تجاوز إلى المحتوى

من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

الصفدي ينتقد ابن الأثير في بعض من إنشائه

وأما قول ابن الأثير ﵀ في هذا الفصل الذي قدمته: إلا من ملكه لسانا هجاما وخاطرا رقاما.

فأقول: ما أدري ما أقوله في هذا، أي مناسبة بين هجام ورقام: ثم إن استعارة الرقم للخاطر بعيدة، وإنما الرقم لليد حقيقة وللقلم مجاز. وما معنى اللسان الهجام، ولو قال لسانا قوالا، وخاطرا جوالا، أو لسانا حاد الغرب، وجنانا لا يهاب الحرب، أو لسانا نظاما، وبنانا رقاما، أو ما أشبه ذلك لكان أحسن.

قال في هذا الفصل: ومن وقف على ما ذكرته علم أني لم آت شيئاً فريا، وأن الله قد جعل تحت خاطري من بنات الأفكار سريا.

أقول إنه هنا في مقام تعظيم لما أتى به في فن الكتابة من حل المنظوم والآيات الكريمة، فقوله، شيئاً فريا ينافي هذا المقام، لأن الفري العظيم أو الشيء المختلق المصنوع، فإذا قال: ما أتيت شيئاً عظيما، أو شيئاً مختلقا مصنوعا، لم يكن ذلك مناسبا.

وأما السري فإنه النهر الصغير، ومن ذهب إلى أنه عيسى ﵇، بمعنى أنه واحد من سراة الناس، فإنه غلط منه.

قال لبيد يصف حمر الوحش:

فتوسّطا عرض السّريّ وصدّعامسجورةً متجاوراً قلاّمها
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «عفت الديار محلها فمقامها»

فالسري: النهر الصغير. والمسجورة: صفة للعين المملوءة.

وما أحسن قول أبي المقدام الخزاعي من جملة قصيدته المشهورة في اللغز:

وسريّا رأيته وسط قومماكثا ما يريد عنهم زوالا
تشرب الخمر دونه وسقوهحين دارت رحاهم أبوالا

السري: هو النهر الصغير وعليه سياق الكلام. وسياق الآية الكريمة يدل على بطلان قول من قال هو كناية عن عيسى ﵇ لأنه تعالى قال: " وكلي واشْرَبي " أي كلي من الرطب الجني، واشربي من النهر، وإذا ثبت هذا فما أدري ما معنى قوله تحت خواطري من بنات الأفكار سريا فإن أراد الذي ذهب إليه من زعم السري هو عيسى ﵇، فكان ينبغي له أن يقول سريات لأنه صفة لبنات، وإن كان المراد النهر فلا معنى له.

ولو قال: علم أني امتلأت من ذلك ريا، وأن الله قد جعل تحت فكري من هذا النوع سرياً.

قال أيضاً بعد ذلك: والذي يعلمها منهم يرضى بالحواشي والأطراف، ويقنع من لآلئها بمعرفة ما في الأصداف.

أقول: ما أدري معنى هذه القرينة الثانية ما هو؟ فإنه ما في الأصداف إلا اللؤلؤ ولو قال: ويترك اللآلىء ويضم الأصداف، لكان أحسن.

قال: ولو استخرج منها ما استخرجت، واستنتج منها استنتجت لهام بها في كل واد، وتزود إلى سلوك طريقها كل زاد.

أقول: هذه السجعة الأخيرة محلولة باردة لا معنى تحتها. ولو قال: لهام بها في كل واد، وارتفع لها في مظهر الربا وانخفض في مضمر الوهاد، لكان أحسن.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نصرة الثائر على المثل السائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.