من «نصرة الثائر على المثل السائر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
براعة التشبيه في بيت للبحتري
قال وقد أورد قول البحتري:
وتراه في ظلم الوغى فتخالهقمرا يكرّ على الرّجال بكوكب
وفي هذا التشبيه ثلاثة أشياء بثلاثة أشياء، فإنه شبه العجاج بالظلمة، والممدوح بالقمر، والسنان بالكوكب. وهذا من الحسن النادر.
أقول: هذا من أنموذج ما تقدم من قوله في قول الشاعر:
وكأنها وكأن حامل كأسهاالبيتين
هناك وهم الشاعر فقلده، وهنا انفرد هو بالوهم دون البحتري، لأن البحتري ما قال: وتراه في عجاج الحرب إذا كر على الرجال برمحه، قمرا يجول في الظلام بكوكب، ولو كان البيت يفهم منه هذا المعنى، كان تشبيه ثلاثة بثلاثة، وليس في البيت غير تشبيه واحد لأنه قال: تراه في ظلم الوغى فتخاله قمراً.
هذا هو المعنى الذي بني عليه البيت. وأما قوله: يكر على الرجال بكوكب، فمن لواحق القمر ألا ترى أن الجملة في موضع النصب على أنها صفة لقمر.
ومن العجيب أنه ادعى أن البحتري شبه العجاج بالظلم، والبحتري جعل العجاج نفسه ظلاماً. ولو أتى ذكر الظلام في عجز البيت، لدخل في المشبه به واندرج بين القمر والكوكب، وإنما جاء ذكره في أصل المشبه.
وما أحسن قول المعتمد بن عباد:
ولما اقتحمت الوغى دارعاوقنّعت وجهك بالمغفر
حسبنا محيّاك شمس الضحىعليها سحابٌ من العنبر
وقول ابن الزقاق.
لو كنت شاهده وقد غشي الوغىيختال في درع الحديد المسبل
لرأيت منه والحسام بكفهبحرا يريق دم العداة بجدول
وقول الغزي:
وقد سلب الطّعن الأسنّة لونهافعصفر في اللبّات ما كان أزرقا
وأسيافنا في السابغات كأنهاجداول تجري بين زهرٍ تفتّقا
وقوله أيضاً:
وكم رعت من ملومةٍ لا تبين منفوارسها إلا الظبى والحمالق
تخوض النّجيع احمرّ تحت دلاصهكما نبتت حول الغدير الشقائق
وهذا مأخوذ من قول أبي الطيب:
تعوّد أن لا تقضم الحبّ خيلهإذا الهام لم ترفع جنوب العلائق
ولا ترد الغدران إلا وماؤهامن الدّم كالريحان تحت الشّقائق
ومما قلته أنا في هذا النوع:
وسيوفٍ إذا مضت في جراحٍقلت هذا بنفسجٌ في شقيق
ينشد الجسم روحه من ظباهاودماها بين النقا والعقيق
وأما ما يشبه قول البحتري الذي أورده ابن الأثير، فقول أبي فراس فيما أظن:
وقفلت عنهم غانما وقلوبهمفيها لخوفك عسكرٌ جرّار
وأتيت يقدمك السّنان كما أتىقبل الصباح الكوكب الغّرار
قال: ومن التشبيهات الباردة قول أبي الطيب:
وجرى على الورق النجيع القانيفكأنه النارنج في الأغصان
أقول: لعمري إنه معذور في هذا، وهو من سقطات المتنبي التي ينحط فيها، وهذا البيت من تلك القصيدة التي افتتحها بقوله:
الرأي قبل شجاعة الشجعانهو أولٌ وهي المحلّ الثاني
الأبيات الخمسة.
فانظر إلى هذا الافتتاح، وما أتبعه من الحكم والأمثال مع الفصاحة والبلاغة وفي هذه القصيدة مثل قوله:
وتوهموا اللعب والوغى والطعن في الهيجاء غير الطعن في الميدان
ومنها يصف العدو المنهزم:
يغشاهم مطر السحاب مفصّلابمهنّدٍ ومثقّفٍ وسنان
وقبل البيت الذي أورده ابن الأثير:
قد سوّدت شجر الجبال شعورهمفكأنّ فيه مسفة الغربان
ولما عكس أبو المطرف بن أبي بكر المخزومي معنى أبي الطيب في تشبيه نارنجة في نهر جاء حسنا. فإنه قال:
ومنظرٍ أرّقني حسنهمن أزرقٍ ينساب كالأرقم
أبصرته يحمل نارنجةًطافيةً حمراء كالعندم
ودرّجت ريح الصبا متنهلمّا انبرت وهي به ترتمي
فخلته سيف وغىً مصلتاهزّ وفيه قطرةٌ من دم
وقال ابن فتحون في ذلك:
والماء فوق صفائه نارنجةٌتطفو به وعجاجه يتموّج
حمراء قانية الأديم كأنّهاوسط المجرّة كوكبٌ يتوهّج
فأتى بالمعنى في بيتين، وأبو المطرف في أربعة فأطال.
وذكرت بقول أبي المطرف، قول القاضي عياض رحمه الله تعالى:
كأنّما الزرع وخاماتهوقد تبدّت فيه أيدي الرياح
كتائب تجفل مهزومةًشقائق النّعمان فيها جراح
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع