من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
التحميدات الَّتِي صدرت بهَا بعض التواليف المصنفات وَهِي بعض من كل ويسير من جلّ (٢)
قربه، ورهين طَاعَته وحبه، المتوسل بِهِ إِلَى رضى الله وربه، يُوسُف بن إِسْمَاعِيل ابْن نصر، كتبه إِلَيْك يَا رَسُول الله، والدمع ماح، وخيل الوجد ذَا جماح، عَن شوق يزْدَاد، كلما نقص الصَّبْر، وانكسار لَا يتاح لَهُ إِلَّا بدنو مزارك الْجَبْر، وَكَيف لَا يعي مشوقك الْأَمر، وتوطى على كبده الْحجر، وَقد مطلت الْأَيَّام بالقدوم على ترتبك المقدسة اللَّحْد، ووعدت الآمال ودانت بإخلاف الْوَعْد، وَانْصَرف الرفاق، وَالْعين بإثر ضريحك مَا اكتحلت، والركايب إِلَيْك مَا ارتحلت، والعزايم قَالَت وَمَا فعلت، والنواظر فِي تِلْكَ الْمشَاهد الْكَرِيمَة لم تسرح، وَظُهُور الآمال عَن ركُوب الْعَجز لم تَبْرَح، فيا لَهَا من معاهد، فَازَ من حياها، ومشاهد مَا أعطر رياها. بِلَاد نيطت بهَا عَلَيْك التمايم، وأشرقت بنورك مِنْهَا النجُود والتهايم، وَنزل فِي حجراتها عَلَيْك الْملك، وانجلى بضيا فرقانك فِيهَا الحلك. مدارس الْآيَات والسور، ومطالع المعجزات [السافرة الْغرَر]، حَيْثُ قضيت الْفُرُوض وحتمت، وافتتحت سور الْوَحْي وختمت، وأبدئت الْملَّة الحنيفية وتممت، وَنسخت الْآيَات وأحكمت. أما وَالَّذِي بَعثك بِالْحَقِّ هاديا، وأطلعك لِلْخلقِ نورا باديا، لَا يطفي غلتي إِلَّا شربك، وَلَا يسكن لوعتي إِلَّا قربك، فَمَا أسعد من أَفَاضَ من حرم الله إِلَى حَرمك، وَأصْبح بعد أَدَاء، مَا فرضت، عَن الله ضيف كرمك، وعفر الخد فِي معاهدك، ومعاهد أسرتك، وَتردد مَا بَين دَاري بَعَثْتُك وهجرتك. وَإِنِّي لما عاقتني عَن زيارتك العوايق، وَإِن كَانَ شغلي عَنْك بك، وصدتني الأعدا فِيك عَن وصل سببي يسببك، وأصبحت
بَحر تتلاطم أمواجه، وعدو تتكاثف أفواجه، ويحجب الشَّمْس عِنْد الظهيرة عجاجه، فِي طايفة من الْمُؤمنِينَ، بك وطنوا على الصَّبْر نُفُوسهم، وَجعلُوا التَّوَكُّل على الله وَعَلَيْك لبوسهم، وَرفعُوا إِلَى مصارختك رؤوسهم، واستعذبوا فِي مرضاة الله ومرضاتك نُفُوسهم، يطيرون من هيعة إِلَى أُخْرَى، وينفلتون، والمحاربون عَن يمنى ويسرى، ويقارعون وهم الفئة القليلة، جموعا كجموع قَيْصر وكسرى، لَا يبلغون [من عَدو هُوَ الذَّر عِنْد] انتشاره معشار معشاره، قد باعوا من الله الْحَيَاة الدُّنْيَا، لِأَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا، فيا لَهُ من سرب مروع [وصريخ عَنْك مَمْنُوع] وَدُعَاء إِلَيْك وَإِلَى الله مَرْفُوع، وصبية حمر الحواصل، تخفق فَوق أوكارها أَجْنِحَة المناصل، والصليب قد تمطى يمد ذِرَاعَيْهِ، وَرفعت الأطماع بضبعيه، وَقد حجبت بالقتام السما، وتلاطمت أمواج الْحَدِيد، والبأس الشَّديد فَالتقى المَاء وَلم يبْق إِلَّا الذما، وعَلى ذَلِك فَمَا ضعفت البصاير، وَلَا ساءت الظنون، وَمَا وعد بِهِ الشهدا تعتقده الْقُلُوب، حَتَّى تكَاد تشاهده الْعُيُون، إِلَى أَن أتلقاك غَدا إِن شَاءَ الله، وَقد أبلينا الْعذر، وأرغمنا الْكفْر، وأعملنا فِي سَبِيل الله وسبيلك الْبيض والسمر. استنبت رقعتي هَذِه إِلَيْك لتطير بجناح خافق، [وتشعر نيتي] الَّتِي تصحبها برفيق مرافق، فَيُؤَدِّي عَن عَبدك ويبلغ، ويعفر الخد فِي تربك ويمرغ، ويطيب بريا معاهدك الطاهرة وبيوتك، وَيقف وقُوف الْخُشُوع والخضوع تجاه تابوتك، وَيَقُول بِلِسَان التملق، عِنْد التشبث بأسبابك، والتعلق منكسرة الطّرف، حذرا بمرجها من عدم الصّرْف، يَا غياث الْأمة وغمام الرَّحْمَة، ارْحَمْ غربتي وانقطاعي، وتغمد بطولك، قصر باعي، وقو على هيئتك خور طباعي. فكم جزت من لج مهول، وَجَبت من حزون وسهول، وقابل بِالْقبُولِ نيابتي،
وَعجل بِالرِّضَا إجَابَتِي، وَمَعْلُوم من كَمَال تِلْكَ الشيم، وسخاء تِلْكَ الديم، أَن لَا يخيب قصد من حط بفنايها، وَلَا يظمأ وَارِد أكب على مَا يها. اللَّهُمَّ يَا من جعلته أول الْأَنْبِيَاء بِالْمَعْنَى، وَآخرهمْ بالصورة، وأعطيته لِوَاء الْحَمد، يسير آدم فَمن دونه، تَحت ظلاله المنشورة وملكت أمته، مَا زوى لَهُ من زَوَايَا البسيطة المعمورة، وجعلتني من أمته المجبولة على حبه، المؤملة لقُرْبه [المفطورة، وشوقتني إِلَى معاهده المبرورة ومشاهده المزورة] ووكلت لساني بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ، وقلبي بالحنين إِلَيْهِ، ورغبتني فِي التمَاس مَا لَدَيْهِ، فَلَا تقطع عَنهُ أسبابي وَلَا تحرمني فِي حبه أجر ثوابي، وتداركني بِشَفَاعَتِهِ، يَوْم أَخذ كتابي. هَذِه يَا رَسُول الله وَسِيلَة من بَعدت دَاره، وشط مزاره، وَلم يَجْعَل بِيَدِهِ اخْتِيَاره. فَإِن لم تكن [هَذِه] للقبول أَهلا، فَأَنت للإغضاءٌ [والسمح] أهل، وَإِن كَانَت ألفاظها وعرة، فجنابك للقاصدين سهل، وَإِذا كَانَ الْحبّ يتوارث كَمَا أخْبرت، وَالْعُرُوق تدس، حَسْبَمَا إِلَيْهِ أَشرت، فلى بانتسابي إِلَى سعد عميد أنصارك [مزية] ووسيلة أثيرة خُفْيَة، فَإِن لم يكن لي عمل أرتضيه فلي نِيَّة، فَلَا تنسني، وَمن بِهَذِهِ الجزيرة [الَّتِي افتتحت] بِسيف كلمتك، على أَيدي خير أمتك، فَإِنَّمَا نَحن وَدِيعَة تَحت بعض أقفالك، نَعُوذ بِوَجْه رَبك من إغفالك، ونستنشق من ريح عنايك نفحة، ونرتقب من محيا قبولك لمحة، ندافع بهَا عدوا طَغى وبغى، وَبلغ من مضايقتنا مَا ابْتغى. فمواقف التمحيص قد أعيت من كتب وأرخ، وَالْبَحْر قد أصمتت [بواعث لججه] من استصرخ، والطاغية فِي الْعدوان
مستبصر، والعدو محلق [وَالْمولى منصر]. وبجاهك نستدفع مَا لَا نطيق، وبعنايتك نعالج سقيم الدّين فيفيق [فَلَا تفردنا وَلَا تهملنا وناد رَبك فِينَا رَبنَا لَا تحملنا، وطوايف أمتك حَيْثُ كَانُوا عناية مِنْك تكفيهم] وَرَبك يَقُول وَقَوله الْحق: وَمَا كَانَ الله ليعذبهم وَأَنت فيهم. وَالصَّلَاة وَالسَّلَام عَلَيْك يَا خير من طَاف وسعى، وَأجَاب دَاعيا إِذا دَعَا، وَصلى على جَمِيع آحزابك وآلك بِمَا يَلِيق بجلالك ويحق لكمالك، وعَلى ضجيعيك وصديقيك وحبيبيك ورفيقيك، خلفيتك فِي ملتك، وفاروقك الْمُسْتَخْلف بعده على ملتك، وصهرك ذُو النورين، الْمَخْصُوص ببرك وتجلتك، وَابْن عمك سَيْفك المسلول على [حلتك] بدر سمايك، ووالد أهلتك، [وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْك وَعَلَيْهِم كثيرا] وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته. وَكتب بِجَزِيرَة الأندلس، غرناطة، صانها الله ووقاها، وَدفع عَنْهَا ببركتك كيد عَداهَا.
وكتبت لهَذَا الْعَهْد عَن وَلَده أَمِير الْمُسلمين أبي عبد الله إِلَى ضريح رَسُول الله ﷺ، وضمنت ذَلِك مَا فتح الله بِهِ عَلَيْهِ وَسَاقه من الفتوحات السنيات إِلَيْهِ، وَفِي أَوَائِل عَام أحد وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة
دعَاك بأقصى المغربين غَرِيبوَأَنت على بعد المزار قريب
مدل بِأَسْبَاب الرجا وطرفهغضيض على حكم [الْمحيا ويهيب]
يُكَلف قرص الْبَدْر حمل تَحِيَّةإِذا مَا هوى وَالشَّمْس حِين تغيب
لنرجع من تِلْكَ المعالم غدْوَةوَقد ذاع من ورد التَّحِيَّة طيب
ونستودع الرّيح الشمَال شمايلامن الْحبّ لم يعلم بِهن رَقِيب
وَيطْلب فِي جيب الْجنُوب جوابهاإِذا مَا أطلت والصباح منيب
ويستفهم الْكَفّ الخضيب ودمعهغراما بحناء النجيع خضيب
وَيتبع آثَار الْمطِي مشيعاوَقد زَمْزَم الْحَادِي وحن نجيب
إِذا آثر الأحباب لاحت مُحَاربًايخد عَلَيْهَا رَاكِعا وينيب
ويلقى ركاب الْحَج وَهِي قوافلطلاح وَقد لبا للنداء لَبِيب
فَلَا قَول إِلَّا أَنه وتوجعوَلَا حول إِلَّا زفرَة ونحيب
غليل وَلَكِن من قبولك منهلعليل ولاكن من رضاك طَبِيب
أَلا لَيْت شعري والأماني ضلةوَقد تخطىء الآمال ثمَّ تصيب
أينجد نجد بعد شط مزارهوَيكْتب بعد الْبعد مِنْهُ كثيب
وتقضي ديوني بعد مَا مطل المداوَينفذ بيعي وَالْمَبِيع معيب
وَهل [اقْتضى دهري] فيسمح طالعاوأدعو بحظي مسمعا فيجيب
وَيَا لَيْت شعري هَل لحومي موردلديك وَهل لي فِي رضاك نصيب
وَلَكِنَّك الْمولى الْجواد وجارهعلى أَي حَال كَانَ لَيْسَ يخيب
وَكَيف يضيق الذرع يَوْمًا بقاصدوَذَاكَ الجناب المستجار رحيب
وَمَا هاجني إِلَّا تألق بارقيلوح بفود اللَّيْل مِنْهُ مشيب
ذكرت بِهِ ركب الْحجاز وجيرةأهاب بهَا نَحْو الحبيب مهيب
فَبت وجفني من لآلىء دمعهغنى وصبري للشجون سليب
تريحني الذكرى ويهفو بِي الجوىكَمَا مَال غُصْن فِي الرياض رطيب
وأحضر تعليلا لشوقي بالمنىويطرق وجد غَالب فأغيب
مناي لَو أَعْطَيْت الْأَمَانِي زورةيبث غرام عِنْدهَا ووجيب
فَقَوْل حبيب إِذْ يَقُول تشوقاعَسى وَطن يدنو إِلَيّ حبيب
تعجبت من سبقي وَقد جَاوز الفضاوقلبي فَلم يسكبه مِنْهُ مذيب
وأعجبت أَن لَا يورق الرمْح فِي يَديوَمن فَوْقه غيث الشوق سكيب
فياسرح ذَلِك الْحَيّ لَو أخلف الحيالأغناك من صوب الدُّمُوع صبيب
وَيَا هَاجر الجو الجديب تلبثافعهدي رطب الْجَانِبَيْنِ خصيب
وَيَا قَادِح الزند الشجاح ترفقاعَلَيْك فشوقي الْخَارِجِي شبيب
أيا خَاتم الرُّسُل المكين مَكَانَهُحَدِيث الْغَرِيب الدَّار فِيك غَرِيب
فُؤَادِي على جمر البعاد فِيك مُقَلِّبيماح عَلَيْهِ للدموع قليب
فوَاللَّه مَا يزْدَاد إِلَّا تلهفالأبصرت مَاء ثار عَنهُ لهيب
فليلته ليل السَّلِيم ويومهإِذا شدّ للشوق العصاب عصيب
هُدَايَ هوى فِيك اهتديت بنورهومنتسبي للصحب مِنْك نسيب
وحسبي علا أَنِّي لصحبك منتموللخزرجيين الْكِرَام نسيب
عدت عَن مغانيك المشوقة للعداعقارب لَا يخفي لَهُنَّ دَبِيب
حراص على إطفاء نور قدحتهفمستلب من [دونهَا ونسيب]
فكم من شَهِيد فِي رضاك مجدليظلله نسر وَينْدب ديب
تمر الرِّيَاح الغفل فَوق كلومهمفتعبق من أنفاسها وتطيب
بنصرك عَنْك الشّغل من غير منَّةوَهل يتساوى مشْهد ومنيب
فَإِن صَحَّ مِنْك الْحَظ طاوعت المناوَيبعد مرمى السهْم وَهُوَ مُصِيب
ولولاك لم تعجم من الرّوم عودهَافعود الصَّلِيب الأعجمي صَلِيب
وَقد كَانَت الْأَحْوَال لَوْلَا مراغبضمنت ووعد بالظنون تديب
فَمَا شيت من نصر عَزِيز وأنعمآثاب بِهن الْمُؤمنِينَ مثيب
مَنَابِر عز أذن الْفَتْح فَوْقهَاوأفصح للعضب الطرير خطيب
تقود إِلَى هيجائها كل صاهلكَمَا ريع مَكْحُول اللحاظ ربيب
ونجتاب من سود الْيَقِين مدارعايكيفها من يجتني ويثيب
إِذا اضطرت الخطى حول غديرهايروقك مِنْهَا لجة وقضيب
فعذرا وإغضاء وَلَا تنس صَارِخًابعزك يَرْجُو أَن يُجيب مُجيب
وجاهك بعد الله نرجو وَإنَّهُلحظ حلى بِالْوَفَاءِ رغيب
عَلَيْك سَلام الله مَا طيب الفضاعَلَيْك مطيل بالثناء مُطيب
وَمَا اهتز قد للغصون مرنحوَمَا افتر ثغر للبروق شنيب
إِلَى حجَّة الله، الْمُؤَيد ببراهين أنواره، وفايدة الْكَوْن ونكتة أدواره وصفوة نوع الْبشر ومنتهى أطواره، إِلَى الْمُجْتَبى، وموجود الْوُجُود، لم يغن بِمُطلق الْجُود عديمه، والمصطفى من ذُرِّيَّة آدم، قبل أَن يكسو الْعِظَام أديمه، الْمَخْتُوم فِي الْقدَم، وظلمات الْعَدَم، عِنْد صدق الْقدَم [تَقْدِيمه وتفضيله]، إِلَى وَدِيعَة النُّور، الْمُنْتَقل فِي الجباه الْكَرِيمَة وَالْغرر، [ودرة الْأَنْبِيَاء الَّتِي لَهَا الْفضل على
الدُّرَر]، وغمام الرَّحْمَة الهامية الدُّرَر، إِلَى مُخْتَار الله الْمَخْصُوص باجتبايه، وحبيبه الَّذِي لَهُ المزية على أحبايه، من ذُرِّيَّة أَنْبيَاء الله آبايه. إِلَى الَّذِي شرح صَدره وغسله، ثمَّ بَعثه وَاسِطَة بَينه وَبَين الْعباد، وأرسله، وَأتم عَلَيْهِ إنعامه، الَّذِي أجزله، وَأنزل عَلَيْهِ من [النُّور وَالْهدى] مَا أنزلهُ. إِلَى بشرى الْمَسِيح والذبيح، وملهم التَّجر الربيح، الْمَنْصُور بِالرُّعْبِ وَالرِّيح، الْمَخْصُوص بِالنّسَبِ الصَّرِيح. إِلَى الَّذِي جعله فِي المحول غماما، وللأنبياء إِمَامًا، وشق صَدره لتلقي روح أمره غُلَاما، وَأعلم بِهِ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل إعلاما، وَعلم الْمُؤمنِينَ صَلَاة عَلَيْهِ وَسلَامًا. إِلَى الشَّفِيع الَّذِي لَا ترد فِي العصاة شَفَاعَته، والوجيه الَّذِي قرنت بِطَاعَة الله طَاعَته، والرؤوف الرَّحِيم، الَّذِي خلصت إِلَى الله فِي أهل الجرايم ضراعته، صَاحب الْآيَات الَّتِي لَا يسع ردهَا، والمعجزات الَّتِي أربى على الْألف عدهَا. فَمن قمر يشق، وجذع يحن لَهُ وَحقّ، وبنان يتفجر بِالْمَاءِ، فَيقوم بري الظماء، [وَطَعَام يشْبع الْجمع الْكثير يسيره، وغمام] يظلل بِهِ مقَامه ومستقره خطيب الْمقَام الْمَحْمُود، إِذا كَانَ الْعرض، وَأول من تشق عَنهُ الأَرْض [ووسيلة الله الَّتِي مَا أقْرض الْقَرْض] وَلَا عرف النَّفْل وَالْفَرْض، مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف الْمَحْمُود الْخلال من ذِي الْجلَال، الشاهدة بصدقه صحف الْأَنْبِيَاء وَكتب الْإِرْسَال، وآياته الَّتِي أثلجت الْقُلُوب بِبرد الْيَقِين السلسال، صلى الله عَلَيْهِ، مَا در شارق، وأومض بارق، وَفرق بَين الْيَوْم الشامس وَاللَّيْل الدامس فَارق، صَلَاة تتأرج عَن شذا الدَّهْر، وتنبلج عَن سنا
الْكَوَاكِب الزهر، وتتردد بَين السِّرّ والجهر، وتستغرق سَاعَات النَّهَار، وَأَيَّام الشَّهْر، وتدوم بدوام الدَّهْر، من عبد هداه، ومستقري مواقع نداه، ومزاحم أنصاره فِي منتداه، وَبَعض سهامه المفوقة إِلَى [نحور] عداهُ، مُؤَمل الْعتْق من النَّار بِشَفَاعَتِهِ، ومحرز طَاعَة الْجَبَّار بِطَاعَتِهِ، الآمن باتصال رعيه، من إهمال الله وإضاعته، متخذ الصَّلَاة عَلَيْهِ وسايل نجاة، وذخاير فِي الشدايد أَي مرتجاة، ومتاجر بضايعها غير مزجاة، الَّذِي مَلأ بحبه جوانح صَدره، وَجعل فكره هَالة لبدره، وَأوجب قدره، على قدر العَبْد لَا على قدره، مُحَمَّد بن يُوسُف بن نصر الْأنْصَارِيّ الخزرجي، نسيب سعد بن عبَادَة من أَصْحَابه، وبوارق سحابه، وسيوف نصرته، وأقطاب دَار هجرته، ظلله الله يَوْم الْفَزع الْأَكْبَر، من رضاك عَنهُ، بظلال الْأمان، كَمَا أنار قلبه من هدايتك بأنوار الْهدى وَالْإِيمَان، وَجعله من أهل السياحة فِي فضاء حبك والهيمان. كتبه إِلَيْك يَا رَسُول الله، واليراع يَقْتَضِي مقَام الهيبة، صفرَة لَونه، والمداد يكَاد أَن يحول سَواد جونه، وورقة الْكتاب، يخْفق فؤادها حرصا على حفظ اسْمك الْكَرِيم وصونه، والدمع يقطر، فتنقط بِهِ الْحُرُوف، وتفصل الأسطر، وتوهم المثول بمثواك الْمُقَدّس، لَا يمر بالخاطر سواهُ وَلَا يخْطر، عَن قلب بالبعد عَنْك قريح، وجفن بالبكاء جريح، كلما هَب من أَرْضك نسيم ريح، وانكسار لَيْسَ لَهُ إِلَّا جبرك، واغتراب لَا يُونُس فِيهِ إِلَّا قربك، وَإِن لم يقْض فقبرك. وَكَيف لَا يسلم فِي مثلهَا الأسى، ويوحش الصَّباح المسا، ويرجف جبل الصَّبْر بعد مَا رسى، لَوْلَا وَلَعَلَّ وَمَا وَعَسَى. فقد سَارَتْ الركاب إِلَيْك، وَلم يقْض مسير، وحومت الأسراب عَلَيْك، والجناح كسير، ووعدت الْأَمْلَاك فأخلفت، وَحلفت العزايم،
فَلم تف بِمَا حَلَفت، وَلم تحصل النَّفس من تِلْكَ الْمعَاهد ذَات الشّرف الأمثل، إِلَّا على التَّمْثِيل، وَلَا من المعالم الملتمسة التَّنْوِير، إِلَّا على التَّصْوِير، مهبط وَحي الله، ومتنزل أسمايه، ومتردد ملايكة سماية، ومرافق أوليائه، وملاحد خيرة [أَصْحَاب] أنبيائه، رَزَقَنِي الله الرضى بقضايه، وَالصَّبْر على جاحم الْبعد ورمضايه.
من حَمْرَاء غرناطة [حرسها الله] دَار ملك الْإِسْلَام بالأندلس، قاصيه سبلك، ومسلحة رجلك، يَا رَسُول الله وخيلك، وأنأى مطارح دعوتك، ومساحب ذيلك، حَيْثُ مصَاف الْجِهَاد، فِي سَبِيل الله وسبيلك، قد ظللها القتام، وشهبان الأسنة أطلعت مِنْهُ الإعتام، وأسواق بيع النُّفُوس من الله، قد تعدد لَهَا الأيامي والأيتام، حَيْثُ الْجراح قد تحلت بعسجد نجيعها النحور، وَالشُّهَدَاء تحف بهَا الْحور، والأمم الغريبة، قد قطعتها عَن المدد البحور، حَيْثُ المباسم المفترة، تجلوها المصارع الْبرة، فتجيبها بالعدا ثغور الأزاهر، وتندبها المفترة، تجلوها المصارع الْبرة، فتجيبها بالعدا ثغور الأزاهر، وتندبها صوادح الأدواح، برنات تِلْكَ المزامر، [وتحلى السَّحَاب أشلاؤها المعطلة من طلها بالجواهر] حَيْثُ الْإِسْلَام من عدوه المكايد بِمَنْزِلَة قَطْرَة من عَارض غمام، وحصاة من نثير أَو سمام، وَقد سدت الطَّرِيق، وَأسلم للفراق الغريق، وأغص الرِّيق، ويئس من السَّاحِل الغريق. إِلَّا أَن الْإِسْلَام بِهَذِهِ الْجِهَة المستمسكة بِحَبل الله وحبلك، المهتدية بأدلة سبلك، سَالم وَالْحَمْد لله من الانصداع، محروس بِفضل الله من الابتداع، مقدود من جَدِيد الْملَّة، مَعْدُوم فِيهِ وجود الطوايف المضلة، إِلَّا مَا يخص الْكفْر من هَذِه الْعلَّة، والاستظهار على جمع
الْكَثْرَة من جموعه بِجمع الْقلَّة. ولهذه الْأَيَّام يَا رَسُول الله أَقَامَ الله أوده برا بِوَجْهِك الْوَجِيه، ورعيا، وإنجازا [بوعدك وسعيا]، وَهُوَ الَّذِي لَا يخلف وَعدا، وَلَا يخيب سعيا، وَفتح لنا فتوحات، أشعرتنا بِرِضَاهُ عَن وطننا الْغَرِيب، وبشرتنا مِنْهُ تَعَالَى بتغمد التَّقْصِير ورفيع التثريب، وَنَصَرنَا وَله الْمِنَّة، على عَبدة الصَّلِيب، وَجعل لألفنا الرديني، ولامنا السردي حكم التغليب. وَإِذا كَانَت الموالى الَّتِي طرقت الْأَعْنَاق مننها، وقررت العوايد الْحَسَنَة سَيرهَا وسننها. تبادر إِلَيْهَا نوابها الصرما، وخدامها النصحا، بالبشاير والمسرات، الَّتِي تشاع فِي العشاير، وتجلو لَدَيْهَا نتايج أيديها، وغايات مباديها، وتتاحفها ونهاديها بمجابى جناتها، وأزاهر غواديها، وتطرف محاضرها بِطرف بواديها، فبابك يَا رَسُول الله أولى بذلك وأحق، وَلَك الْحق الْحق، وَالْحر منا عَبدك المسترق. حَسْبَمَا سجله الرّقّ، وَفِي رضاك من كل من يلْتَمس رِضَاهُ المطمع، ومثواك الْمجمع. وملوك الْإِسْلَام فِي الْحَقِيقَة عبيد سيرتك المؤملة، وخول مثابتك المحسنة بِالْحَسَنَاتِ المحملة، وشهب تعشى إِلَيّ بدورك المكملة، ومحض سيوفك المقلدة فِي سَبِيل الله المحملة، وحرسة مهادك، وَسلَاح جهادك وبروق عهادك. وَإِن مكفول احترامك الَّذِي لَا يخفر، وربي إنعامك الَّذِي لَا يكفر، وملتحف جهادك الَّذِي بمجاذيته بشفاعتك إِن شَاءَ الله وَيغْفر، يطالع رَوْضَة الْجنَّة، المفتحة أَبْوَابهَا بمثواك، ويفاتح رضوَان الْقُدس الَّذِي أحبك وحواك، وينشر بضايع الصَّلَاة عَلَيْك بَين يَدي الضريح الَّذِي طواك، وبعرض جنى مَا غرست
وبذرت، ومصداق مَا بشرت بِهِ [لما بشرت] وأنذرت، وَمَا انْتهى إِلَيْك طلق جهادك، ومصب عمادك، لتقر عين نصحك الَّذِي أَنَام الْعُيُون الساهرة هجوعها، وَأَشْبع الْبُطُون وَرَوَاهَا ظمأها، من الله وجوعها. وَإِن كَانَت الْأُمُور بمرأى من عين عنايتك، وغيبها متعرف بَين إفصاحها وكنايتك، ومحملة يَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْك] وَبلغ وسيلتي إِلَيْك]، وَهُوَ أَن الله سُبْحَانَهُ، لما عرفني لطفه الْخَفي فِي التمحيص الْمُقْتَضى عدم المحيص، ثمَّ فِي التَّخْصِيص المغنى بعيانه عَن التَّنْصِيص، وَوَافَقَ ببركاتك السارية رحماها فِي الْقُلُوب، ووسايل محبتك العايدة بنيل الْمَطْلُوب، إِلَى استفادة عظة وَاعْتِبَار، واغتنام إقبال بعد إدبار، ومزيد استبصار، واستعانة بِاللَّه واستنصار، فسكن هبوب الْكفْر بعد إعصار، وَحل مخنق الْإِسْلَام بعد حِصَار. وَجَرت على سنَن السّنة بِحَسب الِاسْتِطَاعَة والْمنَّة السِّيرَة، وجبرت بجاهك الْقُلُوب الكسيرة، ويسرت المآرب العسيرة، وَرفع بيد الْعِزَّة الضيم، وكشف بِنور البصيرة الْغَيْم، وَظهر الْقَلِيل على الْكثير، وباء الْكفْر بخطة التعثير، واستوى الدّين الحنيف على المهاد الوثير. فاهتبلنا يَا رَسُول الله غرَّة الْعَدو وانتهزناها، وشمنا صوارم [عزة الْعَدو] وهززناها، وَأَرِحْنَا علل الجيوش وجهزناها، فكانء
مَا ساعد عَلَيْهِ الْقدر، والحظ المبتدر، والورد الَّذِي حسن مِنْهُ الصَّدْر، أننا عاجلنا مَدِينَة برغة، وَقد جدعت الْأُخْتَيْنِ، مالقة ورندة، من مداين دينك، وخزاين ميادينك أكواس الْفِرَاق، وأذكرت مثل من بالعراق، وسدت طرق التزاور على الطراق، وأسالت المسيل بالنجيع المراق، فِي مراصد المُرَاد والمذاق، ومنعت المراسلة مَعَ هدى الْحمام، لَا بل مَعَ طيف الْمَنَام، عِنْد الإلهام، فيسر الله اقتحامها، وألحمت بيض الشفار، فِي رُؤُوس الْكفَّار ألحامها، وأزالت بشر السيوف من بَين تِلْكَ الْحُرُوف أقحامها، فَانْطَلق المسرى، واستبشرت الْقَوَاعِد الحسرى، وعدمت طريقها المخيف مصَارِع الصرعى [ومثاقب الأسرى]، وَالْحَمْد لله على فَتحه الْأَسْنَى ومنحه الأسرى، وَلَا إِلَه إِلَّا الله، هُوَ منفل قَيْصر وكسرى، وفاتح مغلقاتها المنيعة قسرا، وَاسْتولى الْإِسْلَام مِنْهَا على قَرَار جنَّات، وَأم بَنَات، وقاعدت حصون، وشجرة غصون، طهرت مساجدها المغتصبة المكرمة، وفجع فِيهَا الْفِيل إِلَّا فيل أَبْرَهَة، وَانْطَلَقت بِذكر الله أَلْسِنَة المذرهة، وفاز بسبق ميدانها جياده الفرهة، هَذَا وطاغية الرّوم، على توفر جموعه، وهول مرئيه ومسموعه، قريب جواره، بِحَيْثُ يتَّصل خواره [وَقد عَرك إِلَيْهَا الْحِين حواره] ثمَّ نَازل الْمُسلمُونَ، بعْدهَا شجا الْإِسْلَام الَّذِي أعيا النطاسي علاجه، وكر هَذَا الْقطر الَّذِي لَا يطاول أَعْلَامه، وَلَا يصاول أعلاجه، وركاب الغارات
الَّتِي تطوي المراحل، إِلَى مكايدة الْمُسلمين طي البرود، وجحر الْحَيَّات الَّتِي لَا تخلع على اخْتِلَاف الْفُصُول، جُلُود الزرود، ومنغص الْوُرُود، فِي العذب البرود، ومقض الْمضَاجِع، وحلم الهاجع، ومجز الْخطب الفاجي الفاجع ومستدرك فاتكة الرَّاجِع قبل هبوب الطاير الساجع، حصن أشر حماه الله، دُعَاء لَا خَبرا، كَمَا جعله للمتفكرين فِي قدرته مُعْتَبرا، فأحاطوا بِهِ إخاطة القلادة بالجيد، وأذلوا عزته بعزة ذِي الْعَرْش الْمجِيد، وحفت بِهِ الرَّايَات يسمهَا وسمك، [ويلوح فِي صفحاتها اسْم الله واسمك]، فَلَا ترى إِلَّا نفوسا تتزاحم على موارد الشَّهَادَات أسرابها، وليوثا يصدق طعناها فِي الله وضرابها، وَأرْسل الله عَلَيْهَا رجزا إسرايليا من جَراد السهاد، تشذ آيَاته عَن الأفهام، وسدد إِلَى جبل النُّفُوس الْقَابِلَة للإلهام، من بعد الإستغلاق والاستبهام، وَقد عبئت جوارح صخوره فِي قنايص الْهَام، وأعيا صعبه على الْجَيْش اللهام، فَأخذ مسايفة النَّقْض والنهب، ورغا فَوق أَهله الصقب، ونصبت المعارج والمراقي، وفرغت المناكب والتراقي، واغتنم الصادقون من الله الْحَظ الْبَاقِي، وَقَالَ الشَّهِيد المسابق يَا فوز استباقي. وَدخل الْبَلَد، فألحم السَّيْف، واستلب البحت والزيف، ثمَّ استخلصت القصبة، فعلت أعلامك فِي أبراجها المشيدة، وظفر نَاشد دينك مِنْهَا بالنشيدة، وشكر الله فِي قَصدهَا مساعي النصايح الرشيدة، وَعمل مَا يرضيك يَا رَسُول الله فِي سد ثلمها، وهون مستلمها، ومداواة ألمها، حرصا على الِاقْتِدَاء فِي مثلهَا بأعمالك والاهتداء بمشكاة كمالك، ورتب فِيهَا الحماة، تشجي
الْعَدو، وتواصل فِي [مرضاة الله و] مرضاتك الرواح والغدو. ثمَّ كَانَ الْغَزْو إِلَى مَدِينَة إطريرة، بنت حَاضِرَة الْكفْر إشبيلية، الَّتِي أظلتها بالجناح السَّاتِر. وأنامتها فِي ضَمَان الْأمان للحسام الباثر. وَقد وتر الْإِسْلَام من هَذِه المومسة البايسة، فوتر الواتر، وأحفظ مِنْهَا بَادِي الوقاح المهاتر، لما جرته على أسراره من عمل الخاتر الخاتر، [حسب الْمَنْقُول المقبول لَا بل الْمُتَوَاتر]، فطوى إِلَيْهَا الْمُسلمُونَ المدا النازح، وَلم يشك الْمطِي الروادح، وَصدق الْجد جدها المازح، وخفقت فَوق أوكارها أَجْنِحَة الْأَعْلَام، وغشيتها أَفْوَاج الملايكة المسومة، وظلل الْغَمَام، وصابت من السِّهَام ودق الرغام، وَكَاد يَكْفِي السَّمَاء على الأَرْض ارتجاج جوانحها بِكَلِمَة الْإِسْلَام، وَقد صم خَاطب عروس الشَّهَادَة، عَن الملام، وسمح بالعزيز المصون، فَبَايع الْملك العلام، وَتكلم لِسَان الْحَدِيد الصَّامِت، وَصمت إِلَّا بِذكر الله لِسَان الْكَلَام، وَوقت الأوتار بالأوتار وَوصل بالخطا ذرع الْأَبْيَض البتار، وسلطت النَّار على أَرْبَابهَا، وَأذن الله فِي تبار تِلْكَ الْأمة وتبابها، ونزلوا على حكم السَّيْف آلافا. بعد أَن أتلفوا بِالسِّلَاحِ إتلافا، واستدعيت الْمُقَاتلَة كثافا، ونزلوا فِي الجول أكتافا أكتافا، وحملت العقايل والخرايد والولدان والولايد، إركابا من فَوق الظُّهُور وإردافا، وأقلت مِنْهَا أفلاك الحمول بدورا تضيء من ليَالِي المحاق أسدافا، وأمتلأت الْأَيْدِي من الْمَوَاهِب والغنايم، بِمَا لَا يصوره حلم النايم، وَتركت العوافي تتداعى إِلَى تِلْكَ الولايم، وتتفتك من مطامعها
فِي الملايم، وشنت الغارات على حمص، فجللت خَارِجهَا مغارا، وكست كبار الرّوم بهَا صغَارًا، وأحجرت أبطالها إحجارا، واستاقت من النعم مَا لَا يقبل الْحصْر استبحارا، وَلم يكن إِلَّا أَن عدل الْقسم، واستقل [بِالْقبُولِ الْعَزِيز]، الرَّسْم، ووضح من التَّوْفِيق الوسم. وَكَانَت الْحَرَكَة إِلَى قَاعِدَة جيان، قيمعة الظل الْأَبْرَد، ونسيجة المنوال الْمُفْرد، وكناس الْقَيْد الخرد وكرسي الْإِمَارَة وبحر الْعِمَارَة، ومهوى هوى الْغَيْث الهتون، وحزب التِّين وَالزَّيْتُون، حَيْثُ خَنْدَق الْجنَّة الْمَعْرُوف، تَدْنُو لأهل النَّار مجانيه، وتشرق بشواطي الْأَنْهَار إشراق الأزهار وزهر مبانيه، والقلعة الَّتِي تختمت بنان شرفاتها بخواتم النُّجُوم، وهمت من دون سحابها الْبيض سحايب الْغَيْث السجوم، والعقيلة الَّتِي أبدى الْإِسْلَام يَوْم طَلاقهَا، وهجوم فراقها، سمة الوجوم [لذَلِك الهجوم فرمتها الْبِلَاد الْمسلمَة بأفلاذ أكبادها الوادعة، وأجابت مُنَادِي دعوتك الصادقة الصادعة وحيتها بالفادحة البارعة]، فغصت الرِّبَا والوهاد بِالتَّكْبِيرِ والتهليل، وتجاوبت الْخَيل بالصهيل، وانهالت الجموع [المجاهدة فِي الله]، انهيال الكئيب المهيل، وفهمت النُّفُوس المجاهدة فِي الله حق الْجِهَاد، مَعَاني التَّيْسِير من رَبهَا والتسهيل، وسفرت الرَّايَات عَن المرأى الْجَمِيل، وأربت المحلات المسلمات على التأميل. وَلما صبحتها النواصي الْمُقبلَة الْغرَر، والأعلام المكتتبة الطرر، برز حاميتها مصحرين، وللحوزة المستباحة مستنصرين، وكاثرهم من سرعَان الْأَبْطَال رجل
الدبا، وَبنت الوهاد والربا، فأقحموهم من وَرَاء السُّور، وأسرعت أَقْلَام الرماح فِي بسط عَددهمْ المكسور، وَتركت صرعاهم ولائم للنسور، ثمَّ اقتحموا ربض الْمَدِينَة الْأَعْظَم، ففرعوه، وجدلوا من دَافع عَن أسواره وصرعوه، وأكواس الحتوف جرعوه. وَلم يتَّصل أولى النَّاس بأخراهم، وكمل، بمخيم النَّصْر الْعَزِيز سراهم، حَتَّى خذل الْكفَّار الصَّبْر، وَأسلم الْجلد، وَنزل على الْمُؤمنِينَ النَّصْر، فَدخل الْبَلَد، وطاح فِي السَّيْل (الجارف]، الْوَالِد وَالْولد والتهم الْمطرف والمتلد، فَكَانَ هولا بعيد الشناعة، وبعثا كقيام السَّاعَة، أعجل المجانيق عَن الرُّكُوع وَالسُّجُود، والسلالم عَن مطاولة النجُود، وَالْأَيْدِي عَن ردم الْخَنَادِق والأغوار، والأكبش عَن مناطحة الأسوار، والنفوط عَن إصعاق الْكفَّار وَعمد الْحَدِيد، ومعاوز الباس الشَّديد، عَن نقب الأبراج، وَنقض الْأَحْجَار، فهيلت الكثبان، وأبيد الشيب والشبان، وَكسرت الصلبان، وفجع بِهَذَا الكنايس والرهبان، وأهبطت النواقيس من مراقيها الْعَالِيَة، وصروحها المتعالية وخلعت ألسنتها الكاذبة، وَنقل مَا استطاعته الْأَيْدِي المتجاذبة وعجزت عَن الأسلاب ذَوَات الظُّهُور، وجلل الْإِسْلَام شعار الْغَزْو والظهور، بِمَا خلت عَن مثله سوالف الأعوام والشهور، وأعرست الشُّهَدَاء من النُّفُوس الْمَبِيعَة، [من الله]، نحل الصَّدقَات الصادقة والمهور. وَمن بعد ذَلِك هدم السُّور، ومحيت من مختطه الْمُحكم السطور، وَكَاد يسير ذَلِك الْجَبَل، الَّذِي اقتعدته الْمَدِينَة، ويدك ذَلِك الطّور. وَمن بعْدهَا خرب الوجار، وعقرت الْأَشْجَار، وعقر الْمنَار، وسلطت
على بَنَات التُّرَاب وَالْمَاء النَّار. وارتحل عَنْهَا الْمُسلمُونَ، وَقد عَمَّتهَا المصايب وأصمى لبتها السهْم الصايب، وظللها القشاعم العصايب، فالذياب فِي اللَّيْل البهيم تعْمل، والضباع من الحدب الْبعيد تنسل، وَقد ضَاقَتْ الجدل عَن المخانق وَبيع الْعرض الثمين بالدانق، وسبكت إسورة الأسوار، وسويت الهضاب بالأغوار، واكتسحت الأحواز القاصية سَرَايَا الغوار. وحجبت بالدخان مطالع الْأَنْوَار، وَتَخَلَّفت قاعتها عِبْرَة للمعتبرين، وعظة للناظرين، وَآيَة للمستبصرين، ونادى لِسَان الحمية يالثارات الْإسْكَنْدَريَّة، فَأَسْمع آذان المقيمين والمسافرين، وأحق الله الْحق بكلماته، وَقطع دابر الْكَافرين. ثمَّ كَانَت الْحَرَكَة إِلَى أُخْتهَا الْكُبْرَى، ولدتها الحزينة عَلَيْهَا العبرى، مَدِينَة أبدة، دَار الْعمرَان المستبحر، والربض الحري الْمحصر، والمباني الشم الأنوف، وعقايل المصانع الجمة الحلى والشنوف، والغاب الأنوف، وبلد التَّجر، والعسكر المجر، وأفق الضلال الْفَاجِر الْكَذِب على الله، الْكَاذِب الْفجْر، فجدل الله حاميته، الَّتِي يعي الحسبان عَددهَا، وَشَجر بحورها الَّتِي لَا يرام مدها، وحقت عَلَيْهَا كلمة الْإِسْلَام، فَلَا يُسْتَطَاع ردهَا، فَدخلت لأوّل وهلة، واستوعب [جمعهَا]، والْمنَّة لله، فِي نهلة، وَلم يَك للسيف من عضب عَلَيْهَا وَلَا مهلة. فَلَمَّا تنَاولهَا العفاء والتخريب، واجتاحها الْفَتْح الْقَرِيب، وَأسْندَ عَن عواليها حَدِيث النَّصْر الْحسن الْقَرِيب،
وأقعدت أبراجها من بعد الْقيام والانتصاب، وأضرعت مسايغها لهول الْمُصَاب، انْصَرف عَنْهَا الْمُسلمُونَ بِالْفَتْح، الَّذِي عظم صيته، والعز للَّذي سما طرفه، واشرأب ليته، وَالْقصر الَّذِي حمد مسراه ومبيته، وَالْحَمْد لله ناظم الْأَمر، وَقد رأب شتيته، وَجَابِر الْكسر، وَقد أفات الْجَبْر مفيته. ثمَّ كَانَ الْغَزْو إِلَى أم الْبِلَاد، ومثوى الطارف والتلاد، قرطبة، وَمَا أَدْرَاك مَا قرطبة. الْمَدِينَة، الَّتِي على عمل أَهلهَا فِي الْقَدِيم، بِهَذَا الإقليم، كَانَ الْعَمَل، والكرسي الَّذِي بفضله أرعى الهمل، والمصر الَّذِي لَهُ فِي خطة الْمَعْمُور النَّاقة والجمل، والأفق الَّذِي هُوَ لشمس الْخلَافَة العبشمية الْحمل، فخيم الْإِسْلَام بعنوتها المستباحة، وَأَجَازَ نهرها المعيي على السياحة، وَعم دوحها الأشف بوارا، وأدار المحلات بسورها سوارا، وَأخذ بمخنقها حصارا، وأعمل النَّصْر بشجر نصلها، اجتناء مَا شَاءَ الله واهتصارا، وجدل من أبطالها من لم يرض الحجار، فأعمل إِلَى الْمُسلمين إحصارا، حَتَّى فرع بعض جهاتها غلابا جهارا [وَرفعت الْأَعْلَام إعلاما بعز الْإِسْلَام وإظهارا]، فلولا استهلال الغوادي، وَإِن أَتَى الْوَادي، لأفضت إِلَى فتوح الْفتُوح تِلْكَ المبادىء، وأمضى تفئة العاكف والبادي، فَاقْتضى الرَّأْي، ولذنب الزَّمن بِفضل الله فِي اغتصاب الْكفْر إِيَّاهَا متاب، تعْمل ببشراه اقتاد واقتاب، وَلكُل أجل كتاب، أَن يراض صعبها، حَتَّى يعود ذلولا، وتعفى معاهدها الآهلة، فَتتْرك طلولا، فَإِذا فجع الله بمارج النَّار طوايفها المارجة، وأباد نجارجها الطايرة والدارجة، خطب السَّيْف مِنْهَا أم خَارِجَة. فَعِنْدَ ذَلِك أطلقنا بهَا أَلْسِنَة النَّار، ومفارق الهضاب بالهشيم قد شابت، والغلات المستغلات، قد دَعَا بهَا أهل الْفضل فَمَا ارتابت
وَكَأن صفيحة نهرها، لما أضرمت النَّار خفافي ظهرهَا ذَابَتْ، وحية فرت أَمَام الْحَرِيق وانسابت، وَتَخَلَّفت لغمايم الدُّخان عمايم، تلويها برءوس الْجبَال، أَيدي الرِّيَاح، وتنثرها [بعد الركود]، أَيدي الاجتياح. وأغرينا، بأقطارها الشاسعة، وجهاتها الواسعة، جنود الْجُوع، وتوعدت بِالرُّجُوعِ، فسلبت أَهلهَا لتوقع [الهجوم]، منزور الهجوع، فأعلامها خاشعة خاضعة، وولدانها لثدي الْبُؤْس راضعة، وَالله يوفد بِخَبَر فتحهَا الْقَرِيب ركاب البشري، وينشر رَحمته قبلنَا نشرا. وَلِهَذَا الْعَهْد، يَا رَسُول الله، صلى الله عَلَيْك، وَبلغ وسيلتي إِلَيْك بلغ [عز]، هَذَا الْقطر المرتدي بجاهك، الَّذِي لَا يذل من ادرعه، وَلَا يضل من اهْتَدَى بالسبيل الَّذِي شَرعه، إِلَى أَن لاطفنا ملك الرّوم، بأَرْبعَة من الْبِلَاد، كَانَ الْكفْر قد اغتصبها، وَرفع التماثيل ببيوت الله ونصبها، فانجاب عَنْهَا [بنورك] الحلك، وَدَار بإدالتها إِلَى دعوتك الْفلك، وَعَاد إِلَى مكاتبها الْقُرْآن، الَّذِي نزل بِهِ على قَلْبك الْملك، فَوَجَبت مطالعة مقرك النَّبَوِيّ بأحوال هَذِه الْأمة المكفولة فِي حجرك، المفضلة بإدارة تجرك، المهتدية بأنوار فجرك، وَهل هُوَ إِلَّا ثَمَرَات سعيك، ونتائج رعيك، وبركة حبك ورضاك، الْكَفِيل بِرِضا رَبك، وغمام رعدك، وإنجاز وَعدك، وشعاع من نور سعدك، وبر رعي رعيه من بعْدك، وَنصر رَايَتك، وَأثر حمايتك ورعايتك. واستنبت هَذِه الرسَالَة، مانحة بَحر الندى الْمَمْنُوع، ومفاتحته بإبداء الْهدى بِفَتْح الْفتُوح، وقارعة الْمظَاهر والصروح، وباقية الرحل، بمتنزل المليكة وَالروح، لتمد إِلَى
قَلْبك يَد استمناح، ويطير إِلَيْك من الشوق الحثيث بجناح، ثمَّ تقف موقف الانكسار، فَإِن كَانَ تجرها آمنا من الخسار، وَتقدم بأنس، ويحجم بوحشة الغربة، وَيحبس لطول الْغَيْبَة، وَتقول أرْحم بعد دَاري، وَضعف اقتداري، وانتزاح أوطاني، وعلق أَعْطَانِي، وَقلة زادي، وفراغ مزادي، وَتقبل وَسِيلَة اعْتِرَاف وتغمد صفوة اقترافي، وَعجل بِالرِّضَا انصراف تحملي لَا انصرافي، فكم جبت من بَحر زاخر، وقفر بالركاب ساخر، وحاشى لله أَن يخيب قاصدك، أَو يتخطاي معاضدك، أوتطردني موايدك، أَو تضيق عني عوايدك. ثمَّ تمد الْيَد مقتبضة من يَد رحمتك، مستدعية دُعَاء من حضر من أمتك، وأصحبتها يَا رَسُول الله، عرضا من النواقيس الَّتِي كَانَت بِهَذِهِ الْبِلَاد المفتتحة، تعين الْإِقَامَة وَالْأَذَان، وَتسمع الأسماع الضَّالة وَالْأَذَان، مِمَّا قبل الْحَرَكَة، وَسَالم المعركة، وَمكن من نَقله الْأَيْدِي الْمُشْتَركَة، وَاسْتحق بالقدوم عَلَيْك، وَالْإِسْلَام بَين يَديك السَّابِقَة فِي الْأَزَل وَالْبركَة. وَمَا سواهُ فَكَانَت جبالا عجز عَن نقلهَا الهندام. فنسخ وجودهَا الإعدام. وَهِي يَا رَسُول الله جنى من جنانك، وَرطب من أفنانك، وَأثر ظهر عَلَيْهَا من مسحة حنانك، هَذِه هِيَ الْحلَل والانتحال، والعايق أَن تشد الرّحال، ويعجل الترحال إِلَى أَن نلقاك فِي عرصات الْقِيَامَة شَفِيعًا، وَنحل بجاهك إِن شَاءَ الله محلا رفيعا، ونقدم فِي زمرة الشُّهَدَاء الدامية كلومهم من أَجلك، الناهلة غللهم فِي سجلك، ونبتهل إِلَى الله، أطلعك فِي سَمَاء الْهِدَايَة سِرَاجًا، وَأَعْلَى لَك فِي السَّبع الطباق معراجا، وَأم الْأَنْبِيَاء مِنْك بِالنَّبِيِّ الْخَاتم، وقفي على آثَار نجومها المشرقة بقمرك العاتم، أَلا يقطع عَن هَذِه الْأمة الغريبة أسبابك، وَلَا يسد فِي وجوهها أبوابك، ويوفقها لاتباع هداك وَيثبت أَقْدَامهَا على جِهَاد عداك. وَكَيف نعدم ترفيها، أَو نخشى بسخا وَأَنت موفيها، أَو يعذبها الله وَأَنت فِيهَا. وَصَلَاة الله تحيط بفنايك رحال طيبها، وتبذر فِي ناديك شقايق خطيبها، مَا أذكر الصَّباح
الطلق هداك، والغمام السكيب نداك، وَمَا حن مشتاق للثم ضريحك. وفليت نسيمات الأسحار عَمَّا أشرقت من ضريحك، وَكتب فِي كَذَا.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع