تجاوز إلى المحتوى

من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

ادعاء ابن الأثير الإبداع في رسالة له في ذم الشيب

قال في هذا الفصل: ومن ذلك ما ذكرته في فصل من كتاب يتضمن ذم الشيب فقلت: والعيش كل العيش في سن الحداثة، وما يأتي بعدها فلا يدعى إلا بسن الغثاثة، وليس بعد الأربعين من مصيف للذة ولا مربع، وهي نهاية القوة الصالحة من الطبائع الأربع فإذا تجاوزها المرء أشفت ثمار عمره على خرصها، وصارت زيادته كزيادة التصغير تدل على نقصها، ويصبح بعد ذلك وهو يدعى أبا بعد أن كان يدعى ابنا، ويتقمص من المشيب ثوباً لا يجتر ذيله خيلاء ولا يزهى به حسنا. وإن قيل إن أحسن الثياب شعاراً البياض قيل: إلا هذا الثوب فإنه مستثنى، ويكفيه من الفظاعة أنه ينظر الأحباب إليه نظر القال، ولولا أن الخمود بعده لما استعير له لفظ الاشتعال. ومن الناس من يدلس لونه بصبغة الخضاب، وليس ذلك إلا حدادا على فقد الشباب، وهو في فعله هذا كاذب ولا يخفى أنس الصدق من وحشة الكذاب. وخداع النفس أن تسلو عن بسره المعطلة وقصره المشيد، ويحسن لها الخروج في ثوب مرقع وهي تراه بعين الثوب الجديد ثم قال وبعض هذا مأخوذ من شعر ابن الرومي. وهو قوله:

رأيت خضاب المرء بعد مشيبهحدادا على شرخ الشبيبة يلبس

غير أن في هذا الفصل معاني كثيرة لا توجد في كلام آخر.

أقول: قد ادعى أنه ابتكر ما فيه هذا الفصل من المعاني، وأنا أذكر أبياتا تدل على أخذ كلامه منها.

قال أبو الطيب:

آلة العيش صحةٌ وشبابفإذا وليّا عن المرء ولّى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إن يكن صبر ذي الرزية فضلا»

وقال التهامي أيضاً:

وطري من الدّنيا الشباب وروقهفإذا انقضى فقد انقضت أوطاري
للشاعر التهامي، من قصيدة «حكم المنية في البرية جاري»

وقال ابن أبي حصينة:

كأنّ الفتى يرقى من العيش سلّماإلى أن يجوز الأربعين وينحطّ

وقال سبط التعاويذي:

وعلو السن قد كسر بالشيب نشاطي
للشاعر سبط ابن التعاويذي، من قصيدة «لوت الستون عودي»
كيف سموه عواوهو أخذٌ في انحطاط

وقال أبو الطيب في معنى أن زيادة التصغير نقص:

وكان ابنا عدو كاثراهله يائي حروف أنيسيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وما أحسن قول ابن قلاقس:

في أمر توقيعي وأمري سيرةٌأعيت على الفطن الفصيح الألسن
حكمت زيادته عليه بنقصهكالضيف لما ازداد نون الضّيفن

وقال أبو الطيب:

متى لحظت بياض الشّيب عينيفقد رأت انتقاصي في ازديادي

وقال ابن صردر:

لم أبك أن حلّ المشيب وإنماأبكي لأن يتقارب الميعاد
شعر الفتى أوراقه فإذا ذوىجفّت على آثاره الأعواد
للشاعر صردر، من قصيدة «لم أبك أن رحل الشباب وإنما»

وقال ابن عبد ربه:

وإذا دعونك عمّهنّ فإنهنسبٌ يزيدك عندهن خبالا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «كذبتك عينك أم رأيت بواسط»

وقال أبو الطيب:

أبعد بعدت بياضا لا بياض لهلأنت أسود في عيني من الظلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «ضيف ألم برأسي غير محتشم»

وقال الغزي:

أوهنت زهرة الحياة وأذوتزهرة العيش زهرةٌ في القذال
كاد يخفى عليّ قبل اشتعال الرأس أن الخمود في الاشتعال

قال: ومن هذا المعنى قولي أيضاً: وهو أخذ المكارم من سمائها وأرضها، وقام بنقلها في الناس وفرضها، وتحلى بأسماء الشهور حتى أصبح بعضها حاسدا لبعضها. فالمحرم للعائذ بحرمه، وصفر للطامع في مسعاة قدمه، وربيع لرائد نواله، ورجب لأقوال عذاله. وهذا مأخوذ من قول الفرزدق.

يداك يدٌ ربيع الناس فيهاوفي الأخرى الشهور من الحرام
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «ألستم عائجين بنا لعنا»

وقد قال الشعراء في ذلك كثيرا، ولكني أنا تصرفت تصرفا لم يتصرفه أحد غيري.

أقول: أي تصرف، وما نكر شيئاً إلا وتعرف. وقد استعمل الناس أسماء الشهور فجاؤوا بها عذبة حلوة متمكنة. كقول القائل في بخيل:

تحلّى بأسماء الشهور فكفّهجمادى وما ضمت عليه المحرم

وقال الآخر فأحسن كل الإحسان.

وشادن مبتسم عن حببمورّد الخد مليح الشنب
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة
يلومني العاذل في حبهوما درى شعبان أني رجب
للشاعر مجير الدين ابن تميم، اقرأ القصيدة

كانت العرب تسمى شعبان العاذل، قبل الإسلام، ورجب الأصم.

وما أحسن قول القاضي الفاضل ﵀: تولى الله تحقيق مقصده، وترويق مورده، وتشييد مباني أسعده، وتخليد مغاني سؤدده، حتى تنتظم مواهب الله لديه مثنى وفرادى، ويلبس أمن رجب في شعبان وخصب ربيع في جمادى.

وقوله أيضاً: فهو الماء إلا أنه الزلال، والسحر إلا أنه الحلال، والورد النضر إلا أنه بعيد العهد من الملال، وأيام الوقوف عليه أيام أعياد بين طهارة رمضان وخصب شوال. وقوله أيضاً ويعود إلى ذكر كتابه: فسجد لمحرابه وسلم، وحسب سطوره مباسم تتبسم، ووقف عليه وقوف المحب على الطلل يكلمه ولا يتكلم، وهطل جفنه وقد كان جمادى بدمعه وقد كان على خده المحرم.

وقول ابن سناء الملك:

نشيطة حسن القد والخد والحلىفلم زعموا أن المليحة مكسال
للشاعر ابن سناء الملك، من قصيدة «على خاطري يا شغله منك أشغال»
أطلّ على نسكي بها جهل صبوتيفيا رمضان قد أظلّك شوال

وأما استعمال أسماء الشهور موراة، فمن أحسنها قول القاضي محيي الدين عبد الله بن عبد الظاهر:

إياكم أن تنكروا جعفراذاك الخياليّ وأصحابه
فنيل مصرٍ كم له جعفرٌمخيّل يخرج في بابه

ما أصنع هذين البيتين وألطف هذا التخيل.

وقول ابن قزل:

قد ضجرنا من ماء تل العجولوكرهنا سماع قالٍ وقيل
للشاعر سيف الدين المشد، اقرأ القصيدة
ومن المحنة التي نحن فيهاحر تموز آب في أيلول
للشاعر سيف الدين المشد، اقرأ القصيدة

وقول أسعد بن مماتي:

قد نفث السحر السحروأشبه الزهر الزهر
وبلّ كافور الندىثياب أوراق الشجر
والعندليب مذ رأىمحرّم الروض صفر

وقول السراج الوراق من أبيات:

وأراد اطفاء السراج بها فضاعفت التهابه
وحوى بها طوبى فصار حديثنا في الناس بابه

وقول ابن الساعاتي:

ليوسف يوسفٌ إن أزمةٌ عرضتيخشى فيرجى وفي أحكامه عمر
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «ليوسف يوسف ان ازمة عرضت»
كل الشهور ربيعٌ من فواضلهحيث الخزائن من أمواله صفر
للشاعر ابن الساعاتي، من قصيدة «ليوسف يوسف ان ازمة عرضت»

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نصرة الثائر على المثل السائر»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.