من «ما لم ينشر من الأمالي الشجرية» لابن الشجري (ت ٥٤٢هـ)
فصل (٢)
زعم بعض النحويين أن (أنْ) قد استعملت بمعنى إذ في نحو: هجرني زيد أن ضربت عمرا، قال معناه: إذ ضربت واحتج بقول الله
تعالى: (وعجبوا أن جاءهم مُّنذرٌ منهمْ) قال: أراد إذ جاءهم وبقوله: (ألمْ ترَ إلى الَّذي حاجّ إبراهيمَ في ربّهِ أنْ آتاهُ اللهُ الملكَ)، وبقوله: (إنَّا نطمعُ أن يغفرَ لنا ربُّنا خطايانا أن كنَّا أوَّلَ المؤمنينَ)، وبقوله: (ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أنْ يكبرواْ)، وبقوله: (ولا يجرمنَّكمْ شنئانُ قوم أن صدُّكمْ عنِ المسجدِ الحرامِ)، وبقوله: (أفنضربُ عنكمُ الذّكرَ صفحاً أن كنتمْ قوماً مسرفينَ) في قراءة من فتح الهمزة، وبقول الشاعر:
سالتاني الطلاق أن رأتانيقلَّ مالي قد جئتماني بنكر
وبقول جميل:
أحبك أنْ سكنت جبال حسمىوأنْ ناسبت بثنة من قريب
وبقول الفرزدق:
أتغضب أنْ قتيبة حزتاجهارا ولم تغضب لقتل ابن خازم
وهذا قول خال من العربية والصواب أن (أنْ) في الآي المذكورة والأبيات الثلاثة على بابها فهي الفعل الذي وصلت به تأويل مصدر مفعول من أجله فقوله: (وعجبوا أنء جاءهم منذر منهم) استشهد به، ثم أقول أن تقدير إذ في بعض هذه الآي التي استشهد بها يفسد المعنى ويحيله، ألا ترى أن قوله تعالى: (ولا تأكلوها إسرافاً وبدارا أنْ يكبروا) لا يصح إلا بتقدير: من أجل أن يكبروا ويفسد المعنى بتقدير: إذ يكبروا، ثم إذا قدرها في هذه الآية بالظرف الذي هو إذ ونب بها الفعل فحذف نون يكبرون كان فساداً ثانياً.
قول جميل: ناسبت بثنة اسم محبوبته بثينة وإنما كبرها ضرورة والبثنة الزبدة.
النص من طبعة مؤسسة الرسالة ببيروت (١٤٠٥هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع