من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
الفتوحات الْوَاقِعَة والمراجعات التابعة (٢)
دُخان ناره، وَأَن يسهمكم فِي أجره. فَلَو أبصرتم جد هَذِه الْأمة الغريبة، لغلبتكم دموع الرقة، وإستفزتكم بواعث الحمية. وفازت يَد الْإِسْلَام، من هَذَا المعقل الْعَزِيز عَلَيْهِ، بقرار الْقُلُوب، وقرة الْعُيُون، وشفى مِنْهُ دَاء عضال، وَكفى بلَاء لَا يُطَاق. والعدو فِي أثْنَاء هَذَا، حَسْبَمَا نتعرفه من ألسن أسراه، متمهد بإشبيلية يعزز قَوَاعِد مَا صَار إِلَيْهِ، ويمهد جَوَانِب مَا انثال من الدُّنْيَا عَلَيْهِ، وَقد بَث تِلْكَ الْأمة المتلاحقة من الشَّرْقِي بَين بِلَاده، [وحد لَهُم] ارتقاب أمره، والتماح إِشَارَته. وَلَا شكّ فِي أَن هَذ القروح، يصل وخزها إِلَى قلبه، ويثير نكاياتها من عزمه، وَبِاللَّهِ تدرأ فِي نَحره، وبحزب الله نستعين على حزبه، وبربنا الله نستظهر على ربه الْمَنْصُوب، وإلاهه المنحوت. وَقد سبقناه بانتهاز الفرصة، وعاجلناه فِي سَبِيل الله بالغرة، وبوءنا لله بِالْقُدْرَةِ، وَمَعَ الْيَوْم غَد، ومجمل الصنايع لطايفه خُفْيَة، وَجُنُوده كَثِيرَة، وَمَا قل من كَانَ الله مَعَه، وَلَا ذل من كَانَ الله ناصره، أَلا لَهُ الْخلق وَالْأَمر، تبَارك الله رب الْعَالمين. طيرنا لكم هَذَا الْخَبَر، لتسروا بِهِ أَنْتُم وَمن لنظركم من الْمُسلمين، وَنحن نتراءى فِيمَا يكون عَلَيْهِ الْعَمَل من قصد غَيره، ومصادقة سواهُ، ونشرع فِي اخْتِيَار من يعمره من الفرسان والحماة، وحذاق الرُّمَاة، ونستكثر بِهِ من الأقوات، وَالله الْمُسْتَعَان. وَأَنْتُم عمدتنا فِي الله الَّذِي نبشره عِنْد اجتلاء السرُور، ونستصرخه، عِنْد اشتداد الْأُمُور، وَأَن يسر الله فِي إنجاز مَا بِهِ وعدتم، من إِشَاعَة الْحَرَكَة إِلَى سبتة، تعْيين حِصَّة تَبْتَغُونَ بهَا وَجه الله، وتنجدون بهَا الْإِسْلَام، فأثرها كَبِير، وسماعها شهير، وَهِي الْأَخْبَار تأخذها الزياد
إِذا تنوقلت، ويبعدها الإرجاف إِذا سَمِعت، والكلمة وَاحِدَة، وكل مَعْرُوف صَدَقَة، وظنون الْإِسْلَام فِيكُم جميلَة، وَالله يحملكم على مَا يرشدكم ويسعدكم. [ويوالي عزتكم، ويحرس مجادتكم]، وَالسَّلَام عَلَيْكُم وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
وَلما وصل السُّلْطَان أيده الله من غزَاة أطريره بعد استفتاح حصن أشر الْمُتَقَدّم الذّكر، صدر عني فِي التَّعْرِيف بذلك لسلطان الْمغرب، وَهُوَ من الْكَلَام الْمُرْسل، الَّذِي قَلما ألوى على سجع، وَلَا وقف على قافية لشفوف هَذَا الْغَرَض فِي هَذِه الأقطار
الْمقَام الَّذِي تيمنت الْبِلَاد بولايته، وتعرفت ببركته بِفضل الله وعنايته وادخرت الِاعْتِدَاد بِرَأْيهِ فِي سَبِيل الله ثمَّ برايته، وتوعدت الْكفْر بِقِيَام قِيَامَته. فطلوع شمسه من الْمغرب أكبر آيَته. مقَام مَحل أخينا الَّذِي ثغور نَصره بواسم، وأيامه لِلْإِسْلَامِ مواسم، وتتوفر لَهَا من صنع الله المقاسم، السُّلْطَان الكذا أَبُو فَارس ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن، مُعظم سُلْطَانه، ومجل شَأْنه، الْعَارِف بأصالة مجده، ورفعة مَكَانَهُ، فلَان.
أما بعد حمد الله، الملهم الْمُنعم، الْعلي الْكَبِير، الْوَلِيّ النصير، محرك العزايم بباعث الْإِسْلَام، ومكيف الصنايع الْخفية على الأذهان، الْمُوفق للخير، الْمعِين عَلَيْهِ، الْوَلِيّ الحميد، الَّذِي لَا ملْجأ مِنْهُ إِلَّا إِلَيْهِ، نَاصِر الْمُؤمنِينَ ومظهر دينه على رغم الجاحدين وَكره الْكَافرين، وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد، عَبده وَرَسُوله، مُجَاهِد الْأَنْبِيَاء، [الْمَنْصُور فِي الأَرْض] بملايكة السَّمَاء، نَبِي الْمَلَاحِم، ومسوغ الغنايم، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه أسود الروع، ونجوم الْهدى وأعلام الصَّبْر، وسيوف الْحق، وَالدُّعَاء لمقامكم بتوالي الْعِزّ، واتساق الصنع،
فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سني الْحَظ، وهنى الْفَتْح، بعد الِاعْتِرَاف لدولتكم بيمن الطير، ونصبة السعد، ونفاق سوق الصنع بِهَذَا الْقطر. وَالله متمم الْفضل، ومجدد عَادَة اللطف، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الفتاح الْعَلِيم، وَإِلَى هَذَا فإننا كُنَّا قد عرفناكم بِمَا أضفي عَلَيْهِ الرَّأْي، من مُظَاهرَة ملك قشتالة على أَخِيه، مجليه على مدرته، والمستحوذ على مَمْلَكَته، تَعْرِيف يُوصل بِهِ دوَام الْفِتْنَة، واشتعال نَار الإحنة، وتميز الْمُسلمين بخطة الْعَافِيَة، وتبريزا فِي ميدان حسن الْمُكَافَأَة، وَإِقَامَة لحسن المجازاة، وتمهيدا لرعي قديم الْجوَار، وَبَرَاءَة من التَّقْصِير فِي استصراخ كريم قوم، أَو معرض حسن سعى، فخاطبنا بِلَاد الفرنتيرة، نضمن لأَهْلهَا اتِّصَال السّلم، عِنْد صدق الْفِتْنَة، واستدراك الْقلَّة، فأهطع، مِنْهُم السوَاد الْأَعْظَم، وتغاضى أمة من الْبِلَاد تقفها زعماء، وضبطها قواميس أسلفوا مَا أَسَاءَ بِالدَّلِيلِ ظنونهم، وَقطع فِي عدوه آمالهم. وَإِذا سَاءَ فعل الْمَرْء ساءت ظنونه، وَصدق مَا يعتاده من توهم. فأثبتوا مِنْهَا فِي مستنقع الْمَوْت أَرجُلهم، ليوثقوا مِنْهُ ... ... الْحِيلَة، وَكُنَّا قبل هَذِه الْبُنُوَّة بسُلْطَان ملك قشتالة الْمَذْكُور، قد عَملنَا مضضا طوينا الجوانح على مثله، وأغرينا الْجزع ببثه فِي الْحَادِثَة على مَا يناهز الْألف من أسرى الْمُسلمين، المقرنين فِي الأصفاد بدار الصَّنْعَة من إشبيلية، إِلَّا ذمار الحماة، فلول الوقايع، وأسار الحتوف، وحيات الأودية الضنينة بهم يَد الْكفْر، من لدن سِنِين عدَّة، إِذا كَانَ المجعجع بِهِ بَين طراده، والجهر بخلعانه، وانتهاب قصره، قد أطلقهُم نكاية لِقَوْمِهِ، وعاقبة سوء يرتادها للبلد الخاين بعهده، فَانْطَلقُوا أظعان المسغبة
وأضر بالأداهم، وَقد لفقوا علالة من مستهجن السِّلَاح وَذي الْآلَة، يهبون إِلَى تَحْصِيل النجَاة، ولات حِين مناص، وَقد تَأذن الله سُبْحَانَهُ، بكر ظُهُور الشَّهَادَة على مَا رسب من أوزارهم، وَختم بِهِ صحايف بوساهم وشظفهم، واعترضهم أهل أطريرة، من بنيات هَذِه الْأُمَم الممتنعة إشبيلية، وعَلى نصف بريد من بيضتها، وَأَهْلهَا أشهر أكلب الْكفْر عَن نَاب شَره، وأسطاهم بِنَفس مومنة، وأخفرهم لذمة، وأسوأهم مُعَارضَة لملتمس تجر أَو نجعة أَو مضايقة بسفير رِسَالَة، يرومهم التحرج من انصرافهم بِجلَال تِلْكَ الأسلحة، وَجعلُوا .... فِي إسْلَامهَا إِلَيْهِم شرطا، وبذلوا لَهُم على ذَلِك عهدا، فَلَمَّا صفر مِنْهُ أَيْديهم، تناولوهم بالإبادة، وهم لحم على وَضم، لم يرقوا لطول بلواهم، وَلَا أنفذوا فيهم عهد مَوْلَاهُم، وتركوهم صرعى بقرًا الْبيُوت الْكَافِرَة، والفرضاة الغادرة، وأثكلوا مِنْهُم الثغور بجملتها، ومفرجي أزماتها، وأسبوا الْمُسلمين بوعي موقف الصَّبْر، وشهدوا مأزق الذل، يتلونهم للجباه والأذقان، وينحرونهم نحر إبل القربان، كتب الله لَهُم، أوفر أجور الْمُحْسِنِينَ، ونفعهم بِمَا محصهم بِهِ يَوْم الدّين. فَلَمَّا قَامَت هَذِه السُّوق، ولمعت فِي سَمَاء الْفِتْنَة القشتالية البروق، ثار لدينا وَلم يكن خافيا كامن الحمية لله على بعد المرمى، وخطر المسرى، كتبه الله لنا من مسعى، يَوْم تدان النُّفُوس وتجزى، فتوفرنا على قصدهم مصمت الْهَام، وَنقل الأوهام، توفرا لم تطل بِهِ الْأَيَّام، وَلَا فسحنا لتدبير الآماد، وَكَأن الله ﷿، أطلع قُلُوب الْمُسلمين من ذَلِك على خباه، وكشف لَهُم عَمَّا نويناه، فخفوا كثر الله جمعهم، خفوفا لم يذمر بموعد، ونفروا عَن غير مزعج، مهيب فِي الرجل الرِّبَا كَثْرَة، وأسود الشرى نجدة، ويعاسيب الكور سلاطة وحمية. وَخَرجْنَا نجد السّير، والنجح قايد، والتوفيق مواكب، والسعد للْفَرض كافل، وَالْقَصْد
المبرور ضَامِن. واحتللنا رندة مرسها الله، واثقين بِقُوَّة الله وَحَوله، مُتَمَسِّكِينَ بِسَبَبِهِ الْقوي فِي الْأَمر كُله، وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه، وَمن فوض الْأَمر إِلَيْهِ نجح قَصده وَعلا كَعبه. ثمَّ انتقلنا بالمحلات المجتمعات ضفة وَادي لكه، محلّة الْفَتْح الأول، ومحول النَّصْر المتاح المخول، وَمِنْهَا صبحنا أُولَئِكَ الْكَافرين فشاحت وُجُوههم، وأحاط بهم سوء كسبهم، وحاق بهم وبال أَمرهم، فَقَالُوا على الربض صلينَا ..... وَلما كاثرهم أَوْلِيَاء الله، يَعْلُو بالكلمتين نداؤهم، ويكاثروا أزهار الْبَطْحَاء الْمُخْتَلفَة الألوان راياتهم، فحاش سرعَان من انتثر بذلك السهل العريض من الْأُمَم الْكَافِرَة، وَالنَّسَمُ الغادرة إِلَى مسور الْحصن، وَقد كَانُوا فِي هَذِه المدد الْقَرِيبَة أَو سعوه تحصينا، وناصحوا عوراته رما وتسديدا، وتخلفوا الْمنَازل مَالِيَّة بِالنعَم والأقوات، والأمتعة والآلات، فخافهم الْمُسلمُونَ عَلَيْهَا انتهابا لكثيرها واستلابا لخطيرها، حَتَّى لم تبْق يَد إِلَّا ملثت، وَلَا نعْمَة إِلَّا سبيت، وتحصنوا بالقصبة، وَالسُّيُوف تتخطفهم، والرماح تنوشهم، والسهام تبعجهم، بعد موافقات صعبة، وحملات مرّة، ومدافعات تجاه بَابهَا، استوعب لفيفهم مَعهَا التحصن، واستكملوا التصنع، وهم أُلُوف، حذر الْمَوْت يحْضرُون، وَإِلَى الْمحيا يتسابقون ويهرعون، وصدقوهم الْمُسلمين الضمة، فأجحروهم صابرين، وتسنموا الْعَرَصَة ظَاهِرين بعد إثخان الْقَتْل وإعمال السَّيْف، وَبعد أَن سدت المسالك جثث الْقَتْلَى، وملأت الرحاب أشلاء الصرعى، ثمَّ عاطوا من تحصن بالقصبة كؤوس الْقِتَال، وَأَرْسلُوا عَلَيْهِم حواصب النبال، وتعلقوا بأسوارهم، يقرعون الثنايا، ويطلعون عَلَيْهِم وُجُوه المنايا، واستجدت آلَات النقب، وَظَهَرت إِلَى ذَلِك المعتصم المحبور من ذمَّة الله، حِجَارَة الرجز، وأسفوا الله فانتقم مِنْهُم، وعتوا على عباد الله المطهرين، فَجعل لأوليائه وأوليائهم نَصِيرًا
لَهُم فصابروا الشدَّة عَامَّة، يَوْم الهجوم عَلَيْهِم، وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي سَفَكُوا فِيهِ دِمَاء أسرى الْمُسلمين، وعتوا على رب الْعَالمين، لَيْلَة مستهل الشَّهْر الْكَرِيم، متقبل الْأَعْمَال، ومتنزل الْقُرْآن. وحثهم اللَّيْل فأضرمت النيرَان فِيمَا استبحر من دِيَارهمْ المتحرقة الأوضاع، الغاصة بالآلات، فغشيتهم السَّمَاء بِدُخَان مبير، وَعَذَاب أَلِيم، وضغطهم صهاب من عَذَاب شَدِيد. ولمنتصف الْيَوْم بعده، ألقوا بالإذعان إِلَى حكم الْمُسلمين، فأنزلوا عَامَّة اللَّيْل، بعد أَن علت بِنور الْإِسْلَام فِي أبراجهم الحصينة، وقصبهم المبتناة لهَذَا الْعَهْد المشيدة، وَمن الْغَد عَمت ردفا سباياهم الظُّهُور والأكفال، وتجاذبت مُقَاتلَتهمْ وجلداؤهم الجزل والحبال، وصلصلت إِلَى إمتطاء نبهائهم الأصفاد والأكبال، وَقد أضرمت النَّار فِي بُيُوتهم، الَّتِي تَأذن الله بخرابها، فَعَادَت قاعا لَا يعمر، ويبابا لَا يسكن بعْدهَا وَلَا يتدبر، قد جلله من رفع مستنجز الإثارة، متواكف الْعِمَارَة، مناخ السيارة، سخط من أهل الغربي، لما بطرت معيشتها، وأدال الْأُمَم لما ركبت بغيها. سُبْحَانَهُ لَا مبدل لكلماته، وَلَا دَافع لنقماته، فأصمت [ألسن]، نواقيسه المصطحبة، ومزقت أشلاء تماثيله المتبرجة، وسفكت دِمَائِهِمْ، فَوق دَمًا من قَتَلُوهُ، وجزوا جَزَاء الضعْف بِمَا فَعَلُوهُ. فيابردها على كبد إلاسلام، من نيران مشبوبة، وأوثان مطروحة، وأغلاق مفضوضة، وفروش وثرت من زغب الطُّيُور حشاياها، ومهدت للمترفين وَلَا ياها، نفضت فخالطت الهباء وعمت الْهَوَاء. وَكَذَلِكَ أَخذ رَبك إِذا أَخذ الْقرى. وقفل الْجَيْش يجلب نصرا لَا كفاء لَهُ، وصنعا لَا عهد بِمثلِهِ، وَقد رفعت ألويته الخافقة ألوية الْفَخر، وفازت سيوفه الْمَاضِيَة بِإِدْرَاك.. ور .... وَإِن كَانَت ترايب الْإِسْلَام أَقْدَام من هَذَا
الْحق، وَقد كللت مَحل الصَّيْحَة، ومتنزل النقمَة، ومصرع الفئة الْكَافِرَة الباغية، أَفْوَاج من عصايب الطير، تتداعى الجفايا، وتتنادب للوليمة الْعُظْمَى، وَلَحِقت عمد الدُّخان لأعنان السَّمَاء، وَنَادَتْ أَلْسِنَة الحمية فِي تِلْكَ العرصات يالثارات الأسرى، واستباحت سيوف الله من النسم آلافا عدَّة، وَمن الحماة أولى بَأْس وَشدَّة، أعيا حَدِيثهَا النَّقْل، فاثتمنت علية النَّار، وأعجزت طعمتها الظّهْر، يُوكل بهَا الانتساف والتبار، وألصقت جدرانها بِوَجْه الثرى، وَأهْلك مَا خرب من زَرعهَا ونأى. وَالْخَيْر لَا يَنُوب عنة كل المناب عَن المرأى، أوزع الله شكر النعمى، وَكتب لِلْإِسْلَامِ حسن العقبى. وَظهر الْمُسلمُونَ من الْبَقر على آلَاف مَلَأت السُّرُوج، وغصت ببراذنها ومراقدها الحزون والسهول. وَأما سايمة الْغنم، فعاثوا مِنْهَا فِيمَا لَا يكْتب وَلَا يُحْصى وَلَا يعد، وباء الْمُسلمُونَ بشفاء الصُّدُور وسرور الْقُلُوب، وقرة الْعُيُون، وَقد ... ... ..... للأخذ بترابهم من لَا ينَام عَن الدمنة ن وَلَا يصانع فِي رعى الذِّمَّة. وجاست خيل الله من أحواز حمص، أَعَادَهَا الله بإمدادكم، ومؤمل جهادكم، الجو الَّذِي لم يطْرق لهَذَا الْوَقْت حماه، وَلَا عرف اسْمه فرضا عَن مُسَمَّاهُ، سوق عصية السوايم وتكتسح المسارح، فَلَا تتْرك لسع هجمة، وَلَا نافخ ضرمة، وتذعر غاراته المشعلة الأسراب، وتتخلل عمرته وسواده الشعاب، وَمن بهَا من الفرسان والأعيان، أولى الْقُدُور الراسبات، والزغب الكاسيات، والأتباع والأشياع، والرطانة والجعجاع، قد لاذوا على وفور عَددهمْ بالأسوار، وأيقنوا بالبوار، وطرقتهم الْغَارة،
اتسعوا فِي عقر الدَّار. وَلَوْلَا أَن الْفضل لم يَأن إِدْرَاك غلاته، وَلم يسْتَدرك خصايص مطعوماته ومقضوماته، لاتخذها النَّاس مجْرى السوابق، ومجر العوالق على التوالي، وَلَو صلوا فِي انتساف النعم وموالات النقم، أيامهم بالليالي. والعزم على التعقيب بِفضل الله متوفر، وَالْعَمَل على الْعود إِن شَاءَ الله متجدد، وَعند الْمُسلمين حاطهم الله وأنجدهم، من الْمُبَادرَة إِلَى الدعْوَة، والمنوب إِلَيّ الهيعة، والاغتباط فِي سَبِيل الله والروحة، مَا يرجي أَن يكون سَببا لظُهُور مَا تَضَمَّنت محجوبه أَلْوَاح الْغَيْب وأسرار الْمَشِيئَة، وَالْقُوَّة بِاللَّه، والعزة لله، وَمَا النَّصْر إِلَّا من عِنْد الله، وَلَا حول لنا وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه. وَمن جعل مقامكم الْكَرِيم رده فِي سَبِيل الله، وتوعد الْكفْر بحميتكم فِي سَبِيل الله، وَمن أجلة فقدحه أَن شَاءَ الله الْمُعَلَّى، وحظه بِالْخَيرِ أَجْدَر وَأولى. حفظ الله مِنْكُم على الْمُسلمين عنصر كلمتهم، ومقدر قوتهم، ومهب ريح نَصرهم، ومفزع شدتهم، وطية ركاب منشرايهم. وَلما عدنا إِلَى حضرتنا بادرنا تعريفكم بِهَذَا الصنع، من قبل أَن تنفض غُبَار الْغَزْو من العمايم واللمم، ونريح الْجِيَاد من اللبود واللجم، وكأننا نَنْظُر من حسن موقعهم من نواديكم الغاصة بالأحراز، الهافية لإدراك الثار، وإجمال الْآثَار، فَإِن لمحركات الحمية، من بَين القبايل المزية، وَإِدْرَاك التراث، ترتاح إِلَيْهِ الهمم الأبية، لَا سِيمَا الهمم المرينية، وذمام الْإِسْلَام، وَالْحَمْد لله، غير واهن السَّبَب، وَلَا دارس الْمَذْهَب. وأكد حبورنا ... .... لسرورنا، مَا شهد بِهِ العيان من يمن دولتكم، وَظُهُور سعادتكم، فَلم يعْدم مَعهَا وَالْحَمْد لله حضب،
وَظُهُور وَخير مَشْهُور، وَالله ﷿ يصل لنا وَلكم مَا عود، ويمتع بِمَا حول، ويعين على مَا قلد. وَأَنْتُم وجهة تعريفنا بالمتزيدات، والمنن الوافدات، فَمَتَى استجلينا مِنْهُ شَيْئا، جلوناه عَلَيْكُم، أَو استطلعنا وافدا، أهديناه إِلَيْكُم. وَالله يصل بقاكم, ويعتمد بالصنايع الباهرة علاءكم, وَالسَّلَام الْكَرِيم عَلَيْكُم, وَرَحْمَة الله تَعَالَى وَبَرَكَاته, وَكتب فِي كَذَا من رَمَضَان الْمُعظم من عَام ثَمَانِيَة وَسِتِّينَ وسبعماية.
وَكَانَت الْحَرَكَة الْكُبْرَى إِلَى مَدِينَة جيان إِحْدَى دَار الْملك وكرسي دَار الْإِمَارَة ولدات الشُّهْرَة, وافتتحها الْمُسلمُونَ عنْوَة فِي أَوَاخِر شهر الله الْمحرم من عَام تِسْعَة وَسِتِّينَ وسبعماية فصدرت مُخَاطبَة سُلْطَان الْمغرب
من إملائي مَا نَصه:
الْمقَام الَّذِي نبادر أبوابه بالبشرى, مردفة أولاها بِالْأُخْرَى, ونستظهر بعزيمته الْكُبْرَى, مَتى أعضل الدَّاء واستشرى, فَهُوَ أولى بالحالتين وَالْأُخْرَى, مقَام مَحل أخينا, الَّذِي أَقَامَت دولته أسواق البشاير والتهاني, وتكلفت سعادته للْإيمَان بتسني الْأمان, وتأتى الْأَمَانِي, السُّلْطَان الكذا أَبُو فَارس ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن, ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف يَعْقُوب بن عبد الْحق, أبقاه الله بالصنايع الجميلة [مَسْرُورا, وبر كايب البشاير العجايب] مزورا, وَفِي الفضايل الجليلة علما منشورا, وَلَا أعدمه فتحا وظهورا, مُعظم قدره, وملتزم بره [الدَّاعِي إِلَى الله باتصال سعده, واتساق نَصره], الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد بن نصر, أيد الله أمره وأعز نَصره. سَلام كريم [طيب برعميم], ينم بِفَتْح الْفتُوح المؤيدة بالملائكه وَالروح عرفه, ويبدي أنفاس ريحَان [الْجنان]. فيعي عبارَة اللِّسَان, وموارد علم الْإِنْسَان وَصفه, يخص مقامكم الْأَعْلَى, ومثابتكم الفضلى, وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله كَافِي من اسنكفاه، وهادي من استهداه، الَّذِي نصر الْحق وَأَعلاهُ، ودحض الْبَاطِل وأرداه، ووعد من توكل عَلَيْهِ، وفوض أمره إِلَيْهِ، بحسنى عقباه، وَأخرج الَّذين كفرُوا من أهل الْكتاب من دِيَارهمْ لأوّل الْحَشْر [فاظنتتم أَن يخرجُوا]، وظنوا أَن حصونهم مَا نعتهم من الله، فَمَا أوسع رحماه، وأسبغ نعماه. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، سر الْوُجُود وَمَعْنَاهُ، وموحد الْكَمَال ومثناه، ومختار الله من الخليقة ومجتباه، نَبِي الْمَلَاحِم، الَّذِي نصر بِالرُّعْبِ على عداهُ، وزوى لَهُ الأَرْض، فَرَأى ملك أمته بلغ مَا جمع لَهُ مِنْهَا وزواه، وَالرِّضَا عَن آله وَأَصْحَابه وعترته وأحزابه المخصوصين بمزية قربه، ومنقبة حبه فِي مماته ومحياه، الذادة عَن حماه، النزعة فِي الْهدى إِلَى هدى مرماه، مزعجي الْكفْر عَن مثواه، ووارثي الأَرْض من بعده بذريعة رَضِي الله وتقواه، والدعا لمقامكم، حرس الله جَوَانِب علاهُ، وأعانه وتولاه فِيمَا ولاه، وَحفظ عَلَيْهِ مَا أولاه، كَمَا جعل أَوْصَاف الْكَمَال حلاه، وعرفه عوارف السعد، الرايق مجتلاه، وَذخر لَهُ الْفَتْح الْمُبين وسناه [بتوالي الْعِزّ المشرف سناه]، والنصر الداني من غصون الرماح الملد جناه، والصنع الَّذِي ينَال بِهِ الدّين الحنيف مَا يتمناه، فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم فخرا رايقا رياه، وسعدا مشيدا مبناه، وأطلع من غرر الْفتُوح كل وَافد بشر محياه، ووارد مهما تَلقاهُ، روح الْحَيَاة بوأه وحياه. [من حَمْرَاء غرناطة، أمنها الله]، وَالدّين قد ساعدته بِمَا يرضيه دُنْيَاهُ، وَنور الله الَّذِي وعد بإتمامه وَإِن كرهه الْكَافِر وأباه، قد دَعَا
بوعد الصَّادِق فلباه، وَالْإِسْلَام بِهَذَا الْقطر قد استمنح مِنْهُ سُبْحَانَهُ، عَادَة اللطف بِهِ والنصر فحياه، وَالْحَمْد لله مبدأ كل أمره ومنتهاه، وَآخر كل كدح وأولاه، فَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلَا أَن هدَانَا الله، ومقامكم عدَّة الْإِسْلَام الَّذِي يكْشف جلاه، ونساهمه فِي المسرات الَّتِي تهز نواسمها منتداه، والمبشرات الَّتِي تفوز بقدحها يَدَاهُ. وَإِلَى هَذَا أوزعنا الله وَإِيَّاكُم شكره، من منح أعلت معالم الْإِيمَان، وأعلنت برضى الرَّحْمَن، وعودة الزَّمَان، وأعربت عَن إتاحة الكرة وهبوب الرّيح، وَإِطْلَاق الإدالة، فَإنَّا نجلو عَلَيْكُم خبر الْفَتْح المخبو لزمننا وزمنكم، المذخور من الله سُبْحَانَهُ، فضلا علينا وَعَلَيْكُم، المعرب [عَمَّا بعده] إِن شَاءَ الله، عَن دُيُون فِي الْكفْر تَقْتَضِي، ومعارج للذّكر الْجَمِيل تَرْتَضِي، وسبل السّلف الصَّالح تقتفي، ومساع فِي الْجِهَاد تقرب إِلَى الله زلفى، وتعود مِنْهُ بالجزاء الأوفى، فتح الْفتُوح الَّذِي سمى اسْمه الرفيع ومسماه، أَن يُحِيط النّظم والنثر بِمَعْنَاهُ، إِلَّا أَن الْإِشَارَة تنْزع إِلَى مرماه، وَشرح الْمُجْمل الَّذِي تقصر عَنهُ ألسن الْعبارَة، ويستدل على كنهه بملامح الْإِشَارَة، هُوَ أننا اتَّصل بِنَا، والحي خلوف، وَحكم السّلم مألوف، أَن مَدِينَة جيان، بلغاء الشُّهْرَة، وَغَابَ البسالة، ومنبت الشَّوْكَة، وعقاب الْقَوَاعِد المغتصبة للْمُسلمين، ومختط طَائِفَة الْعَرَب الشاميين من كورة قنسرين، والأمم العديدة الْبَنَات، المستبحرة المنا والجنات، حَيْثُ الزياتين مِنْهَا، تمتار الْبِلَاد والعباد، مدد الْوقُود والكروم، الَّتِي استثمرتها الرّوم، تعبق لَهَا الخوابي الجوب بِدَم العنقود، والجنات الأشب، والوضع المنبت المعجب، حجر الأراقم المختالة، فِي جُلُود الزرود، والليوث الباطشة فَوق فيول الْخُيُول، ومصرخ النواقيس الصايلة، وَنصب التماثيل الهايلة، ولدة دَار الْخلَافَة قرطبة،
بدا لأَهْلهَا فِي مُخَالفَة سلطانهم الَّذِي جددنا عَهده، وأبرمنا سلمه، وأكدنا عقده، وأوجبنا لتوفر البواعث نَصره. فأهنبلنا للحين غرَّة، وانتهزناها فرْصَة، وحللنا إِلَيْهَا عقال الفتك، الَّذِي كَانَ قد قَيده الْإِيمَان، وسللنا عَلَيْهَا سيف الله الَّذِي أغمدته الْمُوَادَعَة والآمال، بعد أَن استخرنا الله، الْوَلِيّ فِي الغربة، النَّاصِر فِي الشدَّة، الَّذِي بِيَدِهِ الْقُدْرَة والعزة، والحول وَالْقُوَّة، لَا إِلَه إِلَّا هُوَ خير الناصرين، ومظهر دينه على كره الْكَافرين، ونوينا أَن نرفع بهَا هضم الْإسْكَنْدَريَّة، ونقوم بِفَرْض الْكِفَايَة عَن الكافة، فأثمرت استخارة الله لدينا، وَالْقُوَّة بِهِ، والتوكل عَلَيْهِ، الإستهانة بأسوارها المشيدة، وحماتها البئيسة، وشهرتها الجامحة، فأبرمنا الحزم الَّذِي شحذ التَّوَكُّل غربه، وسدد الاستبصار سَهْمه، وأضفى الصَّبْر جنته، وسهلت الثِّقَة بِاللَّه حزبه. واستدعينا أهل الْجِهَاد [لتصير الْجِهَاد]، ونفضنا أَطْرَاف الْبِلَاد، عَن أولى الجلادة على الجلاد، وعينا أمدا أضَاف الانحفاز مدَّته وتحيفت البدار فسحته، وعَلى ذَلِك فاستكثرنا من آلَات الْقِتَال، ورفعنا المجانيق على أفلاك الأعجال، وأفضنا العطا الَّذِي تجَاوز شهور الأستحقاق إِلَى مَا وَرَاءَهَا، مِمَّا لم يستهل جَنِين هلاله، وَلَا وسمت خيلان اللَّيَالِي صفحة جماله، وأوصلنا الجيوش إِلَى المطوعة الغازين والمرتزقة المدونين إِلَى حُقُوقهَا فِي الْغنم الْمُتَقَدّم، وَالنَّفْل الْمُبَارك الْمُتَيَقن، فتضاعفت الارتياش، وأزيحت الْعِلَل، وأخلصت الضماير النصفة، وأطابت الْقُلُوب المعدلة، وَلما تكاملت الجموع
وتوالت الحشود، وتعددت بِظَاهِر حضرتنا الرَّايَات والبنود، بَرَزْنَا نهتدي من الرَّأْي الَّذِي تعودنا يمنة بمصباح، وذبال اسصباح، لَا بل بفلق صباح، وخيمنا على بريد من الحضرة، ترفيها على السيقة، ونظرا للفذ وَالْجُمْلَة، مخيما جمع مقادة من النسم، لَا يحصيهم إِلَّا من كتب خطاهم فِي طَاعَته، وأحصى أنفاسهم المطيبة بذكراه، واستحفظ بقع الأَرْض شَهَادَتهم بتوحيده. وَكَانَ إطلالنا عَلَيْهِ، ثَالِث يَوْم البروز، وَهُوَ يَوْم الأثنين الثَّالِث وَالْعِشْرين من شهر الله الْمحرم، مفتتح هَذَا الْعَام السعيد، فِي أحسن التعبية، وأكمل وَأحكم الأهبة. وأمحرت الينا حامية الْعَدو، ذابة عَن الْحَوْزَة، مبلية من دون الْعَرَصَة، متمرسة بسرعان الْمُقدمَات، ورواد منَازِل المحلات، فَلَمَّا كاثرهم السوَاد الْأَعْظَم، وَالْبَحْر الَّذِي لَا يزحم، استجنوا بحمى الأبراج المشيدة، وَفرج الْأَبْوَاب العديدة. وتلاحق أوايل الْأُمَم المحشودة المحشورة، من الجموع المنصورة الموفورة، تموج بهم عَرَفَات موقف الْجِهَاد، [وتعرضهم ساهرة نشر الْبِلَاد]، ويتراكم مِنْهُم، وفرهم الله، رجل الْجَرَاد. وَكَانَ الْغَرَض يستكمل محمل الطَّرِيق، ويتدارك جُمْهُور النفير، وَيجْرِي حَربًا على مُقَرر التَّرْتِيب ومحكم التَّدْبِير، فشره النَّاس إِلَى الْعَدو، ووجهوا إِلَى حومة الْحَرْب خفوفا. لم يلو فِيهِ الْمُتَقَدّم على الْمُتَأَخر وَلَا انْتظر المسرع لحاق المتلوم. فانهارت مِنْهُم الهضاب وانهالت، وتدافعت الأودية وسالت، وجنحت الرَّايَات إِلَى حومة الربض الْأَعْظَم ومالت، كَأَنَّهُمْ سحايب الخريف. حركتها الزعازع، وَخَربَتْ آباط ركابهَا البروق الخواطف، وَأَحَاطُوا بِهِ من قبل أَن توزع عَلَيْهِم الْآلَات، وتبوأ مقاعد الْقِتَال [كماة الحماة وفره] الرُّمَاة، فقرعوا للحين سوره، واقتحموا مَنَازِله ودوره،
وصدموا حاميته الضخمة، ووالوا عَلَيْهَا الشدَّة، حَتَّى أزعجوهم عَنْهَا عنْوَة، واستلحموا مِنْهُ جملَة. وَشَمل الربض النهب، ورغا فَوق أَهله الْعَذَاب الصعب، وتعلقوا بعده بسور الْبَلَد، وبادرنا الهيعة، وَقد هزت ريَاح النَّصْر عذبات الرَّايَات، وسد مَا بَين الْخَافِقين علو كلمة الشَّهَادَات باخْتلَاف الْأَصْوَات، وصكت الأسماع رعود الطبول، واستنجز الْمُؤْمِنُونَ الصَّابِرُونَ من رَبهم مِيقَات الْوَعْد الْمَفْعُول، فَلَا ترى إِلَّا هاويا من ذرى شرفة، تخلفه جملَة، أَو شَهِيدا يتزاحم على مواقفه لمة، أَو ثنية تفرع، أَو شعارا يسمع. وَنزل الصَّبْر، وأنجز الْوَعْد، وَقذف الله الرعب فِي قُلُوب الْكَافرين، وأمد أولياه بالملايكة المسومين. ففرعت أسوار الْمَدِينَة ضَرْبَة، وَدخلت وَالْحَمْد لله عنْوَة، وَجَاز فرسانها فِي السكَك، يطيرون من ضيقَة إِلَى أُخْرَى، والمسلمون يَأْخُذُونَ عَلَيْهِم الفوهات، ويسوقونهم إِلَى المتمنعات، وَقد شرهت السيوف، وتخارقت الرماح، وَحقّ عَلَيْهِم القَوْل، وأخذتهم الرجفة. وَاخْتَارَ لمة مِنْهُم ميتَة الإيجاز والإعذار لأَنْفُسِهِمْ بالفرار، على الْميتَة بَين الديار، ففتحوا بعض أسوارها وألهبوا الْخَيل ركضا، وأجهدوها خضا، وَركب الْمُسلمُونَ أكتاف مدبرهم، واعترضوا وُجُوه مقبلهم، فبهروهم بِالسُّيُوفِ، وعاجلوهم بالحتوف، واستولوا على أقطار الْمَدِينَة اسْتِيلَاء أعجل المجانيق عَن الرُّكُوع، وصواعق الصخر عَن الْوُقُوع، وجبل الْحَرْب عَن الإحكام، والاعتدال عَنْهَا بالهندام. وَانْطَلَقت الْأَيْدِي على مَالا يَنَالهُ، وَلَا يُدْرِكهُ الْكسْب، من الْأَمْوَال الدرة، والأمتعة الثرة، والذخاير المصونة، وآنية الزِّينَة الثَّقِيلَة، والأسلحة المستجادة، وعاثت فِي الخزاين الطامية، والأقوات الهايلة، ودنان الأدهان
المدخرة، وَالْخُمُور الْمُقدمَة، إبادة ونهبا، وإراقة ونقلا، إِلَّا مَا يكاثر الْحَصَى، واجزاء الهبا، من الْحَيَوَان الْمُخْتَلفَة الْأَجْنَاس، صواهل ضامرة، وسواجع بادية ويعافير فارهة. وغصت الأضبان، ووهنت الأكثاد، بِمَا فِيهِ يرغب، من الماعون والسقط والخرئي، وجلال الْأَسْبَاب، حَتَّى القسى، والسرج الدني [وَمَا يشنفه الْغنى] وَأخذت الدّور والقصور، وَالْبيع وهياكل الْعِبَادَة، والرباع الشهيرة، [والحانات، والديرة الْمَقْصُودَة، والقياسر الميسورة] أَيدي الإثارة، والإبادة، فسلطت النَّار على أعاليها، وَالْهدم على مَا يَليهَا، وجللها الدُّخان، وظللها الخسران، ونادى بهَا لِسَان، الحمية، فِي مرضاة رب الْبَريَّة، بالثارات الْإسْكَنْدَريَّة. وقيدت نواقسها بالحبل الَّتِي حركت جبالها، وقلقلت هضابها، فأبرزت خاسئة صاغرة، وَتركت بعد ثل ألسنتها دامية فاغرة، وجنب من الأسرى، وهم الفل الَّذِي تخطاه الْأَجَل الْمَكْتُوب، وَالْقدر المحتوم، أوشفع فِيهِ الْحسن المرموق طوايف غصت بقطارهم، السبل العريضة. وَضَاقَتْ بواردهم المناهل المفرقة، وَهلك بَين جدرانها من النسم الْكَافِرَة، والطوايف المجانبة للحق المنافرة، بَين بهم مقدم، وشجاع معلم، وَفَارِس مغوار، ومنتجع فلاحة، ومعاني صناعَة، وملتمس تجر وقنية، ومقيم مِلَّة، مَا لم تستأصله الهزايم الشهيرة، والوقايع المبيرة. كفى الله شرهم، وَدفع ضرهم، سُبْحَانَهُ لَا دَافع لنقمته الحانقة بالمعتدين، وَلَا راد لِبَأْسِهِ عَن الْقَوْم الْمُجْرمين. وتخلص من أسرى الْمُسلمين جملَة، طرقهم الْفرج الَّذِي لَا يحْتَسب. واللطف الَّذِي تنجاب بِهِ الكرب، ولجأ الفل المحروب من جمهرها، وهم معشار المعشار من صريعها
ومأسورها، أزوادا تنشر عَلَيْهَا عصي سمر الرماح، وأسرابا تخفق فَوْقهَا أَجْنِحَة الْجراح، من بيض الصفاح، إِلَى حمى القلعات المشيدة، فنراكموا بالقنة القايمة بِأَعْلَى الندوة، وَقد جنح الْأَصِيل، وجاذب القرص المسيل، فرتبنا عَلَيْهِم المسالح والأحراس، ووكلناهم إِلَى غيب الزحام، وَسُوء الْمقَام، وبرح الظما، ورجز السما، وتربصناه بالإجهاز عَلَيْهِم، انقشاع الظلماء، وباكرناهم وطبول الْعِزَّة بِاللَّه هادرة، وَكلمَة الْحق قايمة صاعدة، وعزايم الصدْق مَاضِيَة. فعاطينا تِلْكَ القلعة الشما [فِي السكَك الْمُزَاحمَة لشهب الأفلاك] الْحَرْب الضرسة الَّتِي لم يعْهَد بِمِثْلِهَا، فِي زمَان سالف، ودهر غابر، بلغ فِيهَا الصَّبْر أغياما، تتجاذبه مطولات الْقصاص، وغرايب الأسمار، وَيجمع فِيهَا أَلْسِنَة الْأَخْبَار. فَدخلت القصبة الأولى، وَارْتَفَعت فِي أبراجها البنود، وانتقل من بهَا إِلَى الثَّانِيَة. وَلما افْتقر أمرهَا من بعد المحاولة إِلَى المطاولة، ورأينا بعد ذَلِك أَن لَا مطمع فِي اسْتِبْقَاء الْمَدِينَة، إِذا استخلصنا القصبة الشاهقة، وفتحنا القلعة السامية، لمَكَان العقد، مَعَ ولي قاعتها، ومستحق خربتها، ضنا بالنفوس الْمسلمَة، أَن تفيض من دونهَا لجاجا، أَو تبيد عَلَيْهَا مجَّانا، وَأَن من تحصل بهَا، أشبه شَيْء بِالْعدمِ، قلَّة وذلة، وارتيابا وأشتاتا، وَقد أثبتهم الرُّمَاة، وفشت فيهم الْجراح. ونبا بهم الوطن، واقتطعتهم المحن، أجبناهم إِلَى مَا بذلوا فِي جماجمهم من الفدا على الإفراج عَنْهُم، والإقلاع عَن ساحتهم. فتم ذَلِك فِي يَوْم الْجُمُعَة الْخَامِس من يَوْم المنازلة [بعد أَن] توثقنا فِي شَأْنهمْ، واقتضينا مائَة من متخير
رهائنهم. هَذَا بعد أَن جهر الْمُنَادِي, بعقر الْأَشْجَار, وانتساف تِلْكَ الأقطار, [فأمسى الجناب الْأَخْضَر, لَا يظل ضاحيا وَلَا يقل فراشا هافيا]. وتناولت الأقواس جراثيم الْعقار فعقرتها, وقرأت أَلْسِنَة النَّار سُورَة التِّين وَالزَّيْتُون فجرفتها, وحالت أَيدي الْبَوَار, واستؤصلت عاديات الْأَشْجَار, وفجع بخندق الْجنَّة أهل النَّار, وَطَاف عَلَيْهَا طايف من الله, وأصبحت كالصريم, وطلعت عَلَيْهَا بالصليم, لكتاد غرَّة الْيَوْم العصيب, وتقاسمت الْأَيْدِي تخريب أسوارها, فهشمت أَسْنَان الشرفات, وجدعت آناف الأبراج المشرفات, فَهِيَ الْيَوْم اليباب البلقع, ووهيها الوهي الَّذِي لَا يرقع. وَاتفقَ من تَمام الصنع أَن تلاحق بمحلتنا عَلَيْهَا وَزِير السُّلْطَان صَاحب قشتالة, فِي كَتِيبَة خشنة من قومه, وعددهم من أَتْبَاعه, مستجيرا بِنَا من مُطَالبَة سُلْطَانه, طارحا نَفسه علينا, فِي تكفل أَمَانه, فَرَأى من وفور محلات الْمُسلمين مَا بلد فكره, وحير لحظه, وَشَاهد من عَظِيم أَثَرهم فِي الْبَلَد المستباح, الَّذِي دمروه, وَعدد من استرقوه وأسروه, مَا ضاعف حسرته, وأذرف عبرته. فَكَانَ ذالك طرازا على الْحلَّة السيراء, وتماما للنعمة النعمى, وأملا فِي ظُهُور الدّين, وَالْحَمْد لله تكيف وتأتى. وقفلنا بِالْمُسْلِمين, هنأهم الله بِمَا وهبهم وَقد وسم وُجُوههم الاستبشار, وحلل قِتَالهمْ فِي سَبِيل الله النَّقْع للثار, وَقد فجعوا الْكفْر بِأم من أَمَاتَهُ, وكرسي الْملك مُسْتَقل بذاتة, وتركوها أوحش من القفر, وأخلى من جَوف الْقَبْر, مرصوفة السكَك بالجثث والأشلاء, مظللة بأعنان تبلغ أعنان السَّمَاء, مرفرفة فَوْقهَا عصايب القشاعم, متزاحمة على شعابها ونقابها الضباع الصرامح, والعواسل والكواسر, قد شاه مرآها الْجَمِيل, وأوحش
مربعها الأنيس، قفولا مَلأ بِلَاد الْكفْر رعْبًا، وجاسها ذعرا، وَأقَام لِلْإِسْلَامِ [وَأَهله فِيهَا] وزنا، ويالها من شَوْكَة خضدها الله وأبادها, وأذهب كيادها. وَمن يتوكل على الله فَهُوَ حَسبه, إِن الله بَالغ أمره. وعرجنا فِي هَذَا الإياب الْعَزِيز على مَدِينَة باغة الْحُجْرَة, من بَنَات تِلْكَ الْأُم البائسة, وفروع تِلْكَ الشَّجَرَة المجتثة, فَصَارَت سحيرا للسيل, وملتهم الويل, ومنتهب الرجل وَالْخَيْل, وألفينا قاطنها قد ولى هربا, وَاتخذ اللَّيْل جملا, وبيوتها مشحونة أثاثا وأقوتا, وَنِعما أشتاتا, فَأَخذهَا النهب, وَفَشَا فِي عيصها الأشب العيث, وتعلقت النَّار بزياتينها لمَكَان العلاقة, وأغرت بهَا لأجل السلبط أَلْسِنَة السلاطة, فَقلب الدمار أعيانها رَمَادا, وألبسها الْحَرِيق للثكل حدادا.
وانصرفنا عَنْهَا, وَالْعَمَل إِن شَاءَ الله على التعقيب مستوفر, والعزم إِن شَاءَ الله على الْعود إِلَى أبدة الذاهبة مذهبها متجدد. نسْأَل الله أَن يتم علينا النعم, ويجزل من فَضله الْمَوَاهِب وَالْقسم, ويلهمنا الشُّكْر المستدعي للمزيد, فَهُوَ الْوَلِيّ الحميد. وبادرنا تَعْرِيف مقامكم بِمَا سناه الله, قبل حط البنود عَن الْجِيَاد, والحمايل عَن الأكتاد, علما بموقع هَذَا الصنع من دينكُمْ الْأَصِيل, ومجدكم الْعَزِيز, وملككم الْكَبِير, فَهُوَ دينكُمْ وجواركم, ووطنكم الثَّانِي وداركم. وَقد كَانَت هَذِه المكيفات, بشاير ولي الله السُّلْطَان الْمُقَدّس والدكم, الَّذِي لَا يتحف بأسنى مِنْهَا خطرا, وَلَا يهدي أجل مِنْهَا قدرا. وَأَنْتُم وَارِث خلاله الصَّالِحَة, وشيمه الْبرة الطاهرة. وَنَرْجُو الله أَن يكون هَذَا الْفَتْح, تمهيدا لمذخور نصركم, وإرهاصا بَين يَدي جهادكم, ولتتحققوا أَنه لَو جمع الله جمع الْإِسْلَام على الْجِهَاد, لعاد الْفَتْح الأول
جدعا, وتقهقر الْكفْر جزعا, وراجع حُدُوده هربا. وَبِيَدِهِ الْخلق وَالْأَمر, وَمَا أمرنَا إِلَّا بِوَاحِدَة, وَمَا ذالك على الله بعزيز, وَهُوَ سُبْحَانَهُ يهيء لكم وَلنَا من أمرنَا رشدا, ويوفقنا كَمَا يقربنا الله زلفى, بفضله وَرَحمته. وَالسَّلَام الْكَرِيم, الْبر العميم, يعْتَمد كم كثيرا أثيرا, وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته. كتب فى آخر شهر الله الْمحرم من عَام تِسْعَة وَسِتِّينَ وسبعماية.
تمّ السّفر الأول
وَكَانَت الْحَرَكَة بعْدهَا فِي أوايل شهر ربيع الأول الْمُبَارك من عَام تِسْعَة وَسِتِّينَ وَسَبْعمائة إِلَى مَدِينَة أبدة. فاحتل السُّلْطَان [بِمن لنظره] من جَيش الْمُسلمين بظاهرها، فافتتحها عنْوَة وَاسْتولى على مساكنها التدمير والتئبير، وعفت آثارها، وهدمت كنائسها وأسوارها، وقفل إِلَى حَضرته الْعلية بِجنب نصرا لَا كفاء لَهُ. وصدرت عَنهُ مُخَاطبَة سُلْطَان الْمغرب من إملائي بِمَا نَصه بعد سطر الأفتتاح.
الْمقَام الَّذِي نعاطيه أكواس المسرات دراكا، ونجعل لَهُ فِي الْفتُوح وثوابها الممنوح اشتراكا، ونتحفه بالأنباء الشاهدة بخلوص الْوَلَاء على الْوَلَاء سكونا أَو حراكا، مقَام مَحل أخينا، الَّذِي شَأْنه السرُور بِمَا يفتح الله بِهِ على الْمُسلمين وَالْإِسْلَام، والابتهاج بِمَا اجتلاه الدّين الحنيف من سَعَادَة الْأَيَّام، والمساهمة الَّتِي تلِيق بِمثلِهِ من الْمُلُوك الْأَعْلَام، السُّلْطَان الكذا أبي فَارس ابْن السُّلْطَان الكذا أبي الْحسن ابْن السُّلْطَان الكذا أبي سعيد ابْن السُّلْطَان الكذا أبي يُوسُف يَعْقُوب ابْن عبد الْحق، أبقاه الله، وبابه بالبشاير مَقْصُود، وسعده فِي الْأُفق الْأَعْلَى مرصود، وَملكه بِاللَّه مَعْصُوم معضود، وشمله باتصال الْأمان وَرَضي الرَّحْمَن منضود، وظل عدله وفضله مَمْدُود، وآثاره فِي الْآثَار الصَّالِحَة الْبَاقِيَة مَحْسُوب مَعْدُود، مُعظم قدره العالي الاقتدار، المسرور لهلاله السعيد لصفة الْأَبْرَار، واستقامة الدَّار، الدَّاعِي لَهُ فِي حَالي الْإِيرَاد والإصدار، بالزلفى وعقبي الدَّار، الْأَمِير عبد الله مُحَمَّد ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْحجَّاج ابْن أَمِير الْمُسلمين أبي الْوَلِيد
ابْن نصر. سَلام كريم، ينم فِي جو الخلوص مِنْهُ نسيم، ويتجلى فِي مظهره الود المرصوص لَهُ محيا وسيم، وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته.
أما بعد حمد الله معرف العوايد الجميلة، ومعدد العوارف، ومصرف الألطاف الْحَسَنَة، ومحسن المصارف، مُجَدد الْيمن المتعاقب المترادف، ومؤيد الْعِزّ التالد بالطارف، الْجواد الَّذِي أخلصت آراؤه العميمة، ومننه الْكَرِيمَة وصف الواصف، نَاصِر حزب الْإِسْلَام، على معاند دَعوته السامية الْأَعْلَام والمخالف، ومظهر دينه الْحق على الْأَدْيَان، إنجازاً لوعده السَّابِق فِي الزَّمن السالف. وَالصَّلَاة على سيدنَا ومولانا مُحَمَّد رَسُوله، أَمَان الْعباد عِنْد اشتداد المخاوف، والظل الظليل الوارف، وغمام الرَّحْمَة الواكف، المنقذ بِنور هداه من المتالف، وَالرِّضَا عَن آله الشم الأنوف الغطارف، سَحَاب العوارف، [وبحار الغوارف]، الَّذين نصروه فِي حَيَاته بالبيض المواضي، والسمر الرواعف، وَقَامُوا بسنته قيام الْوَاصِل العاكف. والمناصح الملاطف، حَتَّى دنت الغصون للقاطف، واختالت الْملَّة من ثِيَاب الْعِزّ فِي أبهى المطارف، وَالدُّعَاء لمقام أخوتكم، أبقاه الله مثابة البادي والعاكف، بالصنع المساعد المساعف. واليمن المتزايد المتضاعف، والنصر الَّذِي تشهد بِهِ أَلْسِنَة المارق من الجهادية والمواقف. فَإنَّا كتبناه إِلَيْكُم، كتب الله لكم سَعْدا يتكفل بإسعاد الراضي. وتمهيد الراجف، وعدلا تمْضِي فِيهِ أوراق المطالب، حكم أوراق الْمَصَاحِف، والسعد بر المتاحف، وَالْحَمْد لله كثيرا كَمَا هُوَ أَهله، فَلَا فضل إِلَّا فَضله، ومقامكم الْعلي وجهة التَّعْرِيف بِمَا يتزيد من منح، أَو يفتح الله ﷻ من فتح، تكل فِي بَحر تَفْسِيره الأقلام، عَن فسح وإسهاب وَشرح، إِذْ الخلوص المجدد، وَالْحق الَّذِي لَا يجْحَد، والود المتوارث الَّذِي عقوده تشهد،
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع