من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
حول ورود أن بعد لما وأثرها في الدلالة على تراخي الزمن
قال في النوع السابع عشر في التكرير، وقد ذكر دخول أن التي ترد بعد لما وادعى أنها إذا دخلت في الكلام دل على أن الفعل لم يكن على الفور، وأنه ثم تراخ ومهلة. وساق قوله تعالى: " فلمّا أنْ جاءَ البشيرُ القاهُ على وَجههِ فارتَدَّ بصيرا ".
وإذا نظر في قصة يوسف مع إخوته منذ ألقوه في الجب وإلى أن جاء البشير إلى أبيه ﵇، وجد أنه كان ثم إبطاء وتراخ بعيد بعيد، ولو لم يكن ثم مدة بعيدة وأمد متطاول، لما جىء بأن بعد لما وقبل الفعل. بل كانت تكون الآية: فلما جاء البشير ألقاه على وجهه. وهذه دقائق ورموز لا توجد عند النحاة لأنها ليست من شأنهم.
أقول: هذا من جناية إعجاب المرء بعقله ورأيه، ألا تراه كيف تصور الخطأ صوابا، ثم أخذ يتبجح بأنه ظفر بما لم يفهمه النحاة ولا يعلوه: أتراه ما نظر إلى هذه الفاء التي هي للتعقيب عقيب ماذا وردت. هل وردت عقيب قوله تعالى: " فلما ذهبوا به وأَجمَعوا أنْ يجعلوه في غَيابَةِ الجُبّ ".. والآيات المتعلقة بواقعة إلقائه في الجب حتى يدعي هذه الدعوى. أو وردت عقيب قوله تعالى: " اذهَبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأتِ بصيرا وأْتوني لأجِدُ ريحَ يُوسفَ لولا أَنْ تُفنِّدونِ. قالوا: تالله إنك لفي ضلالِك بأهلِكُم أَجمعين " إلى قوله تعالى: " ولما فَصَلتِ العِيرُ قال أَبوهم: إني القَديم. فلمّا أنْ جاء البشير " الآيات. فأي تراخ بين هذين من البعد البعيد والمدة المتطاولة؟ إنما كان ذلك كله بقدر المسافة من مصر إلى أرض كنعان، مقام يعقوب ﵇، وهي تكون اثني عشر يوماً وما حولها، ولهذا قال النحاة: إنها هنا زائدة.
قال في هذا النوع أيضاً وقد أورد قول أبي نواس:
أقمنا بها يوماً ويوما وثالثاويوما له يوم التّرحّل خامس
مراده من ذلك أنهم أقاموا أربعة أيام. ويا عجبا له، يأتي بمثل هذا البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات.
أقول: ليس الأمر كما ادعاه من أنه أراد أنهم أقاموا أربعة أيام، بل قد ذهب بعض المتأدبين إلى أن المقام كان سبعة أيام، بدليل أنه أقام يوماً ويوما وثالثا فهذه ثلاثة أيام. ثم قال: ويوما له يوم الترحل خامس فزاد الثلاثة أربعة أخر خامسها يوم الرحيل. وما يشك صاحب الذوق أن هذه العبارة أحسن من قوله: أقمنا بها أسبوعا، وإن كان هذا أخصر في اللفظ، ولكن ذلك له موقع.
سلمنا أن المقام أربعة أيام، ولكنه كرر ذلك لمعنى لم يوجد إلا في هذا التكرار، وهو أن المقام في هذه الحالة مقام وصف لأيام قطعها في لذة، فأخذ يعددها أفرادا غير جملة ويقول: أقمنا بها يوماً ويوما ويوما كالمتلذذ بهيئة كل يوم استحضرها في ذهنه، وما مر لهم فيها من أنواع اللذاذات والمسرات، وهذا أمر متعارف في الخير والشر فيقال: واصلني يوماً في يوم في يوم في يوم، وهجرني يوماً في يوم في يوم في يوم. ومن هذا قول مروان الأصغر:
سقى الله نجدا والسّلام على نجدويا حبذا نجدٌ على النأي والبعد
كرر ذلك تلذذا بذكرها، وتحرقا بالشوق إليها.
ولله المتنبي حيث قال:
أبا شجاعٍ بفارس عضد الدّولة فنّاخسرو شهنشاها
أساميا لم تزده معرفةًوإنما لذّةً ذكرناها
؟ حول الاعتراض قال في النوع الثامن عشر في الاعتراض بعدما أورد قول المضرب السعدي
فلو سألت سراة الحي سلمىعلى أن قد تلوّن بي زماني
لخبّرها بنو أحساب قوميوأعدائي فكلٌ قد بلاني
ومن ذلك قول أبي تمام الطائي:
وإنّ الغنى لي إن لحظت مطالبيمن الشعر إلاّ في مديحك أطوع
أقول: أي شيء رآه في قول أبي تمام حتى يجعله منخرطا في قول المضرب السعدي؟، وأنا لا أعيب البيت من حيث معناه فإنه في غاية الحسن، وإنما أعيبه من حيث تراكيب ألفاظه فإنها بين تقديم وتأخير ضيعا بهجة المعنى وأذهبا طلاوته، ألا ترى أنه يحتاج إلى تقدير وهو: وأن الغنى أطوع لي من الشعر إلا في مدائحك إن لحظت مطالبي. فالمعنى في نفسه في غاية الحسن من البلاغة، والألفاظ ما كأنها إلا عقد الميزان، أو التخطيط الذي يكون في منامات الباذنجان. وما أشبه هذا البيت إلا بقول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملّكاأبو أمه حيٌّ أخوه يقاربه
ومثل قول أبي تمام قول شرف الدين بن الفارض:
هبي قبل يفني الحبّ مني بقيةًأراك بها لي نظرة المتلفّت
والتقدير فيه: هبي لي نظرة المتلفت قبل أن يفني الحب مني بقية أراك بها.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع