تجاوز إلى المحتوى

من «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)

فصل [في تحليل مثال آخر للحذف]

قد بان الآن واتّضح لما نظر نظر المتثبّت- الحصيف الراغب في اقتداح زناد العقل، والازدياد من الفضل، ومن شأنه التوق إلى أن يعرف الأشياء على حقائقها، ويتغلغل إلى دقائقها، ويربأ بنفسه عن مرتبة المقلّد الذي يجري مع الظاهر، ولا يعدو الذي يقع في أوّل الخاطر- أنّ الذي قلت في شأن «الحذف» وفي تفخيم أمره، والتنويه بذكره، وأنّ مأخذه مأخذ يشبه السحر، ويبهر الفكر، كالذي قلت.

وهذا فنّ آخر من معانيه عجيب، وأنا ذاكره لك. قال البحتري في قصيدته التي أولها: أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم وهو يذكر محاماة الممدوح عليه، صيانته له، ودفعه نوائب الزمان عنه:

وكم ذدت عنّي من تحامل حادثوسورة أيّام حززن إلى العظم
للشاعر البحتري، من قصيدة «أعن سفه يوم الأبيرق أم حلم»

الأصل لا محالة: حززن اللّحم إلى العظم، إلّا أنّ في مجيئه به محذوفا، وإسقاطه له من النّطق، وتركه في الضمير، مزيّة عجيبة وفائدة جليلة.

وذاك أن من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه به من أن يتوهّم في بدء الأمر شيئا غير المراد، ثم ينصرف إلى المراد. ومعلوم أنه لو أظهر المفعول فقال: «وسورة أيام حززن اللحم إلى العظم»، لجاز أن يقع في وهم السامع إلى أن يجيء إلى قوله: «إلى العظم»، أن هذا الحزّ كان في بعض اللحم دون كله، وأنه قطع ما يلي الجلد ولم ينته إلى ما يلي العظم. فلما كان كذلك، ترك ذكر «اللحم» وأسقطه من اللفظ، ليبرئ السامع من هذا الوهم، ويجعله بحيث يقع المعنى منه في أنف الفهم، ويتصوّر في نفسه من أوّل الأمر أن الحزّ مضى في اللحم حتى لم يردّه إلّا العظم.

أفيكون دليل أوضح من هذا وأبين وأجلى في صحة ما ذكرت لك، من أنك قد ترى ترك الذّكر أفصح من الذكر، والامتناع من أن يبرز اللفظ من الضمير، أحسن للتصوير؟

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دلائل الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.