من «ريحانة الكتاب ونجعة المنتاب» للسان الدين بن الخطيب (ت ٧٧٦هـ)
أديب نَار فكره يتوقد، وأديب لَا يعْتَرض كَلَامه وَلَا ينْقد. أما الْهزْل فَهُوَ طَرِيقَته المثلى، ركض فِي ميدانها وجلى، وطلع فِي أفقها وتجلى، فَأصْبح علم أعلامها، وعابر أحلامها. إِن أَخذ بهَا فِي وصف الكاس، وَذكر الْورْد والآس، وألم بِالربيعِ وخصله، والحبيب
وَوَصله، وَالرَّوْض وطيبه، والغمام وتقطيبه،
شقّ الْجُيُوب طَربا [وعَلى النُّفُوس إربا وَضَربا، وَإِن أشْفق لاعتلال العشية، فِي فرش الرّبيع المواتية] ثمَّ تعداها إِلَى وصف الصبوح، وأجهز على الزق الْمَجْرُوح وَأَشَارَ إِلَى نغمات الْوَرق [يرفلن فِي الْحل الزرق] وَقد اشتعلت فِي غير اللَّيْل نَار الْبَرْق، وطلعت بنود الصَّباح فِي شرفات الشرق، سلب الْحَلِيم وقاره، وَذكر الخليع كأسه وعقاره، وحرك الأشواق بعد سكونها وأخرجها من وَكَونهَا بِلِسَان يتزاحم على مورد الخبال، ويتدفق من حَافَّاته الْأَدَب السيال، وَبَيَان يُقيم أود الْمعَانِي، ويشيد مصانع اللَّفْظ محكمَة المباني، ويكسو حلل الْإِحْسَان جسوم المثالث والمثاني، إِلَى نادرة لمثلهَا يشار، ومحاضرة يجنى بهَا الشهد ويثار، وَقد أثبت من شعره الْمغرب، وَإِن كَانَ لَا يتعاطاه إِلَّا قَلِيل وَلَا يجاوره إِلَّا تعليلا، أبياتا لَا تَخْلُو من مسحة جمال على صفحاتها، وَهبة طيب تنم فِي نفحاتها.
النص من طبعة مكتبة الخانجي بالقاهرة (١٩٨٠م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع