل حمضية، وفي الرمل: رملية، ونظائره كثيرة. وأما (عيدان) فينبغي أن يكون من نخلة عيدانة إن ينصرف لأن النون أصلية لأنه من (عدن بالمكان) أي أقام به، وذلك لطول لبث النخل، وإن كان (عيدان) كرحيان إذا جعلته (فيعلان) مخففا فإنه لا ينصرف.
وقال:
وإن رددوا فيها النسوع تباعدتبها صعداوي كل أحمر بازل
أي: تباعدت اجوافها بالنسوع قبل تنفس صعداوي، وكل جمل بازل، وصعداواه تناهى ما بين نفسيه، فـ (صعداوى) على هذا التفصيل منصوب على الظرف من المكان.
فلما دنت ملأرض حتى تقربتإليها وحتى طبقت بالكلاكل
وقاموا إليها بالولايا فشمرتبها قردات التي شم الكواهل
قال: أراد فما دنت، قال: ومعناه تقربت الأرض إليها لسعة اجوافها وعظم بطونها، هذا الذي ادعى السكري فيه أن (لما) بمعنى (ما) شيء لم يعلمه أتي في نثر ولا نظم ولا المعنى أيضا عليه، ألا ترى أنه لم يرد أنها لم تدن من الأرض حتى كذا، والمعنى أنها لما دنت من الأرض وتقربت وألزقت أجوافها بها كان كذا، ولكن النظر في جواب (لما) أين هو؟ فأما على مذهبنا فإنه على حذف الجواب للعلم به كما قدمنا القول فيه من قوله جل وعز: " فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه"، وأما على قول البغداديين فإنه يجيء على زيادة الواو كأنه قال: قاموا إليها بالولايا، وقال: يجيء على قولينا جميعا أن تكون الفاء زائدة كأنه قال: شمرت لأننا نحن نرى زيادة الفاء كما يرونه هم.
وفيها:
نقية بن المحجرين كأنماكست مذهبا مجرى الدموع الهوامل
(مذهب) هنا مصدر كالمنزل والمدخل والمخرج، وقد يجوز أن يكون على حذف المضاف أي: ماء مذهب، وماء المذهب هو ماء الذهب فكأنه قألأ: كست ماء الذهب، وقد سبق القول على مثله.
فلما اصطففن السير والتف كورهاعليها كما التفت غروس الجداول
أراد: اصطففن في السير، فحذف في نصبه تشبيها بالظرف كقول الهذلي:
باسرع الشد مني يوم لانية [لما عرفتهم واهتزت اللمم]
أي في الشد، وإن شئت كان تقديره أصطففن للسير فلما حذف اللام نصبه لأنه مفعول له كبيت الكتاب.
[ويركب كل عاقر جمهورمخافة وزعل المحبور]
والهول من تهول الهبور
وكقول مزاحم:
لك الخير إن زمعت صرمي وأصبحتقوي الحبل بترا جذها الصرم جاذم
أي: جذها للصرم.
وقال أيضا من قصيدة.
إلى أن رأيناها كأن سحابهاوقد نضبت فيه ملاء مضرج
همزة (ملاء) عندنا بدل من واو وهي من الملوين وهما الليل والنهار، والتقاؤهما أن السعة تجمعهما، فأما قول الهزلي:
كأن ملاءتي على هزفيعن مع العشية للرئال
فإنه إنما بني الواحد على الجماعة وهو الملاء فلذلك همز كما بني العظاءة والعباءة على العظاء والعباء، وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال: يقال ملاوة من الدهر، وملاوة وملاوة ومدوة وملوة ومَلوة، وذلك كله لما اتسع من الزمان ومنه قولهم: (مضى ملي من الليل) فلامه كما ترى واو فهي كعلى وقصى ودعى، فإن قلت: فإن ما يثن واحده على جمعه من هذا النحو تأتي فيه الصحة والهمزة جميعا نحو: عظاءة وعظاية وصلاءة وصلاية، ولم نسمعهم قالوا في ملاءة: ملاوة، يعني الثوب، قيل قد يلزم بعض هذا الفرعية والبدل البتة، ألا تراهم قالوا: ألاءة وهمزها بدل من ياء، وإن كان مذهب صاحب الكتاب أنها همزة أصلية، ويدل على أنها بدل من ياء ما رويناه عن ابن الاعرابي من قولهم: سقاء مألي إذا دبغ بالألاءة، لا يحسن حمل مألى على البدل لأنهم لم نسمعهم قالوا قط: (مألو)، ولأن كون اللام هنا غير همزة أجدر لأمرين، أحدهما: قلة باب سلس، وقلق، والآخر: تكرير الهمزة في المواضع التي تضيق فيها الحروف الصحاح.
وذهب أبو بكر إلى أباية، ولا ألاية، فرب فرع لزم فلم يستعمل أصله. وفيها:
ليوردها الماء الذي نشطت لهومن دونه أثباج فلج فتوج
إن كان (توج) اعجميا لم يتجه تصريفه إلا على أنه لو كان عربيا لوجب فيه كذا وإن كان عربيا احتمل أمرين: أحدهما: (فوعل)، والآخر: (فعول) وكلاهما من لفظ (التاج)، ولا يحسن حمله على (فعل) لأن هذا مثال يخص الفعل فأما (عثر) و (بذر) فمنقولان وهما علمان وكذلك (خضم) لا كله، وأما (شلم) لبيت المقدس فأعجمي وكذلك (بقم)، فأما قول العجاج:
بجوف بصري أو بجوف توجا
فلا يدل على أنه (فعل) لأنه إن ان أعجميا ففيه العجمة، والتعريف وإن كان عربيا فقد يكون فيه التعريف والتأنيث.
وفيها:
به من هواك اليوم قد تعلمينهجوى مثل موم الربع يبهي ويبهج
يجوز أن تكون الهاء في (تعلمينه) ضمير (جوى) لا على أن تكون (تعلمينه) صفة تجري، لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف ولكنه يكون اعتراضا ولا موضع له، ويجوز أن يكون له موضع على أن يكون حالا
من (جوى) لأنه وصف نكرة قدم عليها و (علمت) ها هنا بمعنى (عرفت) للاقتصار به على مفعول واحد، ويجوز أن يكون الهاء ضمير المصدر كقراءة ابن عامر: فبهداهم اقتده، أي: اقتد الاقتداء. وعين (الموم) واو على ظاهره، وقد يجوز على قول أبي الحسن إن يكون (فعلا) من لفظ الميم لقولهم: (ميمت ميما)، وعلى أنهم قد قالوا: رجل مموم من الموم وهو الجدري والبلسام جيمعا، وهذا يقطع بالواو ولا يلتفت إلى قولهم:
[وتأوي إلى زغب مراضيع دونها]فلا، لاتخطاه الرقاب مهوب
وإلى ما حكاه الفراء من قولهم: رجل مسور من السير لقلة ذلك.
وفيها:
تصدت بسهل المدمعين يزينهعذاب اللمى كالاقحوان مفلج
ذهب بجمع (العذاب) إلى الأسنان ووحد (مفلج) لأنه أراد الفم والثغر، وقد تقدمت شواهد نحو هذا.
فقالت: ألا قد طال ما قد غررتنابخدع، وهذا منك حب مزلج
ليس في كلام العرب (فعل- يفعَل فعْلا) إلا أربعة أحرف:
(سحر = يسحر سحرا) و (خدع- يخدع خدعا) و (صرع- يصرع صرعا) حكاها أبو زيد بكسر الفاء منهما والرابع (فعل – يفعل فعلا) هذا المثال.
وفيها:
إذا استحلقت ماطورة يستهلهامحال كدكان الضفيرة مدمج
قال: (الضفيرة) حجارة تجع من قبل الماء، إن أخذت دكانا من الدكة فهو (فعلان)، وإن أخذته من دمنت الدكان تدكينا فهو (فعال) حكاها محمد بن الحسن عن الأشنانداني.
وقال أيضا:
وخفوا فأما الجامل الجون فاسترىبليل، وأما الحي يعد فأصبحوا
(استرى): افتعل، من سرى يسري، وقلما يبنى (افتعل) حتى يكون الثلاثي منه متعديا نحو: قطع وأقتطع، وشوى واشتوى، وعلاه واعتلاه، وقد مر بي نحو هذا مما ثلاثيه غير متعد وهو قوله أنشدناه أبو علي:
حتى إذا اشتاك سهيل في السحركشعلة القابس يرمي بالشرر
و (شاك) غير متعد، وقال الآخر:
[بدا منك غش طالما قد كتمته] كما اكتتمت داء ابنها أم مدو
وهذا لا ثلاثي له متعديا إنما هو مفتعل في الدنواية، ومنه (دنا) و (ادنا) و (سما) و (استما)، وقد مرت بي من نحو هذا أحرف صالحة. وأما (بعد) من قوله: (وأما الحي بعد فأصبحوا) فمتعلقة بقوله
(أصبحوا)، فإن قلت: فكيف يتقدم ما بعد الفاء وهي جواب عليها وأنت لا تجيز: (إن تأتني زيدًا فاضرب)، قيل: هذا مع (أما) جائز وذلك إن تقدير نظم الكلام معها مخالف لظاهره، ألا ترى إلى قوله الله سبحانه: (فأما اليتيم فلا تقهر)، وذلك أن معناه: مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم، فهو كلام محمول على باطن معناه دون ظاهر لفظه، والكلام في (أما) هذه، وما يتصل بها طويل دقيق.
وفيها:
فما كان عن يومين حتى تصدعوالبين كما انشق الرداء المصيح
يجوز أن يكون (عن) زائدة حتى كأنه قال: فما كان يومان أي قلم يمض يومان حتى تصدعوا، وقد جاءت زيادة (عن) قال:
أتدفع عن نفس أتاها حملهافهلا التي عن بين جنبيك تدفع
إلا أنه وإن كان زاد (عن) فقد حذف أخرى قبلها ونحوه بيت الكتاب
إن الكريم وأبيك يعتملإن لم يجد يوما عى من يتكل
زاد (على) وحذف (على) أي: لم يجد يوما من يتكل عليه، وعلى كال حال فقد زيدت في الموضعين (عن) و (على) جميعا، فقد يجوز أن تكون (عن) غير زائدة في البيت، ولكن على أن يكون اسم (كان) مضمرًا فيها فكأنه قال: فما كان ما نحن فيه عن مضى يومين أي بعد مضي يومين حتى كان كذا وكذا، فيكون (عن) بمعنى (بعد) كقول الله جل وعز: " لتركبن طبقا عن طبق".
وفيها:
وهن مناخات بأجرع تغتدىبأيد لها فيهن للسدو مطرح
لم يصرف (أجرع) وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء بتكسيره على الأجارع دون الجرع، ففي هذا شاهد لامتناع سيبويه من صرف (احمر) إذا سمى به ثم اشاعه ونكره.
وفيها:
قصمن الحجول الغامضات باسؤقخراعب حتى تبرها يتضبح
قال: التبر ما لم يدخل النار، فإذا ادخل النار فهو الذهب والابريز والعقيان. قد كنت عملت قديما مسألة في أسماء الذهب والفضة، ونحن نقول هنا ما يقرب، أما التبر فإنه (فِعْل) من التبار، وهو الهلاك من قوله سبحانه: " وليتبروا ما علوا تتبيرا "، وذلك أنه قبل أن يدخل النار ويصفي من تراب معدنه فهو ضائع مستهلك، وأما، ابريز فـ (افعيل) من (برز - يبرز) كأنه ابرز من خبثه وترابه وأما (العقيان) فـ (فعلان) من (عقى - يعقي) والعقي وهو ما يخرج من بطن المولود قبل أن يأكل الطعام، وقد قالوا للنجو: البراز، فـ (ابريز): (افعيل) من هذا اللفظ، والمعنى، وأما الذهب فكأنه أذهب عنه خبثه ورديئه.
وفيها:
فبات دموعي توة ثم لم تفضعلى زند كادت لها العين تمرح
قال: (توة) حينًا طويلا، وقد مضى توة من النهار أي ساعة. ينبغي أن يكون (توة): (فعلة) من التو، والتوى هو الهلاك كأنه شيء قد استهلك وتوي من الزمان كما قال:
وإذا مضى شيء كأن لم يفعلِ
وفيها:
بذي حبك مثل القنى تزينهجدامية من نخل خيبر دلح
قال: القنو الكباسة وهي القنا وأقناء وقنى جمع الجمع، ويقال (نخل جادم) إذا اوقر هكذا لفظ السكري البتة: قنى جمع الجمع وهذا خطأ إنما ينبغي أن يقول: اقناء جمع القلة، وقنى جمع الكثرة، فأما أن يكسر (أفعال) على (فعول) فذا ما لا يقوله أحد، ولو كان ذلك جائزا لجاز لآخر أن يقول: إن (كلابا) جمع (أكلب) و (حمر) جمع (أحمرة) و (بيوتا) جمع (أبيات) وينبغي أن يكون السكري أراد ما اردناه لفساد ما جاء في ظاهر لفظه إلا أنه أساء في العبارة وذلك أنه ليس من أهل الصناعة.
وفيها:
بطعمة رجع بات ينسج متنهصبا حيث يستعلى لها حين ينفح
معنى (يستفعل) هنا (يفعل) يريد: يعلو.
وفيها:
وهن على مسلوعة زيم الحصىتنير ويغشاها هماليج طلح
قال: (مسلوعة): محجة، تنير: تضح. ينبغي أن يكون هذا من قولهم: السلع للشق في الجبل كأنه انغمز هذا الطريق للسير فيه فصار كالخد في الأرض، والسلع في الجبل لأنه موطأ مذلل، قال أبو النجم:
[يأتي لها من ايمن وأشملوهي حال الفرقدين تعتلي]
تغادر الصمد كظهر الأجزل
وفيها:
وقد صرع القوم الكرى بعدما مضىهزيع وسرحان المفازة يضبح
هزيع: (فعيل) من قولهم: يتهزع أي يضطرب مشيه ويسرع، وذك لاسراع ذلك الوقت واضطرابه بظلمته كما قالو: (مضى عنك من الليل) وهو من الرمل العانك الذي يضطرب فيه من يمشيه.
وقال مليح أيضا من قصيدة:
تذكرت ليلى يوم أصبحت قافلابزيزاء والذكرى تشوق وتشعف
قال: (زيزاء) أرض خشنة أو بلد، ينبغي أن يكون (زيزاء) هنا علما معرفة لامتناع صرفها، ولو كانت نكرة لانصرفت لأن (فعلاء) ينصرف نحو: علباء وقيقاء وزيزاء للأرض الخشنة.
وفيها: وأغلب من أعلام تيمي كأنهإذا ما اكتسى في طخية الليل أكلف
قصر الممدود، ويجب إذا قصر الممدود أن يعامل معاملة ما ارتجل كذاك مقصورا فصار (تيمي) كـ (سكري) لا يصرف لالف التأنيث المقصورة كما لا يصرف لها إذا كانت ممدودة، وتكتب أيضا بالياء كما تكتب (سكرى) كذلك لأنها الف متجاوزة لعدة الثلاثة كذلك القول في نحو: العروى والنفسيى والاصدقي والاطبي وعاشوري، يكتب ذلك كله إذا قصر بالياء.
وفيها:
بتلك علقت الشوق أيام بكرهاقصير الخطى في قدعة متعطف
قال: (قدعة) دراعة، لا تبلغ ساقيه. ينبغي أن تكون قدعة (فعلة) من قدعت الرجل إذا كففته عن الشيء، والتقاؤهما أن الدراعة القصيرة كأنها قدعت أي: كفت عن أن تبلغ الساقين على معتاد الحال في الدراريع
وفيها:
وبالوتر مما يلقطون من الحصنيوبالبدن تكبو في الدماء وتنزف
لام (الدم) ياء لقولهم:
[فلو أنا على حجر ذبحنا]جرى الدميان بالخبر اليقين
وقد جاء عنهم (الدموان)، فاللام على هذا واو، بالخبر اليقين وقد جاء عنهم (الدموان)، فاللام على هذا واو، وقالوا أيضا (دمان)، فاللام هنا محتملة ما تحتمله في (دم) وقد قالوا في تكسيره:
أدماء ودمي، قال:
قلت أيا تسفك أدماءهمتق الذي يعلم ما تفعل
وقال:
ولا يرد السيف أدماءهمدميا يصاب بها المحرم
وقالوا في تأنيثه: دمة، وفي خبر لحاتم قال فخرج فإذا البيوت دمة واحدة يريد بالتأنيث القطعة من الدم وقد قالوا فيه: هذا دما، ورأيت دما ومررت بدما، قصر في هذه اللغة البتة، أنشدنا أبو علي:
غفلت ثم اتت ترقبهفإذا هي بعظام ودما
كقولك: بعظام وعصا، وأنشدنا هو وغيره بيت ابن الحمام:
فلسنا على الاعقاب تدمى كلومناولكن على أقدامنا يقطر الدما
وفي أمثال بني أسد: (ولدك من دمي عقبيك)، وممنه عندي الدمية المصورة، وقد تقدم وجه الجميع بينهما.
وفيها:
فألقوا عليهن السياط فشمرتسعالى عليها الميس تملو وتقذف
قال: (تملو) تسبح، حقيقته عندي أي تتسع في جريها، ومد بوعها من الملاوة والملوين وهما سعة الزمان وامتداده.
وفيها:
وحتى تعممن اللجين كأنهعلى مستدار الهام عطب مندف
ينبغي أن يكون (العطب) من معنى العطب، وذلك أن القطن لا يكاد ينتفع به إلا بعد أن يستهلك حال القطنية منه بالغزل، ونحو هذا هو العرف في بابه والاكثر وإن كان قد ينتفع به في أول الحال في غير ذلك. وقال مليح أيضا من قصيدة.
تراه كتخفاق الجناح ودونهمن النير أو جنبي ضرية منكب
ينبغي أن تكون لام (ضرية) واوا لاستمرار الواو في (الضرو) و (الضرواة) ولا نعرف (ض ر ى).
وفيها:
فقلت لها يا ليل كيف أزوركموقد جعلت جعلت في جنبك الحرب تحدب
قال: تحدب تحرك وتجد.
بلي ثم نرمى بالنجائب نحوهادجى الليل عن هاماتها تتجوب
حذف الفعل لدلالة الكلام عليه، أراد بلى نزورها ثم نرمي فحذف الفعل كما قال الله سبحانه: " بلى قادرين على أن نسوى بنانه ". أي: بل نجمعها قادرين فدلت الحال على الفعل الناصبها كما دل المعطوف وهو نرمي على المعطوف عليه المحذوف وهو (نزورها).
وقال مليح أيضا من أرجوزة:
أمست خلاف الألة السواحق
الهمزة بدل من واو (الولة)، يعني الرياح كأنها قوله: فنحن في هبوبها، قال ابن احمر:
ولهت عليه كل معصفةهوجاء ليس للبهازير
وفيها:
أكدر يغضى عجل التراهق
في قوله (يغضى) دلالة على كون همزة (الغضاء) بدلا من ياء ومثله قوله:
كم من جراب عظيم جئت تحملهودهنة ريحها يغضى على المقل
وفيها:
ساج باعراض الفضاء الفاهق
القول على لام (الفضاء) هو واو لقولهم: فضا يفضو فضوا وفضاء والفاضي الواسع، وأفضى إلى الشيء أي صدر في فضائه وفرجته، وجمع الفضاء أفضية.
وفيها:
هركوله ليست من العسالق
كأنما تصبح بالرواوق
حكى أبو الحسن أنه بلغه عن الخليل أن الهاء في (هركولة) زائدة كأنها تر ل في مشيها، ومثله من زيادة الهاء غير آخر: (هجرع) و (هبلع) فيمن اخذها من الجرع والبلع، وقالوا: هجزع بالزاي للجبان فهذا على هذا النحو من الجزع، وأنشد ابن الاعرابي:
[باتت بليل ساهد وقد سهد]هلقم يأكل أطراف النجد
فهذا (هفعل) من اللقم وقالوا في (هركولة) هركلة وأنشدني الشجري لبعض شعراء عقيل وهو عساف:
هركلة فنق نياف طلةلم تعد عن شعر وحول خرعب
فهذا على هذا (هفعلة)، وهذه نوادر، ومما زيدت الهاء فيه حشوا امهات ومثالها فعلهات. وأما (الرواوق) فأراد به الرواويق جمع راووق فحذفت الياء وهو ينويها ولذلك صحيح الواو الثانية والقول فيها القول في قوله:
[حنى عظامي وأراه ثاغرى]وكحل العينين بالعواور
وقول الآخر وهو جعال الهمذاني:
أسد هواوسة بيض غطارفةغلب جحاجحة زيز إذا انطلقوا
إلا أن الواو هنا بعدت عن الظرف فجرى ذلك مجرى طواويس وقال الاخر:
تسمع للمرء بها عواولا
وفيها: أو كسبايا البربر الحوالق
أما أراد (بربر) وهي قبيلة فزاد اللام كزيادتها في قوله:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركاشديدا باعبار اخلافة كاهله
يريد ابن يزيد، وهو كثير منه قوله:
ولقد جنيتك اكمؤوا وعساقلاولقد نهيتك عن بنات الأوبر
قال أبو عثمان سألت الأصمعي عن ذلك فقال أراد اللام. وأما إن يكون أراد جمع بربري كرومي وروم ويهودي ويهود، وكذا اجاز أبو على فيما أنشده أبو زيد من قوله:
يا نصر هل غير ما جهل فإنكمريش العصافير قد أفسدتم الاسدا
أجاز إن يكون جمع (أسدي) كيهودي ويهود ثم عرف باللام فقال: البربر والأسد كاليهود والروم ونحو ذلك.
وفيها:
يمشون بين نابل ودارق
استعمله كتارس من الترس ولم أسمعه من الدرقة إلا هنا، فأما تقيله وأما ارتجله.
وفيها:
وخاتم الملوك غير العالق
قال أراد المتعلق بالباطل، هذا أيضا مما قدمت لك من نقلهم الشيء وقد كان محتملا موضعين يخص به أحدهما كبكر وبابه، وفي هذا عندي طرف من شبهه بنقل الأجناس الشائعة إلى الأعلام الضيقة.
وقال مليح أيضا من قصيدة:
نأى من حراه من يحب قربتصروف النوى منه الذي لا تحاول
لام (الحرى) وهو الذرى والعراء عندي ياء لقولهم: حرى – يحرى، إذا نقص وحية حارية إذا نقص جسمها وانضم بعضهم اجزائها إلى بعض ومنه تحريت الحق أي: نوت منه وقربت إليه وضايقته فلم اتباعد منه وذكلك انت حرى بالامر وحر أي صقب منه وغير بعيد عنه.
وفيها:
ولم ترج في الود المكتم بينناأأكثر فيه الناس أم قال قائل
قال: (لم ترج) لم تخف، إنما جاز تعليق (رجوت) هذه بما فيها من الخلاج والشك فشابهت (ظنت) فجاز تعليقها كما تعلق الظن ونحوه وإنما يجوز التعليق بحيث يجوز الالغاء ولولا ما في الخوف والرجاء من معنى الخلاج والإبهام المضارع للظن لما جاز تعليقها كما جاز عرفت لقربها من (علمت) في قولك: (قد عرفت أبو من أنت وأيا من أنت مكني به).
وفيها:
ودوني هيام المعاصم فاللوىومن دون باب اليون بحر وساحل
إن كان (هيام) من الياء احتمل ثلاثة أوجه، أحدهما: أن يكون (فعالا)
كالجبار وكالكلاء أو كالضراب والقتال، والآخر: إن يكون (فيعالا) كالخيام والقيام، والثالث: إن يكون (فوعالا) كتوراب وإن كان من الواو كان (فيعالا) لا غير كالزياد والصياغ والقيام. وأما (اليون) فقد ذكرناه.
وفيها:
سروا والكرى يمرى العيون وفوقهمظلال له تغشاهم وغياطل
ينبغي أن يكون لام (الكرى) ياء لاستمرار الامالة فيها، ولو قيل أنها واو لأنها من معنى (الكرة) لاجتماع النائم وتقبضه كاجتماع الكرة وتقبضها، ولام (الكرة) واو لقولهم: كروت بالكرة لكان وجها. وسألني أبو عي ﵀ يوما فقال ما لام قوله:
والظل لم يفضل ولم يكر
أخذنا جميعا ننظر فيه فال: هو من قولهم: (ساق كرواء) لاجتماعها، وانضمام أجزائها، ثم افرقنا قلما لقيته بعد قلت: قد ودت في ذلك المعنى شيئا جيدا قاطعا قال: ما هو؟ قلت: قولهم الكروان لدقة ساقيه فاسحسنه وقال: هذا نهاية.
وقال مليح أيضا من قصيدة:
كأن صفحة باب خل من شبحإلى الشراخيب والدايات منسوج
قال: (الشرخوب) العظيم الفقار، الديات جمع داية إلا أنه اسكن العين والأصل تحريك الهمزة كقوله:
كأن علوب النسع في دأياتها[موارد من خلقاء في ظهر قردد]
ولا يجوز أن يكون خفف في الجمع دون اعتقاده التخفيف في الواحدة وخفف الواحدة ثم جمع. فإن كان خفف الجمع وحده فكان قياسه أن يجعل الهمزة بن بين فيقول: دايات، وهذا تكسير موضعه من البيت، وإن كان خفف الواحدة فكان تقديره الداية بالف ساكنة كقولك في رأس: رأس، وفي رأل: رال، فقد كان ينبغي أن يحرك في الجمع الحركة الضعيفة في همزة بين بين وذلك أن الواحد لم يبدل ابدالا على حد اخطيت وقريت وتوضيت، فتجرى داية ودايات مجرى غاية وغايات ودارة ودارات وإنما هو تخفيف قياسي، وفيه الهمزة مقدرة معتدة، ولكن سكون الهمزة اضعفها فلم ينبر فيها بشيء من الهمز، فأما إذا صرت إلى الجمع فإنك تعتقد وجوب الحركة فجب حينئذ أن تجعلها للحركة همزة بين بين فتقول: داياتها، فلما حظر الوزن ذلك عليه اسكنها وهمز، وهو مع ذلك معتقد التخفيف في الواحد فيها فوجب اخراجها إلى اللفظ كما وجب مع التخفيف في الواحد، وإذا خففت في نحو هذا الحركة القوية في مثل قوله:
[أبت ذكر عودن أحشاء قلبهخفوقا] ورفضات الهوي في المفاصل
كان تخفيف الحركة الضعيفة في الهمزة المخففة أجدر بالجواز وإن كان ابدالها البتة على رأي أبي الحسن في قوله:
[وصم صلاب ما يقين من الوجى]كأن مكان الردف منه على رال
فهو أمر واضح، إلا أن القول الأول أشبه لأنه تخفيف قياسي، وهذا الثاني إبدال ضروري.
وهذا آخر ما نجز من ديوان هذيل
وتم الكتاب
وكتبه أسعد بن المعالي بن إبراهيم بن عبد الله في شهور سنة ثمانين وخمسمائة حامدا الله تعالى على نعمه ومصليا على خيرته من خلقه محمد النبي وعلى آله ومسلما، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
النص من طبعة مطبعة العاني ببغداد (١٣٨١هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع