من «ما لم ينشر من الأمالي الشجرية» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
ذكر المعاني إن الخفيفة المكسورة
قد تصرف العرب فيها فاستعملها شرطية ونافية ومخففة من الثقيلة وزائدة مؤكدة. فإذا كانت نافية فسيبويه لا يرى فيها إلا رفع الخبر يقول: إن زيد قائم كما تقول في اللغة التميمية: ما زيد قائم. وإنما حكم سيبويه بالرفع بعدها حرف يحدث معنى في الاسم والفعل كألف الاستفهام وكما لم تعمل ما النافية في اللغة التميمية وهو وفاق للقياس ولما خالف بعض العرب القياس فاعملوا (ما) لم يكن لنا إن نتعدى القياس في غير ما، وغير سيبويه اعمل إن على تشبيهها بليس كما استحسن بعض العرب ذلك في (ما) واحتج بأنه لا فرق بين إن وما في المعنى إذ هما لنفي ما في الحال وتقع بعدهما جملة الابتداء كما تقع بعد ليس وأنشد:
إن هو مستولياً على أحدإلا على حزبه الملاعين
وهو قول الكسائي وأبي العباس المبرد ووافق الفراء في قوله سيبويه. ولك في إن إذا كانت نافية ثلاثة أوجه: أحدهما أن لا تأتي بعدها بحرف إيجاب كقولك: إن زيد قائم وإن أقوم معك كما قال تعالى: (إنْ عندكم مّن سلطنِ بهذا) وقال: (ولئن زالتا إنْ أمسكهما منْ أحدٍ من بعدةِ) اللام في لئن مؤذنة بالقسم وقوله: (إن امسكهما من أحد من بعده) جواب القسم المقدر وقال تعالى: (قلْ إنْ أدرى أقريبٌ ما توعدونَ) أي: ما أدري. فأما قوله: (ولقدْ مكَّنَّهمْ فيما إنَّ مكَّنَّكم فيهِ) (ففي إن قولان أحدهما أنها نافية وما بمعنى الذي فالتقدير: مكناهم في الذي ما مكناكم فيه) (والقول الآخر أن (إنْ) زائدة فالتقدير: مكناهم في الذي مكناكم فيه). والوجه هو القول الأول بدلالة قوله تعالى: (ألمْ يروا كمْ أهلكنا من قبلهم مَن قرنٍ مَّكَّنَّهمْ في الأرضِ ما لمْ نمكّن لَّكمْ). والثاني من أوجهها الثلاثة أن تأتي بعدها بإلا فاصلة بين الجزأين فتجعل الكلام موجباً كقولك: إن زيد إلا قائم وإن خرج إلا أخوك وإن لقيت إلا زيدا كما قال تعالى: (إنَّ الكفرونَ إلا في غرورٍ) و (إنْ أمَّهتهمْ إلا الَّائي ولدنهمْ) و (إنْ هوَ إلَّا نذيرٌ
مُّبينٌ) و (إن يقولونَ إلَّا كذباَ) و (إن يدعونَ من دونهِ إلَّا إنثاً)، (وتظنُّونَ إن لبثتمْ إلَّا قليلاً) فأما قوله: (وإنْ منْ أهلِ الكتبِ إلَّا ليؤمننَّ بهِ) فالتقدير فيه: وإن أحد من أهل الكتاب وحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، ومثله: (وإن منكمْ إلَّا واردها) التقدير: وإن أدح منكم. والوجه الثالث أن تدخل لما التي بنعنى إلا موضع إلا وهي التي في قولهم: بالله لما فعلت أي إلا فعلت، تقول: إن زيد لما قائم تريد: ما زيد إلا قائم، قال الله تعالى: (إن كلُّ نفسٍ لَّمَّا عليها حافظٌ) وقال: (إن كلٌّ لَّمَّا جميعٌ لدينا محضرونَ)، (وإن كلُّ ذلكَ لمَّا متعُ الحيوةِ الدُّنيا)، وقد قرئت هذه الآيات بتخفيف الميم فمن شدد جعل لما بمعنى إلا وإن نافية فالمعنى: ما كل نفس إلا عليها حافظ، وكذلك الآيتان الأخريان. ومن خفف الميم جعل ما زائدة وإن مخففة من الثقيلة واللام للتوكيد فارقة بين النافية والموجبة والمعنى: إن كل نفس لعليها حافظ، والكوفيون يقولون في هذا النحو: إن نافية واللام بمعنى إلا، وهو من الأقوال البعيدة. والمخففة من الثقيلة لك فيها وجهان: إن شئت رفعت ما بعدها بالابتداء وألزمت خبرها لام التوكيد
فقلت: إن زيد لقائم تريد: إن زيداً لقائم، هذا هو الوجه لأنها إنما كانت تعمل بلفظها وفتح آخرها على التشبيه بالفعل الماضي فلما نقص اللفظ وسكن الآخر بطل الأعمال فمن ذلك قول النابغة:
وإنْ مالك للمرتجى إن تقعقعترحى الحرب أو دارت علي خطوب
قول آخر:
إن القوم والحي الذي أنا منهملأهل مقامات وشاء وجامل
الجامل الجمال وكذلك الباقر البقر وإنما ألزمت خبرها اللام إذا رفعت لئلا تلتبس بالنافية لو قلت: إن زيد قائم، وإن شئت نصبت فقلت: إن زيداً قائم وإن أخاك خارج، وتستغني عن اللام إذا نصبت لأن النصب قد أبان للسامع إيجاب وإن استعملت اللام مع النصب جاز وأنشدوا بالنصب قو الشاعر:
كليب إن الناس الذين عهدتهمبجمهور حزوى فالرياض لذي النخل
نصب الناس على نية تثقيل إن، وعلى هذا قراءة من قرأ: (وإنَّ كلّاً لمَّا ليوفينَّهمْ ربُّكَ أعملهمْ) وإذا بطل عمل المخففة جاز أن يقع
بعدها الفعل فلم يكن بينها وبين النافية فرق في ذلك إلا باللام تقول في النافية: (إن قام زيد وإن ضربت زيدا، وتقول في المؤكدة): إن قام لزيد وإن ضربت لزيدا تدخل اللام على الفاعل وعلى المفعول للفرق بين الإيجاب والنفي قال:
شلت يمينك إن قتلت لمسلماوجبت عليك عقوبة المتعمِّدِ
وكذلك تقول: إن كان زيد منطلقاً تريد: ما كان زيد منطلقاً، وتقول: إن كان لمنطلقاً تريد: إنه كان زيد منطلقاً فتدخلها على خبر كان كما جاء في التنزيل: (وإن كنتَ من قبلهِ لمنَ الغافلين) (إن كانَ وعدُ ربّنا لمفعولاً) وعلى خبر كاد: (وإن كادوا ليفتنوكَ) وعلى المفعول الثاني من باب الظن: (وإن نَّظنُّكَ لمنَ الكاذبينَ)، (وإن وجدنا أكثرهمْ لفاسقينَ)، إن في هذه المواضع مخففة من الثقيلة بإجماع البصريين واللام لا الوي والكوفيون يجعلنها النافية ويزعمون أن اللام بمعنى إلا وقد ذكرت انه قول ضعيف بعيد.
وأما الزائدة فقد زادوها بعد ما النافية كافة لها عن العمل في لغة أهل الحجاز فيقع بعدها المبتدأ والخبر والفعل والفاعل تقول: ما إن زيد قائم وما عن يقوم زيد وما إن رأيت مثله، قال فروة بن مسيك:
فما إنْ طبنا جبن ولكنمنايانا ودولة آخرينا
(طبنا شأننا) وقال النابغة:
ما إن أتيت بشيء أنت تكرههإذن فلا رفعت سوطي إلي يدي
وقال امرؤ القيس:
حلفت لها بالله حلفة فاجرلناموا فما إن من حديث ولا صال
أراد: فما حديث فزاد إن ومن، وقد زادها آخر بعد ما المصدرية في قوله:
ورج الفتى للخير ما إنْ رأيتهعلى السن خيراً لا يزال يزيد
أراد لا يزال خيراً وقد ذكروا لهذا الحرف معنى خامساً فقالوا أنه بمعنى إما في قول النمر بن تولب:
سقته الرواعد من صيفوإن من خريف فلن يعدما
قال سيبويه: أراد وإما من خريف وحذف ما لضرورة الشعر وإنما يصف وعلا، وقبل هذا البيت:
فلو أن من حتفه ناجيالكان هو الصدع الاعصما
والمعنى: سقته الرواعد من مطر الصف وإما في الخريف فلن يعدم السقي.
وقال الأصمعي: إن ههنا للشرط أراد: وإن سقته من خريف فلن يعدم الري وبقول الأصمعي أخذ أبو العباس المبرد لأن إما تكون
مكررة وهي ههنا غير مكررة وأحتج من قال بقول سيبويه بأنه وصفه بالخصب وأنه لا يعدم الري ويجب في قول الأصمعي إن لا يقطع له بالري لأنه إذا كانت إن الشرطية لم يقطع له بأن الخريف يسقيه كما تقول: إن حضر زيد أكرمته فلا يقطع له بالحضور كما يقطع له به في قولك: إذا حضر زيد أكرمته وكذلك قولك: أسافر إذا جاء الصيف ولا تقول: أسافر إن حضر الصيف، لأن الصيف لا بد من مجيئه فكأنه قال: وإن سقاه الخريف فلن يعدم الري فدل على أنه يعدم الري إن لم يسقه الخريف. وقول الأصمعي قوي من وجهتين أحدهما: إن ما لا تستعمل إلا مكررة أو يكون معها ما يقوم مقام التكرير كقولك: إما أن تحدث بالصدق وإلا فاسكت وإما أن تزورني أو أزورك، وهذا معدوم في البيت. والثاني: إن مجيء الفاء في قوله: فلن يعدما، يدل على أن إن الشرطية لأن الشرطية تجاب بالفاء وإما لا تقتضي وقع الفاء بعدها ولا يجوز ذلك فيها تقول: إما تزورني وإما أزورك ولا يجوز: وإما فأزورك فبهذين كان قول الأصمعي عندي أصوب القولين.
وكذلك اختلفوا في قول دريد بن الصمة:
لقد كذبتك عينك فاكذبنهافإن جزعا وإنْ أجمال صبر
قال سيبويه: فهذا على إما ولا يكون على إن التي للشرط لأنها
لو كانت للشرط لاحتيج إلى جواب لأن جواب إن إذا ألحقتها الفاء لا يكون إلا بعدها فإن لك تلحقها فقلت: أكرمك إن زرتني سد ما تقدم على حرف الشرط مسد الجواب، ولو ألحقت الفاء فقلت: أكرمك فإن زرتني، لم يسد مسد جواب الشرط فلا بد أن تقول: أكرمك فإن زرتني زدت في إكرامك أو ما أشبه هذا فلذلك بطل أن يكون قوله: فإن جزعا على معنى الشرط وحملت إن على معنى إما وحذفت ما للضرورة والمعنى: فإما جزعت جزعا وإما أجملت إجمال صبر. وقال غير سيبويه: هو على إن التي للشرط والجواب محذوف فكأنه قال: إن كان شأنك جزعا شقيت به وإن كان إجمال بر سعدت به. وقول سيبويه هو القول المعول عليه لأنه غبر مفتقر إلى هذا الحذف الذي هو حذف كان ومرفوعها وحذف جوابين لا دليل عليهما.
الصدع الفتي من الأوعال وواد الأوعال وعل وهو تيس الجبل، وفي الأعصم قولان: قيل هو الذي فر رسغه بياض والرسغ موصل الكف في الذراع وموصل القدم في الساق ويقال لموصل الكف في الذراع المعصم، وقيل: إنه سمي أعصم لاعتصامه في قلة الجبل.
وزعم قوم أن (إنْ) وردت بمعنى (إذْ) واستشهدوا بقوله تعالى: (وذروا ما بقيَ منَ الرّبوا إن كنتمْ مؤمنينَ) فقالوا المعنى: إذ كنتم مؤمنين لأن الخطاب للمؤمنين ولو كانت إن للشرط لوجب أن يكون الخطاب لغير المؤمنين، (ومثله: (ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتمُ الأعلونَ إن
كنتمْ مؤمنينَ))، ومثله أيضاً: (فاللهُ أحقُّ أن تخشوهُ إن كنتم مؤمنينَ). وقال من رد هذا لقول: إن للشرط والمعنى: من كان مؤمناً ترك الربا ومن كان مؤمنا لم يخش إلا الله وهذا أصح القولين.
وقد حكى قطرب أن إن قد جاءت بمعنى قد وهو من الأقوال التي لا ينبغي أن يعرج عليها.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع