تجاوز إلى المحتوى

من «دلائل الإعجاز» لعبد القاهر الجرجاني (ت ٤٧١هـ)

فصل [من دلالة المعنى على المعنى]

ومن الصفات التي تجدهم يجرونها على «اللفظ»، ثم لا تعترضك شبهة ولا يكون منك توقّف في أنها ليست له، ولكن لمعناه، قولهم: «لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه، ولفظه معناه، ولا يكون لفظه أسبق إلى سمعك من معناه إلى قلبك»، وقولهم: «يدخل في الأذن بلا إذن»، فهذا مما لا يشكّ العاقل في أنه يرجع إلى دلالة المعنى على المعنى، وأنّه لا يتصوّر أن يراد به دلالة اللفظ على معناه الذي وضع له في اللغة.

ذاك لأنه لا يخلو السامع من أن يكون عالما باللغة وبمعاني الألفاظ التي يسمعها، أو يكون جاهلا بذلك .. فإن كان عالما لم يتصوّر أن يتفاوت حال الألفاظ معه، فيكون معنى لفظ أسرع إلى قلبه من معنى لفظ آخر، وإن كان جاهلا كان ذلك في وصفه أبعد.

وجملة الأمر أنّه إنّما يتصوّر أن يكون لمعنى أسرع فهما منه لمعنى آخر، إذا كان ذلك مما يدرك بالفكر، وإذا كان مما يتجدّد له العلم به عند سمعه للكلام.

وذلك محال في دلالات الألفاظ اللغوية، لأنّ طريق معرفتها التوقيف، والتقدّم بالتعريف.

وإذا كان ذلك كذلك، علم علم الضرورة أن مصرف ذلك إلى دلالات المعاني على المعاني، وأنهم أرادوا أنّ من شرط البلاغة أن يكون المعنى الأوّل الذي تجعله دليلا على المعنى الثاني ووسيطا بينك وبينه، متمكّنا في دلالته، مستقلّا بوساطته، يسفر بينك وبينه أحسن سفارة، ويشير لك إليه أبين إشارة، حتى يخيّل إليك أنك فهمته من حاقّ اللفظ، وذلك لقلة الكلفة فيه عليك، وسرعة وصوله إليك، فكان من «الكناية» مثل قوله:

لا أمتع العوذ بالفصال، ولاأبتاع إلّا قريبة الأجل
للشاعر إبراهيم بن هرمة، من قصيدة «يا دار سعدى بالجزع من ملل»

ومن «الاستعارة» مثل قوله:

وصدر أراح الليل عازب همّه،تضاعف فيه الحزن من كلّ جانب
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «كليني لهم يا أميمة ناصب»

ومن «التمثيل» مثل قوله:

لا أذود الطّير عن شجرقد بلوت المرّ من ثمره

إن أردت أن تعرف ما حاله بالضدّ من هذا، فكان منقوص القوّة في تأدية ما أريد منه، لأنه يعترضه ما يمنعه أن يقضي حق السّفارة فيما بينك وبين معناك، ويوضح تمام الإيضاح عن مغزاك، فانظر إلى قول العباس بن الأحنف:

سأطلب بعد الدّار عنكم لتقربواوتسكب عيناي الدّموع لتجمدا
للشاعر محمد بن علي الوجدي الغماد، اقرأ القصيدة

بدأ فدلّ بسكب الدموع على ما يوجبه الفراق من الحزن والكمد، فأحسن وأصاب، لأن من شأن البكاء أبدا أن يكون أمارة للحزن، وأن يجعل دلالة عليه وكناية عنه،

كقولهم: «أبكاني وأضحكني»، على معنى «ساءني وسرّني»، وكما قال:

أبكاني الدّهر، ويا ربّماأضحكني الدّهر بما يرضي

ثم ساق هذا القياس إلى نقيضه، فالتمس أن يدل على ما يوجبه دوام التلاقي من السرور بقوله: «لتجمدا»، وظنّ أن الجمود يبلغ له في إفادة المسرّة والسلامة من الحزن، ما بلغ سكب الدمع في الدلالة على الكآبة والوقوع في الحزن ونظر إلى أنّ الجمود خلوّ العين من البكاء وانتفاء الدموع عنها، وأنه إذا قال «لتجمدا»، فكأنه قال: «أحزن اليوم لئلّا أحزن غدا، وتبكي عيناي جهدهما لئلا تبكيا أبدا»، وغلط فيما ظنّ. وذاك أن الجمود هو أن لا تبكي العين، مع أن الحال حال بكاء، ومع أن العين يراد منها أن تبكي، ويستراب في أن لا تبكي، ولذلك لا ترى أحدا يذكر عينه بالجمود إلا وهو يشكوها ويذمّها وينسبها إلى البخل، ويعدّ امتناعها من البكاء تركا لمعونة صاحبها على ما به من الهمّ، ألا ترى إلى قوله:

ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسطعليك بجاري دمعها لجمود
للشاعر أبو عطاء السندي، اقرأ القصيدة

فأتى بالجمود تأكيدا لنفي الجود، ومحال أن يجعلها لا تجود بالبكاء وليس هناك التماس بكاء، لأنّ الجود والبخل يقتضيان مطلوبا يبذل أو يمنع، ولو كان الجمود يصلح لأن يراد به السلامة من البكاء، ويصحّ أن يدلّ به على أن الحال حال مسرة وحبور، لجاز أن يدعى به للرجل فيقال: «لا زالت عينك جامدة»، كما يقال:

«لا أبكى الله عينك»، وذاك مما لا يشكّ في بطلانه.

وعلى ذلك قول أهل اللغة: «عين جمود، لا ماء فيها، وسنة جماد، لا مطر فيها، وناقة جماد، لا لبن فيها»، وكما لا تجعل السّنة والنّاقة جمادا إلّا على معنى أنّ السّنة بخيلة بالقطر، والنّاقة لا تسخو بالدّرّ، كذلك حكم العين لا تجعل «جمودا»

إلّا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها، ما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأن قد جادت وسخت، وإذا لم تبك، مسيئة موصوفة بأن قد ضنّت وبخلت.

فإن قيل: إنه أراد أن يقول: «إنّ اليوم أتجرّع غصص الفراق، وأحمل نفسي على مرّه، وأحتمل ما يؤدّيني إليه من حزن يفيض الدموع من عيني ويسكبها، لكي أتسبّب بذلك إلى وصل يدوم، ومسرة تتّصل، حتى لا أعرف بعد ذلك الحزن أصلا، ولا تعرف عيني البكاء، وتصير في أن لا ترى باكية أبدا، كالجمود التي لا يكون لها دمع».

فإن ذلك لا يستقيم ولا يستتبّ، لأنه يوقعه في التناقض، ويجعله كأنه قال:

«أحتمل البكاء لهذا الفراق عاجلا، لأصير في الآجل بدوام الوصل واتصال السرور في صورة من يريد من عينه أن تبكي ثم لا تبكي، لأنها خلقت جامدة لا ماء فيها»، وذلك من التهافت والاضطراب بحيث لا تنجع الحيلة فيها.

وجملة الأمر أنا لا نعلم أحدا جعل جمود العين دليل سرور وأمارة غبطة، وكناية عن أن الحال حال فرح.

فهذا مثال فيما هو بالضدّ مما شرطوا من أن لا يكون لفظه أسبق إلى سمعك، من معناه إلى قلبك لأنك ترى اللّفظ يصل إلى سمعك، وتحتاج إلى أن تخبّ وتوضع في طلب المعنى.

ويجري لك هذا الشرح والتفسير في «النظم» كما جرى في «اللفظ»، لأنه إذا كان النظم سويّا، والتأليف مستقيما، كان وصول المعنى إلى قلبك، تلو وصول اللفظ إلى سمعك. وإذا كان على خلاف ما ينبغي، وصل اللّفظ إلى السمع، وبقيت في المعنى تطلبه وتتعب فيه، وإذا أفرط الأمر في ذلك صار إلى التعقيد الذي قالوا: «إنّه يستهلك المعنى».

واعلم أن لم تضق العبارة ولم يقصر اللفظ ولم ينغلق الكلام في هذا الباب، إلّا لأنه قد تناهى في الغموض والخفاء إلى أقصى الغايات، وأنت لا ترى أغرب مذهبا، وأعجب طريقا، وأحرى بأن تضطرب فيه الآراء منه. وما قولك في شيء قد بلغ من أمره أن يدّعى على كبار العلماء أنّهم لم يعلموه ولم يفطنوا له؟ فقد ترى أنّ البحتري قال حين سئل عن مسلم وأبي نواس: أيّهما أشعر؟ فقال: أبو نواس. فقيل: فإن أبا العباس ثعلبا لا يوافقك على هذا. فقال: ليس هذا من شأن ثعلب وذويه من المتعاطين لعلم الشعر دون علمه، إنما يعلم ذلك من دفع في مسلك طريق الشعر إلى مضايقه وانتهى إلى ضروراته.

ثمّ لم ينفكّ العالمون به والذين هم من أهله، من دخول الشبهة فيه عليهم، ومن اعتراض السّهو والغلط لهم. روي عن الأصمعي أنّه قال: كنت أشدو من أبي عمرو بن العلاء وخلف الأحمر، وكان يأتيان بشارا فيسلّمان عليه بغاية الإعظام ثم يقولان: يا أبا معاذ، ما أحدثت؟ فيخبرهما وينشدهما، ويسألانه ويكتبان عنه متواضعين له، حتى يأتي وقت الزّوال، ثم ينصرفان. وأتياه يوما فقالا: ما هذه القصيدة التي أحدثتها في سلم بن قتيبة؟ قال: هي التي بلغتكم. قالوا: بلغنا أنّك أكثرت فيها من الغريب. قال: نعم،

بلغني أن سلم بن قتيبة يتباصر بالغريب، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف. قالوا: فأنشدناها يا أبا معاذ. فأنشدهما:

بكّرا صاحبيّ قبل الهجيرإنّ ذاك النّجاح في التّبكير
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «بكرا صاحبي قبل الهجير»

حتى فرغ منها، فقال له خلف: لو قلت يا أبا معاذ مكان «إنّ ذاك النجاح في التبكير»:

بكّرا فالنّجاح في التّبكير كان أحسن. فقال بشار: إنما بنيتها أعرابية وحشية فقلت: إنّ ذاك النجاح في التبكير، كما يقول الأعراب البدويّون، ولو قلت: «بكّرا فالنجاح»، كان هذا من كلام المولّدين، ولا يشبه ذاك الكلام، ولا يدخل في معنى القصيدة. قال: فقام خلف فقبّل بين عينيه»، فهل كان هذا القول من خلف والنّقد على بشّار، إلّا للطف المعنى في ذلك وخفائه؟.

واعلم أن من شأن «إنّ» إذا جاءت على هذا الوجه، أن تغني غناء «الفاء» العاطفة مثلا، وأن تفيد من ربط الجملة بما قبلها أمرا عجيبا. فأنت ترى الكلام بها مستأنفا غير مستأنف، ومقطوعا موصولا معا. أفلا ترى أنك لو أسقطت «إنّ» من قوله: «إنّ ذاك النجاح في التبكير»، لم تر الكلام يلتئم، ولرأيت الجملة الثانية لا تتّصل بالأولى ولا تكون منها بسبيل، حتى تجيء بالفاء فتقول: «بكّرا صاحبيّ قبل الهجير، فذاك النجاح في التبكير»، ومثله قول بعض العرب:

فغنّها، وهي لك الفداءإنّ غناء الإبل الحداء

فانظر إلى قوله: «إنّ غناء الإبل الحداء»، وإلى ملاءمته الكلام قبله، وحسن تشبّثه به، وإلى حسن تعطّف الكلام الأوّل عليه. ثم انظر إذا تركت «إنّ» فقلت:

«فغنّها وهي لك الفداء، غناء الإبل الحداء»، كيف تكون الصّورة؟ وكيف ينبو أحد الكلامين عن الآخر؟ وكيف يشئم هذا ويعرق ذاك؟ حتى لا تجد حيلة في ائتلافهما حتّى تجتلب لهما «الفاء» فتقول: «فغنّها وهي لك الفداء، فغناء الإبل الحداء»، ثم تعلم أن ليست الألفة بينهما من جنس ما كان، وأن قد ذهبت الأنسة التي كنت تجد، والحسن الذي كنت ترى.

وروي عن عنبسة أنه قال: قدم ذو الرّمّة الكوفة فوقف ينشد الناس بالكناسة قصيدته الحائية التي منها:

هي البرء، والأسقام، والهمّ، والمنى،وموت الهوى في القلب منّي المبرّح
وكان الهوى بالنأي يمحى فيمّحي،وحبّك عندي يستجدّ ويربح
إذا غيّر النّأي المحبّين لم يكدرسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

قال: فلما انتهى إلى هذا البيت ناداه ابن شبرمة: يا غيلان، أراه قد برح! قال: فشنق ناقته وجعل يتأخّر بها ويفكّر، ثم قال:

إذا غيّر النأي المحبّين لم أجدرسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «أمنزلتي مي سلام عليكما علي»

قال: فلمّا انصرفت حدّثت أبي، قال: أخطأ ابن شبرمة حين أنكر على ذي الرّمة ما أنكر، وأخطأ ذو الرمة حين غيّر شعره لقول ابن شبرمة، إنما هذا كقول الله تعالى: ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها، وإنّما هو: لم يرها ولم يكد.

واعلم أنّ سبب الشّبهة في ذلك أنه قد جرى في العرف أن يقال: «ما كاد يفعل» و «لم يكد يفعل» في فعل قد فعل، على معنى أنه لم يفعل إلّا بعد الجهد، وبعد أن كان بعيدا في الظّن أن يفعله، كقوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، فلما كان مجيء النفي في «كاد» على هذا السبيل، توهّم ابن شبرمة أنه إذا قال: «لم يكد رسيس الهوى من حبّ ميّة يبرح» فقد زعم: أن الهوى قد برح، ووقع لذي الرمة مثل هذا الظّن.

وليس الأمر كالذي ظنّاه، فإن الذي يقتضيه اللفظ إذا قيل: «لم يكد يفعل» و «ما كاد يفعل»، أن يكون المراد أن الفعل لم يكن من أصله، ولا قارب أن يكون، ولا ظنّ أنه يكون. وكيف بالشك في ذلك؟ وقد علمنا أن «كاد» موضوع لأن يدلّ على شدة قرب الفعل من الوقوع، وعلى أنّه قد شارف الوجود. وإذا كان كذلك، كان محالا أن يوجب نفيه وجود الفعل، لأنه يؤدّي إلى أن يوجب نفي مقاربة الفعل الوجود وجوده، وأن يكون قولك: «ما قارب أن يفعل»، مقتضيا على البتّ أنه قد فعل. وإذ قد ثبت ذلك، فمن سبيلك أن تنظر. فمتى لم يكن المعنى على أنه قد كانت هناك صورة تقتضي أن لا يكون الفعل، وحال يبعد معها أن يكون، ثمّ تغير الأمر، كالذي تراه في قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ، فليس إلّا أن تلزم الظاهر، وتجعل المعنى على أنك تزعم أن الفعل لم يقارب أن يكون، فضلا عن أن يكون.

فالمعنى إذن في بيت ذي الرمة على أن الهوى من رسوخه في القلب، وثبوته فيه وغلبته على طباعه، بحيث لا يتوهّم عليه البراح، وأن ذلك لا يقارب أن يكون، فضلا عن أن يكون، كما تقول: «إذا سلا المحبّون وفتروا في محبتهم، لم يقع لي في وهم، ولم يجر منّي على بال: أنه يجوز عليّ ما يشبه السّلوة، وما يعدّ فترة، فضلا عن أن يوجد ذلك مني وأصير إليه.

وينبغي أن تعلم أنهم إنما قالوا في التفسير: «لم يرها ولم يكد»، فبدءوا فنفوا الرؤية، ثم عطفوا «لم يكد» عليه، ليعلموك أن ليس سبيل «لم يكد» هاهنا سبيل «ما كادوا» في قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ في أنه نفي معقّب على إثبات، وأن ليس المعنى على أن رؤية كانت من بعد أن كادت لا تكون، ولكن المعنى على أن رؤيتها لا تقارب أن تكون، فضلا عن أن تكون. ولو كان «لم يكد» يوجب وجود الفعل، لكان هذا الكلام منهم محالا جاريا مجرى أن تقول: «لم يرها ورآها»، فاعرفه.

وهاهنا نكتة، وهي أنّ «لم يكد» في الآية والبيت واقع في جواب «إذا»، والماضي إذا وقع في جواب الشرط على هذا السبيل، كان مستقبلا في المعنى فإذا قلت: «إذا خرجت لم أخرج»، كنت قد نفيت خروجا فيما يستقبل. وإذا كان الأمر كذلك، استحال أن يكون المعنى في البيت أو الآي على الفعل قد كان، لأنه يؤدي إلى أن يجيء «بلم أفعل» ماضيا صريحا في جواب الشرط فتقول: «إذا خرجت لم أخرج أمس»، وذلك محال. ومما يتّضح فيه هذا المعنى قول الشاعر:

ديار لجهمة بالمنحنىسقاهنّ مرتجز باكر
وراح عليهنّ ذو هيدبضعيف القوى، ماؤه زاخر
إذا رام نهضا بها لم يكدكذي السّاق أخطأها الجابر

وأعود إلى الغرض. فإذا بلغ من دقّة هذه المعاني أن يشتبه الأمر فيها على مثل خلف الأحمر وابن شبرمة، وحتى يشتبه على ذي الرمة في صواب قاله، فيرى أنه غير صواب، فما ظنك بغيرهم؟ وما يعجبك من أن يكثر التخليط فيه؟ ومن العجب في هذا المعنى قول أبي النجم:

قد أصبحت أمّ الخيار تدّعيعليّ ذنبا كلّه لم أصنع

قد حمله الجميع على أنه أدخل نفسه من رفع «كلّ» في شيء إنما يجوز عند الضرورة، من غير أن كانت به إليه ضرورة. قالوا: لأنه ليس في نصب «كلّ» ما يكسر له وزنا، أو يمنعه من معنى أراده. وإذا تأملت وجدته لم يرتكبه ولم يحمل نفسه عليه إلا لحاجة له إلى ذلك، وإلّا لأنه رأى النصب يمنعه ما يريد. وذاك أنه أراد أنها تدّعي عليه ذنبا لم يصنع منه شيئا البتّة لا قليلا ولا كثيرا ولا بعضا ولا كلّا. والنصب يمنع من هذا المعنى، ويقتضي أن يكون قد أتى من الذنب الذي ادّعته بعضه.

وذلك أنا إذا تأملنا وجدنا إعمال الفعل في «كل» والفعل منفيّ، لا يصلح أن يكون إلا حيث يراد أن بعضا كان وبعضا لم يكن. تقول: «لم ألق كلّ القوم»، و «لم آخذ كلّ الدراهم»، فيكون المعنى أنك لقيت بعضا من القوم ولم تلق الجميع، وأخذت بعضا من الدراهم وتركت الباقي ولا يكون أن تريد أنك لم تلق واحدا من القوم، ولم تأخذ شيئا من الدراهم.

وتعرف ذلك بأن تنظر إلى «كلّ» في الإثبات وتتعرّف فائدته فيه. وإذا نظرت وجدته قد اجتلب لأن يفيد الشمول في الفعل الذي تسنده إلى الجملة أو توقعه بها.

تفسير ذلك، أنك إنما قلت: «جاءني القوم كلهم»، لأنك لو قلت: «جاءني القوم» وسكتّ، لكان يجوز أن يتوهّم السامع أنه قد تخلّف عنك بعضهم، إلا أنك لم تعتدّ بهم، أو أنّك جعلت الفعل إذا وقع من بعض القوم فكأنما وقع من الجميع، لكونهم في حكم الشخص الواحد، كما يقال للقبيلة: «فعلتم وصنعتم»، يراد فعل قد كان من بعضهم أو واحد منهم. وهكذا الحكم أبدا.

فإذا قلت: «رأيت القوم كلّهم» و «مررت بالقوم كلّهم»، كنت قد جئت «بكل» لئلّا يتوهم أنه قد بقي عليك من لم تره ولم تمرر به.

وينبغي أن يعلم أنا لا نعني بقولنا «يفيد الشمول»، أنّ سبيله في ذلك سبيل الشيء يوجب المعنى من أصله، وأنه لولا مكان «كلّ» لما عقل الشمول ولم يكن فيما سبق من اللفظ دليل عليه. كيف؟ ولو كان كذلك لم يكن يسمى «تأكيدا».

فالمعنى أنه يمنع أن يكون اللفظ المقتضي الشمول مستعملا على خلاف ظاهره ومتجوّزا فيه.

وإذ قد عرفت ذلك، فهاهنا أصل، وهو أن من حكم النفي إذا دخل على كلام، ثم كان في ذلك الكلام تقييد على وجه من الوجوه، أن يتوجّه إلى ذلك التقييد، وأن يقع له خصوصا.

تفسير ذلك: أنك إذا قلت: «أتاني القوم مجتمعين»، فقال قائل: «لم يأتك القوم مجتمعين»، كان نفيه ذلك متوجّها إلى الاجتماع الذي هو تقييد في الإتيان دون الإتيان نفسه، حتّى إنه إن أراد أن ينفي الإتيان من أصله، كان من سبيله أن يقول: «إنهم لم يأتوك أصلا، فما معنى قولك: مجتمعين». هذا مما لا يشكّ فيه عاقل.

وإذا كان هذا حكم النفي إذا دخل على كلام فيه تقييد، فإن التأكيد ضرب من التقييد. فمتى نفيت كلاما فيه تأكيد، فإن نفيك ذلك يتوجّه إلى التأكيد خصوصا ويقع له. فإذا قلت: «لم أر القوم كلهم» أو «لم يأتني القوم كلهم» أو «لم يأتني كلّ القوم» أو «لم أر كلّ القوم»، كنت عمدت نفيك إلى معنى «كل» خاصة، وكان حكمه حكم «مجتمعين» في قولك: «لم يأتني القوم مجتمعين». وإذا كان النفي يقع «لكلّ» خصوصا فواجب إذا قلت: «لم يأتني القوم كلهم» أو «لم يأتني كل القوم»، أن يكون قد أتاك بعضهم كما يجب إذا قلت: «لم يأتني القوم مجتمعين»، أن يكونوا قد أتوك أشتاتا. وكما يستحيل أن تقول: «لم يأتني القوم مجتمعين»، وأنت تريد أنّهم لم يأتوك أصلا لا مجتمعين ولا منفردين كذلك محال أن تقول: «لم يأتني القوم كلهم»، وأنت تريد أنهم لم يأتوك أصلا، فاعرفه.

واعلم أنك إذا نظرت وجدت الإثبات كالنفي فيما ذكرت لك، ووجدت النفي قد احتذاه فيه وتبعه. وذلك أنك إذا قلت: «جاءني القوم كلهم»، كان «كلّ» فائدة خبرك هذا، والذي يتوجّه إليه إثباتك، بدلالة أن المعنى على أن الشك لم يقع في نفس المجيء أنّه كان من القوم على الجملة، وإنما وقع في شموله «الكل»، وذلك الذي عناك أمره من كلامك.

وجملة الأمر أنه ما من كلام كان فيه أمر زائد على مجرّد إثبات المعنى للشيء، إلّا كان الغرض الخاصّ من الكلام، والّذي يقصد إليه ويزجّى القول فيه. فإذا قلت:

«جاءني زيد راكبا»، و «ما جاءني زيد راكبا» كنت قد وضعت كلامك لأن تثبت مجيئه راكبا أو تنفي ذلك، لا لأن تثبت المجيء وتنفيه مطلقا. هذا ما لا سبيل إلى الشكّ فيه.

واعلم أنه يلزم من شكّ في هذا فتوهّم أنه يجوز أن تقول: «لم أر القوم كلهم»، على معنى أنك لم تر واحدا منهم أن تجري النّهي هذا المجرى فتقول: «لا تضرب القوم كلّهم»، على معنى لا تضرب واحدا منهم وأن تقول: «لا تضرب

الرجلين كليهما»، على معنى لا تضرب واحدا منهما. فإذا قال ذلك لزمه أن يحيل قول الناس: «لا تضربهما معا، ولكن اضرب أحدهما»، و «لا تأخذهما جميعا، ولكن واحدا منهما»، وكفى بذلك فسادا.

وإذ قد بان لك من حال النّصب أنه يقتضي أن يكون المعنى على أنه قد صنع من الذّنب بعضا وترك بعضا، فاعلم أنّ الرّفع على خلاف ذلك، وأنه يقتضي نفي أن يكون قد صنع منه شيئا، وأتى منه قليلا أو كثيرا، وأنك إذا قلت: «كلّهم لا يأتيك»، و «كلّ ذلك لا يكون»، و «كلّ هذا لا يحسن»، كنت نفيت أن يأتيه واحد منهم، وأبيت أن يكون أو يحسن شيء مما أشرت إليه.

ومما يشهد لك بذلك من الشّعر قوله:

فكيف؟ وكلّ ليس يعدو حمامهولا لامرئ عمّا قضى الله مزحل
للشاعر إبراهيم بن كنيف النبهاني، اقرأ القصيدة

المعنى على نفي أن يعدو أحد من الناس حمامه، بلا شبهة. ولو قلت:

«فكيف وليس يعدو كلّ حمامه»: فأخرت «كلّا»، لأفسدت المعنى، وصرت كأنك تقول: «إن من الناس من يسلم من الحمام ويبقى خالدا لا يموت».

ومثله قول دعبل:

فو الله ما أدري بأيّ سهامهارمتني، وكلّ عندنا ليس بالمكدي
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «أما في صروفِ الدَّهرِ أنْ ترجعَ النَوى»
أبا الجيد، أم مجرى الوشاح، وإنّنيلأتهم عينيها مع الفاحم الجعد

المعنى على نفي أن يكون في سهامها مكد على وجه من الوجوه.

ومن البيّن في ذلك ما جاء في حديث ذي اليدين حين قال للنبيّ ﷺ:

«أقصرت الصّلاة أم نسيت يا رسول الله؟ فقال ﷺ: كلّ ذلك لم يكن. فقال ذو اليدين: بعض ذلك قد كان»، المعنى لا محالة على نفي الأمرين جميعا، وعلى أنه

عليه السلام أراد أنه لم يكن واحد منهما، لا القصر ولا النّسيان. ولو قيل: «لم يكن كلّ ذلك»، لكان المعنى أنه قد كان بعضه.

واعلم أنه لما كان المعنى مع إعمال الفعل المنفي في «كلّ» نحو: «لم يأتني القوم كلّهم» و «لم أر القوم كلّهم»، على أن الفعل قد كان من البعض، ووقع على البعض، قلت: «لم يأتني القوم كلّهم، ولكن أتاني بعضهم» و «لم أر القوم كلّهم، ولكن رأيت بعضهم» فأثبتّ بعد ما نفيت، ولا يكون ذلك مع رفع «كلّ» بالابتداء.

فلو قلت: «كلهم لم يأتني، ولكن أتاني بعضهم» و «كلّ ذلك لم يكن، ولكن كان بعض ذلك»، لم يجز، لأنّه يؤدّي إلى التناقض، وهو أن تقول: «لم يأتني واحد منهم، ولكن أتاني بعضهم».

واعلم أنّه ليس التأثير لما ذكرنا من إعمال الفعل وترك إعماله على الحقيقة، وإنما التأثير لأمر آخر، وهو دخول «كلّ» في حيّز النفي، وأن لا يدخل فيه. وإنما علقنا الحكم في البيت وسائر ما مضى بإعمال الفعل وترك إعماله، من حيث كان إعماله فيه يقتضي دخوله في حيّز النفي، وترك إعماله يوجب خروجه منه، من حيث كان الحرف النافي في البيت حرفا لا ينفصل عن الفعل، وهو «لم» لا أنّ كونه معمولا للفعل وغير معمول، يقتضي ما رأيت من الفرق. أفلا ترى أنّك لو جئت بحرف نفي يتصوّر انفصاله عن الفعل، لرأيت المعنى في «كل» مع ترك إعمال الفعل، مثله مع إعماله، ومثال ذلك قوله: ما كلّ ما يتمنّى المرء يدركه وقول الآخر: ما كلّ رأي الفتى يدعو إلى رشد

«كلّ» كما ترى غير معمل فيه الفعل، ومرفوع، إمّا بالابتداء، وإمّا بأنه اسم «ما»، ثم إنّ المعنى مع ذلك على ما يكون عليه إذا أعملت فيه الفعل فقلت: «ما يدرك المرء كلّ ما يتمناه»، «ما يدعو كلّ رأي الفتى إلى رشد»، وذلك أن التأثير لوقوعه في حيّز النفي، وذلك حاصل في الحالين. ولو قدمت «كلّا» في هذا فقلت:

«كلّ ما يتمنى المرء لا يدركه» و «كل رأي الفتى لا يدعو إلى رشد» لتغير المعنى، ولصار بمنزلة أن يقول: «إنّ المرء لا يدرك شيئا مما يتمناه»، و «لا يكون في رأي الفتى ما يدعو إلى رشد بوجه من الوجوه».

واعلم أنك إذا أدخلت «كلّا» في حيّز النفي، وذلك بأن تقدم النّفي عليه لفظا أو تقديرا، فالمعنى على نفي الشمول دون نفي الفعل والوصف نفسه. وإذا أخرجت «كلّا» من حيّز النفي ولم تدخله فيه، لا لفظا ولا تقديرا، كان المعنى على أنك تتبّعت الجملة، فنفيت الفعل والوصف عنها واحدا واحدا. والعلة في أن كان ذلك كذلك، أنك إذا بدأت «بكل» كنت قد بنيت النّفي عليه، وسلّطت الكلّية على النفي وأعملتها فيه، وإعمال معنى الكلية في النّفي يقتضي أن لا يشذّ شيء عن النّفي، فاعرفه.

واعلم أن من شأن الوجوه والفروق أن لا يزال تحدث بسببها وعلى حسب الأغراض والمعاني التي تقع فيها، دقائق وخفايا لا إلى حدّ ونهاية وأنها خفايا تكتم أنفسها جهدها حتى لا يتنبّه لأكثرها، ولا يعلم أنها هي، وحتى لا تزال ترى العالم يعرض له السّهو فيه، وحتى إنه ليقصد إلى الصواب فيقع في أثناء كلامه ما يوهم الخطأ، كلّ ذلك لشدة الخفاء وفرط الغموض.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٢هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «دلائل الإعجاز»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.