من «نفحة اليمن فيما يزول بذكره الشجن» لأحمد الشرواني (ت ١٢٥٣هـ)
الباب الرابع لامية (٢)
منجيات فأما المهلكات فشح مطاع وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه، وأما المنجيات فخشية الله في السرّ والعلانية والقصد في الغنى والفقر والعدل في الرضا والغضب، وقال عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث يثبتن لك الودّ في صدر أخيك أن تبدأه بالسلام وتوسع له في المجلس وتدعوه بأحب الأسماء إليه، وقال رسول الله ﷺ (ثلاثة لا يقبل الله منهم صرفاً ولا عدلاًَ ولا صلاة ولا يرفع لهم حسنة: العبد الآبق حتى يرجع إلى مولاه والمرأة الساخط عليها بعلها حتى يرضى عنها والسكران حتى يصحو) وقال المأمون: ثلاثة لا ينبغي للعاقل أن يقدم عليها شرب السم للتجربة وإفشاء السرّ إلى ذي القرابة الحاسد وركوب البحر وإن ظن فيه الغنى، وقال الحسن بن سهل: ثلاثة تذهب ضياعاً دين بلا عقل وقدرة بلا فعل ومال بلا بذل، وقال لقمان: ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن، الشجاع عند الحرب والحليم عند الغضب وأخوك عند حاجتك إليه، وقال آخر: ثلاثة من أعزهم عادت عزته ذلاً السلطان والولد والغريم، وقال جعفر الصادق ﵁: من طلب ثلاثاً بغير حق حرم ثلاثاً بحق، من طلب الدنيا بعير حق حرم الآخرة بحق، ومن طلب الرياسة بغير حق حرم الطاعة بحق، ومن طلب المال بغير حق حرم بقاءه بحق، وقال آخر: الأنس في ثلاثة، الصديق المصافي والولد البارّ والزوجة الصالحة، وقال آخر: ثلاثة ينبغي أن يُكرموا ذو الشيبة لشيبته وذو العلم لعلمه وذو السلطان لسلطانه، وقال آخر: في المال ثلاثة عيوب يكسب بالحظ ويحفظ باللؤم ويتلف بالجود، وقال آخر: ليس في ثلاثة حيلة فقر يخالطه كسل، وعداوة يداخلها حسد، ومرض يمازجه هرم، وقال آخر: ثلاثة أشياء قليلها كثير المرض والنار والعداوة، وكان يقال من ألهم ثلاثاً لم يحرم ثلاثاً، من ألهم الدعاء لم يحرم الإجابة، ومن ألهم الاستغفار لم يحرم المغفرة، ومن ألهم الشكر لم يحرم المزيد، وقيل لأعرابي ما نقمتم من أميركم فقال ثلاث خصال: يقضي بالعشوة ويطيل النشوة ويأخذ الرشوة. قال رسول الله ﷺ (أربعة لا تكون
إلا بأربعة لا حسب إلا بتواضع، ولا كرم إلا بتقوى، ولا عمل إلا بنية، ولا عبادة إلا بيقين) وقال محمد بن الربيع لحاتم الأصم علام بنيت أمرك قال على أربع خصال: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنت بذلك نفسي، وعلمت أن عملي لا يعمله غيري فأنا به مشغول، وعلمت أن أجلي لابد أن يأتي فأنا ابادره، وعلمت أني لا أغيب عن
عين الله فأنا منه مستحي واجتمع حكماء العرب والعجم على أربع كلمات: وهي لا تحمل نفسك ما لا تطيق ولا تعمل عملاً لا ينفعك، ولا تغترّ بامرأة وإن عفت، ولا تثق بمال وإن كثر، وقال بعض الحكماء: من استطاع أن يمنع نفسه من أربع كان خليقاً أن لا ينزل به المكروه العجلة واللجاج والتواني والعجب، قال رسول الله ﷺ (خمس من كنّ فيه كن عليه قيل وما هنّ يا رسول الله قال: النكث والمكر والبغي والخداع والظلم، فأما النكث فقال الله تعالى - فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، وأما المكر فقال الله تعالى - ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله، وأما البغي فقال الله تعالى - يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم - وأما الخداع فقال الله تعالى - يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم، وأما الظلم فقال الله تعالى - وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، (وقال ﵊ خمسة من خمسة محال: الحرمة من الفاسق محال والكبر من الفقير محال والنصيحة من العدوّ محال والمحبة من الحسود محال والوفاء من النساء محال) وقال ﵊ (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وعناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك)، وقال بعض الحكماء: لا ينبغي للعاقل أن يسكن بلداً ليس فيه خمسة أشياء: سلطان حازم وقاض عادل وطبيب عالم ونهر جار وسوق قائم. قال رسول الله ﷺ (اضمنوا لي ستاً من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدّثتم وأوفوا إذا وعدتم وأدّوا إذا ائتمنتم واحفظوا فروجكم وغضوا أبصاركم وكفوا أذاكم) وقال ﵊ (ستى لا تفارقهم الكآبة الحقود والحسود وفقير قريب العهد بالغنى وغنيّ يخشى الفقر وطالب رتبة يقصر عنها قدره وجليس أهل الأدب وليس منهم) وقال علي ﵁: لا خير في صحبة من اجتمع فيه ست خصال إن حدثك كذب وإن حدثته كذبك وإن ائتمنته خانك وإن أئتمنك اتهمك وإن أنعمت عليه كفرك وإن أنعم عليك منّ بنعمته، وفي
كتاب كليلة ودمنة ستة لا ثبات لها: ظل الغمام وخلة الأشرار والمال الحرام وعشق النساء والسلطان الجائر والثناء الكاذب، وقال بعض الحكماء: لا خير في ستة إلا مع ستة لا خير في القول إلا مع الفعل ولا في المنظر إلا مع المخبر ولا في المال إلا مع الإنفاق ولا في الصدقة إلا مع النية ولا في الصحبة إلا مع الإنصاف ولا في الحياة إلا مع الصحة، وقال آخر ينبغي للملك أن يكون له ستة أشياء:
وزير يثق به ويفضي إليه سره وحصن يلجأ إليه إذا فزع وسيف إذا نازل الأقران لم لم يخف نبوته وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة حملها معه وامرأة حسناء إذا دخل إليها أذهبت همه وطباخ حاذق إذا لم يشته الطعام صنع له ما يشتهيه، وقال آخر أصعب ما على الإنسان ستة أشياء أن يعرف نفسه ويعلم عيبه ويكتم سرّه ويهجر هواه ويخالف شهوته ويمسك عن القول فيما لا يعنيه، قال رسول الله ﷺ (سبعة أشياء يكتب للعبد ثوابها بعد وفاته رجل غرس نخلاً أو حفر بئراً أو أجرى نهراً أو بنى مسجداً أو كتب مصحفاً أو ورّث علماً أو خلف ولداً صالحاً يستغفر له) وقال بعض الحكماء: اجتنب سبع خصال يسترح جسمك وقلبك ويسلم عرضك ودينك لا تحزن على ما فاتك ولا تحمل على قلبك همّ ما لم ينزل بك ولا تلم الناس على ما فيك مثله ولا تطلب الجزاء على ما لم تعمل ولا تنظر بالشهوة إلى ما لا تملك ولا تغضب على ما لا يضرّه غضبك ولا تمدح من يعلم من نفسه خلاف ذلك. قال رسول الله ﷺ لأصحابه (ألا أخبركم بأشبهكم بي قالوا بلى يا رسول الله قال أشبهكم بي من اجتمعت فيه ثمان خلال من كان أحسنكم خلقاً وأعظمكم حلماً وأبرّكم بقرابته وأشدكم حباً لإخوانه في دينه وأصبركم على الحق وأكظمكم للغيظ وأكرمكم عفواً وأكثركم من نفسه إنصافاً)، وقال بعض الحكماء: ثمانية إذا أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم الآتي مائدة لم يدع إليها والمتأمر على صاحب البيت في بيته والداخل بين اثنين في حديث لم يدخلاه فيه والمستخف بالسلطان والجالس في مجلس ليس له بأهل والمقبل بحديثه على من لا يسمعه وطالب الخير من أعدائه وراجي الفضل من عند اللئام، وقال بعض الأدباء: ثمانية لا تمل خبز الرّ ولحم الضأن والماء البارد والثوب اللين والفراش الوطيء والرائحة الطيبة والنظر إلى كل حسن ومحادثة الإخوان، ارتجل عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه تسع كلمات ثلاث في
المناجاة وثلاث في العلم وثلاث في الأدب، فأما التي في المناجة فقوله: كفاني فخراً أن أكون لك عبداً أنت لي كما أحب فوفقني لما تحب، وأما التي في العلم فقوله: المرء مخبوء تحت لسانه تكلموا تعرفوا ما ضاع امرؤ عرف قدره، وأما التي في الأدب فقوله أنعم على من شئت تكن أميره واستغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره. قال بعض الحكماء: في السفر عشر خصال مذمومة، مفارقة الإنسان من يألفه ومصاحبة من لا يشاكله والمخاطرة بما يملكه ومخالفة
العادة في أكله ونومه ومباشرة البرد والحرّ بجسمه ومجاهدة البول في إمساكه ومقاساة سوء عشرة المكارين وملاقاة الهوان من العشارين والدهشة التي تناله عند دخول البلد والذل الذي يلحقه في ارتياد المنزل.
[ومن أمثال الفضلاء] التوبة تهدم الحوبة، التحدث بالنعم شكر، الدال على الخير كفاعله، السعيد من وعظ بغيره، آفة العلم النسيان، الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا، الحلم سجية فاضلة، الانصاف راحة، العجلة زلل، التواني إضاعة، الفكرة مرآة صافية، الناس أعداء ما جهلوا، الجود بذل الموجود، المرض حبس البدن والهم حبس الروح، إعلان الشماتة كيد العدوّ العاجز، العشق داء لا يعرض إلا للقلوب الفارغة، الناس على دين الملك، الأناة محمودة إلا عند إمكان الفرصة، السلاح ثم الكفاح، الفرار في وقته ظفر، المذاكرة صيقل العقل، أقصر لما أبصر، الدهر أفصح المؤدبين، أجلست عبدي فاتكأ، النساء يغلبن الكرام ويغلبهنّ اللئام، اصطلح الخصمان وأبى القاضي، العاقل يترك ما يجب خوفاً من العلاج بما يكره، الشرّ يأتي من لا يأتيه، الجهل موت الأحياء، الأحمق في شبابه خرف، أشد الجهاد مجاهدة الغيظ، الحذق لا يزيد في الرزق، الأماني تعمي عيون البصائر، العفو عن المقرّ لا عن المصرّ، المنية تضحك من الأمنية، السلم سلم السلامة، البشر عنوان الكرم، أصح الثناء ما اعترف به الأعداء، الزمان ذو ألوان، الإنسان بالإخوان، والسلطان بالأعوان، البخل بالعلم على غير أهله، العلماء غرباء لكثرة الجهال، القلم شجرة ثمرة المعاني، الصمت منام والكلام يقظة، العجب آفة اللب، الجاهل عدو لنفسه، فكيف يكون صديقاً لغيره، الفهم شعاع العقل، أولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، أحق ما صبر عليه ما لابد منه، الدنيا والآخرة ضرّتان إن أرضيت إحداهما
أسخطت الأخرى، الناس في الدنيا بالأحوال وفي الآخرة بالأعمال، النفس مائلة إلى شكلها والطير واقعة على مثلها، النحو في الكلام كالملح في الطعام، اللحن في المنطق كالجدري في الوجه، الأنام فرائس الأيام، القلم أحد اللسانين، السامع للغيبة أحد المغتابين، كل الصيد في جوف الفرا، جبلت القلوب على حب من أحسن إليها وبغض من أساء إليها، من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه، سيد القوم خادمهم، شرّ العمى عمى القلب، خير الأمور أوساطها، رسولك ترجمان عقلك، من سعادة جدك وقوفك عند حدك، لسان الجاهل مالك له ولسان العاقل مملوك معه، خير العطايا ما وافق الحاجة،
خير المعروف ما لم يتقدمه مطل ولم يتبعه منّ، خير الكلام ما أسفر عن الحاجة، صبرك على الاكتساب خير من حاجتك إلى الأصحاب، صام حولاً وشرب بولاً، ثوب الرجل لسان نعمة الله عليه، مجالسة الثقيل حمى الروح، قصص الأولين مواعظ الآخرين، جزاء من يكذب الآن أن يصدق يوم العجز غداً، بعد الكدر صفو وبعد المطر صحو، شرط المعاشرة ترك المعاسرة، بالأقلام تساس الأقاليم، صدور الأحرار قبور الأسرار، ظن العاقل خير من يقين الجاهل، نجا المخفون، كلب جوال خير من أسد رابض، عليّ أن أقول وما عليّ القبول، للعادة على كل شيء سلطان، نعم الرفيق التوفيق، كم بين الدر والحصا والسيف والعصا، قد رخص ما غلا وسفل ما علا، كلام فائق في خط رائق، قد تكسد اليواقيت في بعض المواقيت، عادات السادات سادات العادات، صحبة الأشرار تورث سوء الظن بالأخيار، اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، وانصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، وجهوا آمالكم إلى من تحبه قلوبكم، ارع حق من عظمك لغير حاجة إليك، استغن عن الناس يحتاجوا إليك، خفف طعامك تأمن أسقامك، كن ذنباً في الخير ولا تكن رأساً في الشرّ، اغد عالماً أو متعلماً ولا تكن الثالث فتهلك، خذه بالموت حتى يرضى بالحمى، لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك، لا تكن ممن يلعن ابليس في العلانية ويواليه في السر، إذا فاتك الأدب فالزم الصمت، إذا تم العقل نقص الكلام، إذا طالت اللحيبة تكوسج العقل، إذا تكرر الكلام على السمع نفر القلب، إذا جحد الإنسان وجب الامتنان، إذا وجدت حاجتك في السوق فلا
تطلبها من أخيك، من حمل ما لا يطيق عجز، من فكرّ في العواقب لم يتشجع، من أطاع غضبه أضاع أدبه، من قلّ صدقه قلّ صديقه، من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، من ودّك لأمر أبغضك عند انقضائه، من عرف نفسه لم يضرّه ما قال الناس فيه، من كثرت نعمة الله عليه كثرت حوائج الناس إليه، من ضاق خلقه مله أهله، من لانت كلمته وجبت محبته، من طمع في الجل فاته الكل، من زرع الإحن حصد المحن، من كثر هرجه وجب هجره، ربما كان الدواء داء، ربّ كلمة سلبت نعمة، لولا السيف كثر الحيف، ليس الخبر كالمعانية، ليس جزاء من سرك أن تسوءه. قال العلامة شمس الدين بن حبيب رحمه الله تعالى العلم نعم السمير والعقل بشير بالخير يشير، اجتهد في طلب العلوم تنفرد بما يرفعك إلى النجوم، المجد ببذل اللهى والفضل بالأدب والنهى، من صادق العلماء زها
بدره، ومن رافق السفهاء وهى قدره، العلم ثمرته الإنصاف والزهد نتيجته العفاف، التقوى أفضل حلة، والمروءة أجل خلة، الحق سيف قاطع والصدق درع مانع، العقل أحسن المواهب، والجهل أقبح المصائب، من رضي بالقدر وقي شر الحذر، اليأس يعز الأصاغر والطمع يذل الأكابر، حاسب نفسك تسلم ولا تقتحم الأخطار تندم، من سره الفساد في الأرض ساءه التعب يوم العرض، لا تقل إلا بما يطيب عنك نشره ولا تفعل إلا ما يسطر لك أجره، السعيد من اتعظ بماضي أمسه والشقي من ضن بخيره على نفسه، لا تغرك صحة بدنك اليسيرة فمدة العمر وإن طالت قصيرة، من لم يعتبر بالمساء والصباح لم يرتدع بقول اللوّام النصّاح، ومن قنع برزقه استغنى ومن صبر نال ما تمنى:
إذا الرزق عنك نأى فاصطبرومنه اقتنع بالذي قد حصل
ولا تتعب النفس في وصلهفإن كان ثم نصيب وصل
من آمن بالآخرة فاز بالملابس الفاخرة، ومن رفع حاجته إلى الله نجحت، ومن تمسك بغيره خسرت تجارته وما ربحت، من لم تفسد شهوته دينه وصل إلى الأماكن الكمينة، أبصر الناس من نظر إلى عيوبه ولجأ إلى ربه في التجاوز عن ذنوبه، أرفع الأعمال ما اوجب شكراً وأنفع الأموال ما أعقب أجراً، الدنيا ظل زائل والشبيبة ضيف راحل، عد عن طاعة هواك واحذر من مخالفة مولاك، من لزم شأنه دامت سلامته ومن حفظ لسانه قلت ندامته، الصمت يرفع لك المنار ويخلع
عليك ثوب الوقار، الزمان لا يبقى على حال والدنيا طبعها الغدر والملال تفتن بزهرتها الداوية وتخدع بزينتها المتلاشية، لا تفن عمرك في المعاصي وخذ حذرك من مالك النواصي، إياك وكثرة الكلام فإنه ينفر عنك الكرام، لا تودع سرك غير صدرك ولا تتكلم بما يحوجك إلى إقامة عذرك، من بسط يده بالجود خرج من العدم إلى الوجود، لا تعج عن سبيل الصواب ولذ بجناب ربّ الأرباب واسع إلى باب من بيده الملك وهو على كل شيء قدير، واخش من يعلم السر واخفى - إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير -.
ومن أمثال العرب:
إياك أعني فاسمعي يا جارةإن البلاء موكل بالمنطق
إن الجواد قد يكبو والزناد قد يخبو، عن لم يكن وفاق ففراق، إياك أن يضرب لسانك عنقك،
أجع كلبك ينفعك، ربّ أخ لك لم تلده أمك، رب طمع أدى إلى عطب، ربما كان السكوت جواباً، طاعة النساء ندامة، عند الصباح يحمد القوم السرى، الحر تكفيه الإشارة، عند الرهان تعرف السوابق، عند النازلة تعرف أخاك، كاد العتاب يوجب البغضاء، الكلام أنثى والجواب ذكر، كل إناء ينضح بما فيه، لكل صارم نبوة ولكل فارس كبوة، لكل قادم دهشة، لكل ساقطة لاقطة، لكل مقام مقال، لكل دهر رجال، لا يلدغ المرء من جحر مرتين، ما حكّ جسمك مثل ظفرك، النفس مولعة بحب العاجل، هذه بتلك والبادي أظلم، يا حبذا الإمارة ولو على الحجارة، لا عطر بعد عروس.
ومن الأمثال السائرة من كلام العامة
العادة طبع خامس، الغائب حجته معه، الحر حر وإن مسه الضر، والعبد عبد وإن مشى على الدر، تعاشروا كالإخوان وتعاملوا كالأجانب، ثمرة العجلة الندامة، جواهر الأخلاق تفضحها المعاشرة، سلطان غشوم خير من قتنة تدوم، غش القلوب يظهر فلتات الألسن، غنى المرء في الغربة وطن، فرَّ من الموت وفي الموت وقع، فم يسبح وقلب يذبح، لو كان في البوم خير ما فات الصياد، لكل جديد لذة، إذا كان صاحبك عسل لا تلحسه كله، إذا غاب عنك اصله كانت دلائله فعله، إذا وصلنا وسلم الله نبع بما قسم الله، إذا وقعت يا فصيح لا تصيح، تراب العمل ولا زعفران البطالة، جور الترك ولا عدل العرب، جور القط ولا عدل الفار، حط فليساتك في كمك واشتر أباك وأمك، عند الخبز آكل مائة وعند الشغل ما لي نية، دار الظالم خراب ولو
بعد حين، ذا الخبز ما هو من ذاك العجين، سل المجرب ولا تسأل الحكيم، شرب السموم القاتلة ولا الحاجة إلى السفل، طار طيرك وأخذه غيرك، طوّل الغيبة وجاءنا بالخيبة، عنقود معلق في الهواء من لا يصل إليه يقول حامض، فقير ونقير وكلامه كثير، كأنه عصفور يأتيك بلاش ويأوي في العشاش، من عاشر غير جنسه دق الهم صدره، أهدوا هدية وعينهم فيها وهم يقولون الله يردّها، لا تعايرني ولا اعايرك الدهر حيرني وحيرك، لا أصل شريف ولا وجه ظريف، قال بعضا الحكماء من حزم الإنسان أن لا يخادع أحداً ومن كمال عقله أن لا يخدعه أحد، لا تنال القليل مما تحب إلا بالصبر على الكثير مما قد تكره، من أيقن بالمجازاة لم يعمل سوءاً، أنقص الناس عقلاً من عامل من هو دونه، لا شيء أسرع لإزالة النعمة من الظلم، ولله در القائل:
كم نعمة زالت بأدنى زلةولكل شيء في تقلبه سبب
وقال آخر العقل وزير ناصح والمال ضيف راحل، الحسد كصداء الحديد لا يزال به حتى يأكله، من صحب الزمان رأى منه العجب، من طال عمره فقد أحبته، من اعتزل عن الناس سلم منهم، للدهر طعمان حلو ومر، أكمل الناس من ملك الرجال بجميل الخصال وأجهلهم من طلب ما لا ينال، اقتناء المناقب باحتمال المتاعب، من ظن أن الأيام تسالمه فهو مجنون، ومن اهتم بجمع المال فهو محزون، من أحب نكد الأعداء فليزدد شرفاً ومجدا، من تمسك بالدين علا قدره، ومن قصد الحق كمل فخره، وقال بعض الفضلاء: الحرص مفتاح الذل واتباع الشهوة مفتاح الندامة والقناعة مفتاح الراحة والتجربة مرآة العواقب وكثرة الخلوة بالنساء فساد للطباع والعقول، وقال بعض الحكماء الاغضاء عن الهفوات من أخلاق السادات، الأخلاء نفس واحدة في أجساد متباعدة، شر الناس من لا يرجى خيره ولا يؤمن ضيره، وقيل لبعض الأدباء أيّ الناس أطول ندامة؟ قال أما في الدنيا فصانع المعروف إلى من لا يشكره، وأما في الآخرة فعالم مفرط، وقال بعضهم جمال الإنسان كمال اللسان، من الضلال طلب المحال، بالحلم تسود يسود الإنسان وبالإيجاز يكمل اللسان، شكر الله سبحانه بالتعظيم وشكر الملوك بالدعاء لهم، وشكر الأصحاب بحسن الجزاء، أشر الأشرار من لا يقبل الاعتذار، من ساء خلقه ضاق رزقه، إذا كثرت الآراء خفى الصواب، ولله در من قال:
على المرء أن يسعى على الخير جهدهوليس عليه أن تتم المطال
قال بعض الفضلاء لا تكثر مخالطة الناس فإن فعلت فأغمض عن القذى واحتمل ما ينالك من الأذى، ولله در من قال:
مضى الخير طرا ليس منصفوكل وداد فهو منهم تكلف
وكل إذا عاهدته فهو ناقضلعهدك أو واعدته فهومخلف
وأبناء هذا الدهر كالدهر لم يثقبه وبهم إلا جهول ومسرف
قال بعض الأدباء خير الكلام ما قلّ ودل ولم يطل فيمل، نعم الناصر الجواب الحاضر، العقل بغير أدب شين، والأدب بغير عقل حين، حلّى الرجال الأدب وحلى النساء الذهب، وقال بعض الحكماء: عقل بلا أدب كشجاع بلا سلاح، الأدب وسيلة إلى فضيلة، النعمة
وسيمة فاجعل الشكر لها تميمة، لا زوال للنعمة مع الشكر ولا بقاء لها مع النكر، الزهد في الدنيا الراحة الكبرى، والرغبة فيها البلية العظمى، صمت كافي خير من كلام غير شافي، إنما الحليم من يغفر الذنب العظيم، وما أحسن قول القائل:
أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهمفطالما استعبد الناس إحسانا
وإن أساء مسيء فليكن لك فيإعراض زلته صفح وغفران
وكن على الدهر معوانا لذي أمليرجوك فيه فإن الحر معوان
شر الناس من لا يقبل الاعتذارات، ولا يستر الزلات ولا يقيل العثرات، من كثرت أياديه قلت أعاديه، من طلب الممالك صبر على هجوم المهالك، من جاد ساد وجل، ومن بخل رذل وذل، من تواضع وقر ومن تعاظم حُقر درك الأموال في ركوب الأهوال، من لم ينلك خيره في حياته لم تبك عيناك على مماته، من لم يستفد بالعلم مالا استفاد به جمالا، من صبر على مأموله أدركه، ومن تهور في نيله أهلكه، ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع، جالس أهل العقل والأدب والتجربة والحسب، قيل إن رجلا تكلم بين يدي الخليفة المأمون فأحسن فقال له المأمون ابن من أنت فقال ابن الأدب يا أمير المؤمنين، فقال نعم النسب أقول رعى الله القاضي العلامة إمام أهل الأدب وأفضل منجد للمكارم وطلب عبد الرحمن بن أحمد البهكلي دخلت عليه يوماً في منزله ببيت الفقيه وهو يكرر هذين البيتين فحفظتهما ولله در قائلهما:
كن ابن شئت واكتسب أدبايغنيك محموده عن النسب
عن الفتى من يقول ها أنا ذاليس الفتى من يقول كان أبي
قال بعض الحكماء أطع أخاك وإن عصاك وصله وإن جفاك، إياكم ومشاورة النساء، أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك، إنما يحيا الذكر بالأفعال الجميلة والسير الحميدة، خير الأدب ما حصل لك ثمره ظهر عليك أثره الجهل مطية من ركبها ذل ومن صحبها ضل، من الجهل صحبة الجهال، خير المواهب العقل، وشر المصائب الجهل، من لم يتعلم في صغره لم يتقدم في كبره، من تفرد بالعلم لم توحشه خلوة، الجاهل يطلب المال والعاقل يطلب الكمال، لم يدرك العلم من لا يطيل درسه ولا يكد نفسه، الأدب مال واستعماله كمال ويعجبني قول القائل:
لا تيأسن إذا ما كنت ذا أدبعلى خمولك أن ترقى إلى الفلك
فبينما الذهب إلا بريز مختلطبالترب إذ صار إكليلا على الملك
وقال حكيم ينبغي للمرء أن لا يفرح بمرتبة ترقاها بغير عقل، ولا بمنزلة رفيعة حلها بغير فضل، فلا بدّ أن يزيله الجهل عنها، ويسله منها، فينحط إلى رتبته، ويرجع إلى قيمته بعد أن تظهر عيوبه وتكثر ذنوبه ويصير مادحه هاجياً وصديقه معادياً، وقال آخر علم لا يصلحك ضلال ومال لا ينفعك وبال، أبصر الناس من أحاط بذنوبه ووقف على عيوبه، أفضل الناس من كان بعيبه بصيراً وعن عيب غيره ضريرا، إياك وما يسخط سلطانك ويوحش إخوانك فمن أسخط سلطانه تعرض للمنية ومن أوحش إخوانه تبرأ من الحرية، رأس الفضائل اصطناع المعروف فاستره وإذا اصطنع معك فانشره، من بخل على نفسه بخيره لم يجد به على غيره، خير العمل ما آثر مجداً وخير الطلب ما حصل حمدا، وقال بعض الأدباء ليس من عادة الكرام سرعة الانتقام، ارحم من دونك يرحمك من فوقك، أحسم إلى من تملكه يحسن إليك من يملكك، وقال حكيم كما أنه لا خير في آنية لا تمسك ما فيها كذلك لا خير في صدر لا يكتم سره، من كثر اعتباره قل عثاره، زوال الدول اصطناع السفل، من طالت غفلته زالت دولته، القليل مع التدبير خير من الكثير مع التبذير، إذا استشرت الجاهل اختار لك الباطل، لا يخلو المرء من ودود يمدح وحسود يقدح، من لم يجد لم يسد من ساءت أخلاقه طاب فراقه، لا تصحب من ينسى معاليك ويذكر مساويك، لا تقطع صديقاً
وإن كفر ولا تركن إلى عدوّ وإن شكر، الميل إلى الغضب من أخلاق الصبيان، والجزع على ما ذهب من أخلاق النسوان، القلب العليل يميل إلى الأباطيل، ترك الأنام يعلي المقام، الصبر حيلة من لا حيلة له، خير الأخوان من لم يتلون وإن تلون الزمان، قال رسول الله ﷺ لمعاذ (أنت سالم ما سكت وإذا تكلمت فلك أو عليك)، وقال لقمان لابنه يا بني إن القلوب مزارع فازرع فيها طيب الكلام فإن لم ينبت كله نبت بعضه، وقال بعض الحكماء الكذب داء والصدق دواء، الكذب ذل والصدق عز، الكذاب لا يعاشر والنمام لا يشاور والعاشق لا يُعاير والفاسق لا يسامر والخير لا ينكر والباغي لا ينصر، عبد الشهوة أذل من عبد الرق، الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له، وقال بعض الأدباء إذا اضطررت إلى كذاب فلا تصدقه ولا تعلمه أنك تكذبه فينتقل عن وده ولا
ينتقل عن طبعه، من كثر لغطه كثر غلطه من قال ما لا ينبغي سمع ما لا يشتهي، من كثر مزاحه زالت هيبته، عي تسلم به خير نطق تندم عليه، قال بعض الأدباء الخط للفقير مال وللغني جمال، اقتصر من الكلام على ما يقيم حجتك ويبلغ حاجتك، وإياك والفضول فإنه يزل القدم ويورث الندم، لسانك إن عقلته حرسك وإن أطلقته افترسك، اخزن لسانك كما تخزن مالك واعرفه كما تعرف ولدك وزنه كما تزن نفقتك وانطق به على قدر وكن منه على حذر فإن إنفاق ألف درهم في غير وجهها لأيسر من إطلاق كلمة في غير حقها، رب كلمة أوجبت مقدورا وأخربت دورا، وعمرت قبورا، الاستماع أسلم من القول، من قل أدبه كثر تعبه، قال حكيم أبلغ الكلام ما قلت فضوله وتمت فصوله، أبلغ الكلام ما صحت مبانيه ووضحت معانيه، أبلغ الكلام ما أعرب عن الضمير وأغنى عن التفسير، أبلغ الكلام ما يدل أولاه على آخره ويستغنى بباطنه عن ظاهره، سوء المقالة يزري الحالة، تحصن بالجهل إذا نفع كما تتحصن بالعلم إذا رفع، من قال بلا احترام أجيب بلا احتشام، قصر كلامك تسلم وأطل احتشامك تكرم، اعقل لسانك إلا عن حق توضحه أو خلل تصلحه أو كلمة تفسرها أو مكرمة تنشرها. قال بعض الأدباء يستدل على عقل الرجل بقوله وعلى أصله بفعله، من قوم لسانه زان عقله ومن سدد كلامه أبان فضله من منّ بمعروفه سقط شكره ومن أعجب بعمله حبط أجره، من صدق في مقاله زاد في جماله، الزم الصمت تعد نفسك فاضلاً وفي
جهلك عاقلاً وفي أمرك حكيماً وفي عجزك حلمياً، الزم الصمت تكسب صفو المودة وتأمن سوء المغبة وتلبس ثوب الوقار وتكفى مؤنة الاعتذار، الصمت أية الفضل وثمرة العقل وزين العلم وعين الحلم، فالزمه تلزمك السلامة واصحبه تصحبك الكرامة، وقال بعض الفضلاء اعقل لسانك إلا عن عظة شافية يكتب لك أجرها أو حكمة بالغة يحمد عنك نشرها الحذر خير من الهذر لأن الحذر يقي المهجة والهذر يضعف الحجة، من أفرط في المقال زل، ومن استخف بالرجال ذلّ، جرح الكلام أشدّ من جرح السهام، ضرب اللسان أشدّ من طعن السنان، ولله در من قال:
جراحات السنان لها التئامولا يلتام ما جرح اللسان
لا تنصح من لا يثق بك ولا تشر على من لا يبقل منك، إذا سكتَّ عن الجاهل فقد أوسعته جواباً وأوجعته عقاباً، منقبة المرء تحت لسانه، نصرة الوجه في الصدق، هات ما عندك
تعرف به، لا كرامة للكاذب، إذا لم تخش فصل وإذا لم تستح فقل، وما أحسن قول القائل:
إذا لم تخش عاقبة اللياليولم تستح فافعل ما تشاء
فلا والله ما في ذين خيرولا الدنيا إذا ذهب الحياء
قال بعض الحكماء:
من نقل إليك فقد نقل عنك، ومن شهد لك فقد شهد عليك ومن تجرأ لك فقد تجرأ عليك، لا تقبل الخير من كذاب وإن أتى بحديث عجاب، تلعموا العلم للأديان والنحو للسان والطب للأبدان، ومن وعظك فقد أيقظك ومن بصرك فقد نصرك، قيل أوصى علي ﵁ ابنه أبا محمد الحسن ﵁ فكان من وصيته له يا بني أوصيك بتقوى الله ﷿ في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى، والعدل على الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله ﷿ في الشدة والرخاء، واعلم يا بني أن من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على ما فاته، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئراً وقع فيها، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن سلك مسالك السوء اتُهم، ومن خالط الأنذال حُقّر، ومن جالس العلماء وُقّر، ومن مزح استُخف به، ومن أكثر من شيء عُرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قلّ حياؤه، ومن قلّ حياؤه قلّ ورعه، ومن قلّ ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار، يا بني من أكثر ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير،
يا بني العافية عشرة أجزاء تسعة منها في الصمت إلا بذكر الله وواحدة في ترك مجالسة السفهاء، ومن تزين بمعاصي الله في المجالس أورثه الله ذلا، يا بني من كنز الإيمان الصبر على المصائب، وإياك ومصادقة الأحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، وإياك ومصادقة الكذاب فإنه يقرب البعيد ويبعد عنك القريب، يا بني كم نظرة جلبت حسرة وكم كلمة سلبت نعمة، لا شرف أعلى من الإسلام ولا لباس أجمل من العافية، يا بني التدبير قبل العمل يؤمنك الندم، ولا تؤيسنّ مذنباً على ذنبه فكم عاكف على ذنب خُتم له بالخير، وكم مقبل على عمله أفسده في آخر عمره فصار إلى النار، وقال ﵇ (ما أقرب الراحة من النصب والبؤس من النعيم والموت من الحياة)، قال بعض الأدباء اختارت الحكماء أربع كلمات من أربعة كتب، من التوراة من قنع شبع، ومن الزبور من سكت سلم،
ومن الإنجيل من اعتزل نجا، ومن القرآن العظيم ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم، وقال حكيم حسن الخلق يوجب المودة وسوء الخلق يوجب المباعدة، والانبساط يوجب المؤانسة، والانقباض يوجب الوحشة، والكبر يوجب المقت، والجود يوجب الحمد، والبخل يوجب المذمة، وقال بعض الفضلاء إذا جهلت فاسأل وإذا زللت فارجع، وإذا أسأت فاندم، وإذا غضبت فاحلم، وقال حكيم: الدنيا عسل مشوب بسمّ وفرح موصول بغمّ فلا تغرنّك زهرتها ولا تفتننك زينتها فإنها سلابة للنعم أكالة للأمم، وقال آخر إذا طلبت العز فاطلبه بالطاعة وإذا طلبت الغنى فاطلبه بالقناعة، نور المؤمن في قيام الليل، وضع الإحسان في غير موضعه ظلم، وحدة المرء خير من جليس السوء، لا غنى لمن لا فضل له، من بسط يده بالإنعام صان نعمته عن الملام، يسود المرء بالإحسان إلى قومه، من وجه رغبته إليك أوجب مؤنته عليك، وقال حكيم القلب أسرع تقلباً من الطرف، لا صلاح لرعية فسد واليها، الوفاء يثبت الإخاء، لا تدخلنّ في أمر لا تكون فيه ماهراً، استصغر ما فعلت من المعروف ولو كان كبيرا، واستعظم ما أتاك منه ولو كان صغيراً، أظهر لعدوك الصداقة إذا رجوت نفعه، الضعيف المحترس من عدوّه أقرب إلى السلامة من القوي المغتر، فخرك بفضلك خير منه بأصلك، الفرع يدل على الأصل، قال جالينوس الحكمة في الهند، والكبر في الفرس، وقرى الأضياف في العرب، والصدق في الحبشة، وقساوة القلب في الترك، والشجاعة في الأكراد، والخيانة في الأرمن،
والجهل في الشام، والعلم في العراق، والحساب في قبط مصر، والحمق في الطويل والكذب في القصير، والظلم والزنا في ذي الشامات، والحفظ في العميان، وسوء الخلق في العرجان، والعجلة في الصبيان، والمراء في العلماء، والحرص في المشايخ، والذل في الأيتام، والفصاحة في اليمن والحجاز، والسلامة في العزلة والصحة في الحمية، وقال حكيم إذا أراد الله أمراً هيأ أسبابه، لا فرح إلا بالحسنات ولا حزن إلا على السيئات، لا تتعبنّ جسدك إلا في كدّ على عيال أو عبادة لذي الجلال، قيل لبعض العرب ما المروءة؟ قال سمو الهمة وصيانة النفس عن المذمة، قيل فما الحلم؟ قال كظم الغيظ وضبط النفس عند الغضب وبذل العفو عند القدرة، قيل فمن أظلم الناس لنفسه قال من تواضع لمن يكرهه ومدح من لا يعرفه، قيل فمن أعظم الناس حلماً؟ قال من قمع غضبه بالصبر وجاهد هواه بالعزم، وقيل لبعض الملوك ما بلغ بك هذه
المنزلة، فقال بعفوي عند قدرتي وليني عند شدتي وبذل الإنصاف ولو من نفسي وإبقائي في الحب والبغض محلا لموضع الاستبدال، وقال بعض الأدباء ليس لسلطان العلم زوال بخلاف سلطان المال، الإحسان يقطع اللسان، الشرف بالعقل والأدب لا بالمال والنسب، أحسن الأدب حسن الخلق، أفقر الفقر الحمق، إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكراً للقدرة عليه، ولله در القائل:
بنيّ استقم فالعود تنمو عروقهقويما ويغشاه إذا ما التوى التوا
وعاص الهوى المردى فكم من محلقإلى الجوّ لما أن أطاع الهوى هوى
وقال بعض الفضلاء من لم تؤدبه الكرامة قوّمته الإهانة، وما أحسن قول القائل:
متى تضع الكرامة في لئيمفإنك قد أسأت إلى الكرامة
وقد ذهب الصنيع به ضياعاًوكان جزاؤها طول الندامة
من استعد الغنى ليوم الفقر فقد استعد لنائلة الدهر، من لم يقنع لم يشبع، من لم يقنع بتجاربه أوقعه الدهر في نوائبه، من قال لا أدري وهو يتعلم أفضل ممن يدري وهو يتعظم، من لم يستفرغ في العلم المجهود لم يبلغ منه المقصود، من جهل النعم عرف النقم، من أدمن قرع الباب ولج، من أخذ في أموره بالاحتياط سلم من الاختلاط، من أكرم حراً تعبده ومن منّ بمعروفه أفسده، من تشجع وجهه جبن قلبه، من قلّ حياؤه كثر ذنبه، من أكثر الرقاد حرم المراد، من لم يحتمل بشاعة الدواء دام ألمه، من لم
يصلحه الخير أصلحه الشر، من كفّ عنك شره فقد بذل لك خيره، من احمر لونه من النصيحة اسود وجهه من الفضيحة، من نام عن عدوّه نبهته المكائد، من تطأطأ لقط رتبا ومن تغالى لقط عطبا، وقال حكيم من ضيع أمره فقد ضيع كل أمر ومن جهل قدره جهل كل قدر، وقال آخر ما زانك ما أضاع زمانك ولا شانك ما أصلح شانك، وكن صبوراً في الشدة شكوراً في النعمة لا تبطرك السراء ولا تدهشك الضراء، ذكر نفسك بما فيها فأنت أعلم بمحاسنها ومساويها، وذكر في الكتب السالفة عجبت لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح، وعجبت لمن قيل فيه الشر وهو فيه كيف يغضب، وقال حكيم فوض مدحك إلى أفعالك فإنها تمدحك بصدق إن أحسنت وتذمك بحق إن أسأت، من طلب شيئاً وجده وإن لم يجده يوشك أن يقع قريباً منه، وقال آخر عدوّك ضدك وحكم الضدين التباعد، لا تطأ أرضاً وطئها عدوّك إلا على حذر ولا
يغرنك خروجه منها وبعده عنها فرّبما رتب لك فيها شباكاً ونصب لك فيها أشراكاً، عدو عاقل خير من صديق جاهل، كمون العداوة في الفؤاد ككمون الجمرة تحت الرماد، كتمان السر يورث السلامة وإفشاؤه يورث الندامة، ما كل فرصة تنال ولا كل عثرة تقال، ما خاب من استخار ولا ندم من استشار، من صافى عدوّك فقد عاداك ومن عادى عدوك فقد والاك، وقال بعض الحكماء القريب من قربته المحبة وإن بعد نسبه، والبعيد من أبعدته البغضاء وإن قرب نسبه، لا تحاجج من يذهلك خوفه ويتلفك سيفه، لا تثق بالدولة فإنها ظل زائل ولا تعتمد على النعمة فإنها ضيف راحل، قليل يغني خير من كثير يطغى، من سالم الناس سلم، من قدم الخير غنم، من قعد عن حيلته أضعفته الشدائد، الغرة ثمرة الجهل والتجربة مرآة العقل، من دام كسله خاب أمله، المتئد مصيب وإن هلك والعجول مخطئ وإن ملك، فضيلة السلطان عمارة البلدان، من كابد الأهوال هلك، من اقتحم اللجة أتلف المهجة، من قصر عن السياسة صغر عن الرياسة، من استعان بذوي الألباب سلك سبيل الصواب، لا تثق بالصديق قبل الخبرة ولا توقع بالعدوّ قبل تمام القدرة، ولا تفسد أمراً يعييك إصلاحه ولا تغلق باباً يعجزك افتتاحه، ولله در القائل:
إذا لم تستطع شيئاً فدعهوجاوزه إلى ما تستطيع
حكاية: قيل إن رجلاً أتى إلى بعض الحكماء فشكا إليه صديقه وعزم على قطعه
والانتقام منه، فقال له الحكيم أتفهم ما أقول لك فأكلمك أم يكفيك ما عندك من فورة الغضب التي تشغلك عني؟ فقال إني لما تقول لواع، فقال أسرورك بمودته كان أطول أم غمك بذنبه؟ قال بل سروري، قال أفحسناته عندك أكثر أم سيئاته؟ قال بل حسناته قال فاصفح بصالح أيامك معه عن ذنبه وهب لسرورك به جرمه واطرح مؤونة الغضب والانتقام للود الذي بينكما في سالف الأيام ولعلك لا تنال ما أملت فتطول مصاحبة الغضب ويؤول أمرك إلى ما تكره.؟ وقال حكيم من نصحك أحسن إليك ومن وعظك أشفق عليك عدّ أضعف أعدائك قوياً وأجبن أوزارك جريا. الناس رجلان عاقل لا يحتاج للتأديب وجاهل يحتاج للتأديب قال الشاعر:
البعض يضرب بالعصىوالبعض تكفيه الإشارة
قال بعض الأدباء إياك والنظرة فإنها تنتج الحسرة طوبى لمن كان بصره في قلبه والويل
لمن كان قلبه في بصره وأفضل القول كلمة حق عند من تخافه، أحمق الناس من باع دينه بدنيا غيره، ضعف البصر لا يضر مع نور البصيرة، كثرة النوم تجلب الدمار وتسلب الأعمار، للعاقل فضيلتان عقل يستفيد ونطق يفيد، من حسن خلقه كثرت أخوانه، من اودع الوفاء صدره أمن الناس غدره، أجهل الناس من يمنع البر ويطلب الشكر ويفعل الشر ويتوقع الخير، ربما أخطأ البصير قصده وأصاب الأعمى رشده.
ضرب مثل:
حكي أند ديكاً وصقرا اصطحبا مدة ففي بعض الأيام قال الصقر للديك إني ما رأيت اقل وفاء ولا أضيع لحقوق الصحبة منكم معاشر الديكة فقال الديك ما الذي أنكرته منا؟ قال لأني أرى الناس يكرمونكم ويحسنون إليكم في المطعم والمشرب وأنتم تفرون منهم وتنفرون من قربهم ونحن يأخذون الواحد منا فيعذبونه ويخيطون عينيه ويمنعونه الطعام والشراب ثم يرسلونه فيذهب إلى حيث لا يبقى لهم إليه وصول ولا عليه لهم قدرة ثم يدعونه إليهم فيأتي مسرعاً ويقتنص الصيد والطير لهم، فلما سمع الديك كلام الصقر ضحك ضحكاً عالياً فقال الصقر ما يضحكك أيها الديك؟ فقال عجبت من شدة جهلك وغرورك أما أنك أيها الصقر لو عاينت من جنسك جماعة في كل يوم تُسلخ جلودهم وتقطع أعناقهم ويقلون على النار ويطبخون في القدور لفررت منهم أشد الفرار
ولم يستقر لك بصحبتهم قرار ولو قدرت لطرت إلى جو السماء وعلمت انه لا فائدة في القرب منهم وان السلامة في البعد عنهم فعرف الصقر صدق كلامه وأقلع عن ملامه.
قال أبو مسلم الخراساني المنع الجميل خير من الوعد الطويل، الكلام المرغوب مصائد القلوب، ثلاثة القليل منهم كثير العداوة والنار والمرض، قال حكيم القاضي لا يعاند والسلطان لا يُوادد والوالي لا يخاصم والأب لا يُحاكم وصاحب الحق لا يُشاتم والعجمي إليه لا يركن والخان لا يسكن والحان لا يدخل والمجالس لا تنقل والشرير لا يكلم والغائب لا يشتم والشاعر لا يعادى والبخيل لا يهادى والحبيب لا يجازى بالبعاد وما مضى من الزمان لا يعاد والملك لا يوادد فإن وده لا يدوم والبليد لا يشتغل بالعلوم والعبد لا يمازح والجار لا يقابح والمتكبر لا يدارى والحقود لا يصافى والمرأة لا يحسن بها الظن وكل فن لا يؤخذ إلا من أهل ذلك الفن والقبيح لا يذكر والجميل لا ينكر والرسول لا يقتل والهدية
من كل أحد لا تقبل وصاحب الإحسان لا يعامل إلا بالإحسان كما يدين الفتى يدان.
وقال آخر:
يعيش البخيل في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة حساب الأغنياء إذا حضرت مجلس ملك فضم شفتيك وعض عينيك وإذا حدثك فاصغ إليه وأقبل بوجهك عليه. قيل لملك بعد ذهاب ملكه ما الذي أذهب ملك قال ثقتي بدولتي وإعجابي بشدتي وإضاعتي الحيلة وقت حاجتي والتأني عند احتياجي إلى عجلتين قال بعض الفضلاء: البخل والجهل مع التواضع خير من العلم والسخاء مع الكبر من قبر السفل وأدناهم وباعد ذوي الفضل وأقصاهم استحق الخذلان واستوجب الهوان، من لم يعرف ظهر الأيام لم يحترز من سطواتها، ولم يتحفظ من آفاتها، قال حكيم إذا رأيت من جليسك أمراً تكرهه أو صدرت منه كلمة عوراء فلا تقطع حبله ولا تصرم وده ولكن داو كلمته واستر عورته وأبقه وتبرأ من عمله. وقال حكيم خير الملوك من كفى وكف وعفا وعف للرعية المنام وعلى الملك القيام، وقال آخر نصحني النصحاء ووعظني الوعاظ فلم يعظني مثل شيبتي، ولم ينصحني مثل فكرتي وأكلت الطيب وشربت الشراب وعانقت الحسان فلم أر ألذ من العافية، وأكلت الصبر وشربت المر فلم أر أمر من الفقر وعالجت الحديد ونقلت الصخور فلم أر حملاً أثقل من الدين، وطلبت الغنى من وجوهه فلم أر أغنى من القنوع،
وطلبت أحسن الأشياء عند الناس فلم أر حديثاً أحسن من حسن الخلق، قيل لحكيم هل تعرف نعمة لا يحسد عليها وبلية لا يرحم صاحبها قال نعم التواضع والكبر، قيل لبعضهم لم لا تتزوج؟ فقال لو قدرت أن أطلق نفسي لطلقتها، قيل لبعض العباد ما أصبرك على الوحدة؟ فقال أنا جليس الرب إن شئت أن يناجيني قرأت كتابه وإن شئت أن اناجيه صليت له، قال ذو النون المصري ﵀ الأنس بالله نور ساطع والأنس بالخلق غم واقع، قال العتابي: الدنيا نوم والآخرة يقظة والواسطة بينهما الموت ونحن في أضغاث أحلام، رب حرب ثار من لفظة ورب حب غرس من لحظة، إدمان الناظر يكشف الخبر، إن حفظت عينيك حفظت كل الجوارح، وإن أطلقتهما أوقعاك في الفضائح، علامة القطيعة من الصديق أن يؤخر الجواب ولا يبتدئ بكتاب، وقال حكيم من أكثر النوم لم يجد في عمره بركة ومن أكثر الأكل لم يجد لذة العبادة، إذا كانت الغاية الزوال فما الجزع من تصرف الأحوال، الفقر هو الموت الأحمر
والجوران دام دمر والأعمى ميت وإن لم يقبر، أفضل من السؤال ركوب الأهوال، من تزين بغير ما هو فيه فضح الامتحان ما يدعيه، من عاتب على كل ذنب أخاه صد عنه وقلاه، ليس مع الخلاف ائتلاف استصلاح العدو بحسن المقال أحسن من استصلاحه بحسن الفعال، من طلب ما لا يكون طال تعبه ومن فعل ما لا يحسن كان فيه عطبه، كل امرئ يميل إلى شكله، ليس العجب من جاهل يصحب جاهلاً إنما العجب من عاقل جفا عاقلاً، كل شيء يميل إلى ندّه وينفر عن ضده، قال الشاعر:
ولا يألف الإنسان إلا نظيرهوكل امرئ يصبو إلى ما يشاكله
لا يغرنك كبر الجسم ممن صغر في العلم ولا طول القامة ممن قصر في الاستقامة فإن الدرة على صغرها خير من الصخرة على كبرها، ليس لضجور رياسة ولا لبخيل صديق، لا تعمل عملاً لا ينفعك، إياك والأخلاق الدنية فإنها تضع الشرف وتهدم المجد، ترك الذنب خير من الاستغفار.
النص من طبعة مطبعة التقدم العلمية بمصر (١٣٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة. مصادر الموقع