من «شرح نقائض جرير والفرزدق» لأبي عبيدة (ت ٢٠٩هـ)
وهذا حديث يوم أقرُنَ (٣)
وقال العجاج في ذلك في أرجوزة له طويلة:
بل لو شهدتَ الناس إذْ تُكُمّوابِفِتْنَةٍ غُمّ بِها وغُمُوا
وهي قصيدة طويلة. الرواية بغمة لو لم تُفرّج غموا. وقال أيضا القلاخ ابن حزن بن جناب، أحد
بني حزن بن منقر بن عبيد في ذلك:
إنّ لنا ضُبارِماً هوّاساذا لِبَدٍ غَضنْفراً دْرواسا
وهي قصيدة طويلة. ودرواس هو الشديد من نعت الأسد. والهوّاس أيضا الشديد، وهو من نعت
الأسد. وهو الذي يدق كل شيء فيأتي عليه اقتدار. وقال أيضاً القُحيف العنبري:
جاءتْ عُمانُ دَغَرَى لا صَفّابَكْرُ وجمع الأزْدِ حينَ التَفّا
ويروى دغرا لا صفا، وهي طويلة. والدغرى الذين يحملون في دفعة واحدة، لا ينتظر بعضهم
بعضا. وقال سؤر الذئب أحد بني مالك بن سعد:
نحنُ خَبَطْنا الأزْدَ يومَ المَسجدِوالحَيّ مِنْ بَكرِ ويَومَ المِربَدِ
إذْ خَرّ مَسعودُ ولمْ يُسوسدِولم يجُنّ في سَواء المَلْحَدِ
قال وهي أيضاً طويلة. وقال القلاخ أيضاً في ذلك:
لمّا رأينا الأمرَ في مَرْجوسِوهاجِسٍ مِنْ أمرهمْ مَهْجوسِ
وهي طويلة أيضاً. قال: ومن قال في قتل مسعود هذه القصص من شعراء تميم، أكثر من ذلك،
فتركناه اختصارا منا، لما فشا من قول الشعراء في ذلك، قديماً وحديثاً، اختصاراً لأنه أكثر من أن
يحصى. قال: ثم إن أهل اليمن بعد مقتل مسعود من الليل، زمّوا أمرهم ليلتهم، فأجمع أمرهم أن
رأسوا عليهم زياد بن عمرو بن الأشرف بن البختري ابن ذهل بن يزيد بن عكب بن الأشد بن
العتيك. قال: ثم خرجوا من الغد، وخرجت ربيعة بن نزار، عليهم مالك بن مسمع بن شيبان بن
شهاب يطلبون دماء من أصيب منهم، قال: فعبّوا الأزد قلبا، عليهم زياد بن عمرو، وعبّوا عبد القيس
وألفافها من أهل هجر، وعليهم الحكم بن مخربة ميسرة، وعبّوا بكرا وألفافها عنزة بن أسد بن ربيعة،
وبني ضبيعة بن ربيعة، والنمر بن قاسط، وعليهم مالك بن مسمع ميمنة، قال: وذلك في أول شوال
سنة أربع وستين، حتى كانوا بأعلى المربد. قال: وخرجت إليهم مضر، وعليهم الأحنف، وهو صخر
بن قيس، وقد عبّى بني سعد بن زيد مناة وألفافها من الأساورة والأندغان، قوم من العجم كانوا معهم،
وضبّة وعدي بن زيد مناة - قال وليس أحد من الرباب بالبصرة غير ضبة وعدي - وعليهم قبيصة
ابن حُريث بن عمرو بن ضرار الضبي - وهو الهملج، ومات في
الطاعون الجُراف سنة تسع وستين - قال: وعلى جماعة هؤلاء عبس ابن طلق الصريمي، فجعلهم ميمنة بإزاء الأزد.
قال: وعبّا قيس عيلان، وجعل عليهم قيس بن الهيثم بن قيس بن أسماء بن الصلت، فجعلهم بإزاء عبد القيس
وألفافها، وعبّى بني عمرو بن تميم، وجعل عليهم عبّاد بن حُصين، ومعهم بنو حنظلة بن مالك
وألفافها من بني العم، والزّطّ، والسيابجة، وعلى جماعتهم سلمة بن ذؤيب الرياحي، فجعلهم بإزاء بكر
وألفافها. قال: وفي ذلك يقول شاعر بني عمرو بن تميم:
سيَكْفيكَ عَبْسٌ أخو كَهْمَسمُقارَعَةَ الأزدْ بالمِربدِ
وتَكْفيكَ قَيسٌ على رِسلهالكَيزَ بنَ أفْصَى وما عددَ
ونكفيكَ بَكْرا وألْفافَهابضرب يشيبُ له الأمردُ
قال: فكانوا يتغادون فيقتتلون زماناً، ثم إنّ عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي من قريش، وعمر بن
عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، مشيا للصلح فيما بينهما، حتى التقى مالك والأحنف
والعمران في الصلح، فجعل الأحنف يخفّ عند المراوضة، ويثقل مالك. فقال القرشيان: يا أبا بحر
مالك تخف وقد ذهب حلمك في الناس، ومالك يرزن. فقال إني أرجع إلى قوم يتأبون عليّ، ويرجع
إلى قوم، إن قال نعم، قالوا نعم. قال: فلم يتفق بينهم صلح، فتغادروا للقتال. ثم إنهم أرسوا الصلح
يقال تراسوا الصلح، يعني أسرّوا ذلك بينهم - على أن يكتبوا قتلاهم، ثم ينظروا في ذلك على ما
يتفق رئيس. قال: فاجتمعت ربيعة وأهل اليمن في دار مشورتهم، دار رفيدة في السوق. واجتمعت
مضر في دار شورهم، وهي الدار التي بنحر الطريق، إذا أقبلت من دار جبلة بن عبد الرحمن، وأنت
تريد السوق أو مسجد بني عدي، والأيسر يأخذ إلى صباغي قنطرة قُرة. قال: فكتبوا، وكتبت الأزد،
واليمن، وربيعة قتلاهم، فلما بلغوا دية مسعود، كتبوها عشر ديات.
قال: وذلك للمُثل التي مُثّلت به، فقالوا: لا تزيدوا على دية رجل من المسلمين، فقالوا: إنكم مثّلتم به
مثُلات، فأبى الأحنف، وكان الأحنف إذا قال لا، لم يقل نعم، إذا ظن أنه قد أنصف، قال: فاضطربوا
بالنعال وبالأيدي، وإنما كانوا جاءوا للصلح، قال: ثم تعاودوا السلاح، فاقتتلوا زُمنياً، ثم إن العُمرين
قالا: إن هؤلاء قد كانوا اصطلحوا فتشاجروا، فلو أتينا الأحنف فكلّمناه، وأتينا القوم أجمعين فعسى أن
يتراجعوا، فبدءا بالأحنف، فعظّما الإسلام، وحق الجيران، وقالا أخوالكم وأصهاركم ويدكم على العدو،
قال: فانطلقا فأعقدا على ما أحببتما، وأبعدا عني العار - قال وذلك بأعين الأزد وربيعة - فلما توجّها
قبل ربيعة واليمن، قال الأحنف لعبس: أما إنهم لن يسمعوا منهما، فاعل عليهم الريح، واستعن عليهم
بالتحكيم، فهو أسلس لهم عما وراء ظهورهم. قال: فلما دنوا، رماهما السفهاء فاتقيا بثيابهما وركضا،
حتى وقفا حيث لا ينالهما النشاب والنبل، قال: وصبّ عبس عليهم الخيل فأجلت عن قتل نفير، قال:
فقال ذوو الحِجَى للسفهاء: رميتم رجلين لم يزالا يمشيان في الصلح، قال: وقد أتيا الآخرين فسمعوا
كلامهما، ولم يفعلوا ما فعلتم، ثم ألووا إليهما - يعني أشاروا إليهما - فجاءا فعظما الإسلام، وقالا لهم
مثل ما قالا للأحنف، فقال: قد كنتم تراضيتم بالصلح، فقالوا: لن نقبل لمسعود دون عشر ديات -
وذلك للمثلة التي كانوا مثّلوا به، فقال عمر بن عبد الرحمن لعمر ابن عبيد الله: إن الأحنف قد أبى
هذا عليهم، هَلُمّ فلنحمل تسع دياب، فقال عمر بن عبيد الله: ولم نحملها كلانا؟ إما أن تحملها أنت وإما
أن أحملها أنا.
قال أبو عبيدة: فزعم محمد بن حفص أنه حملها - يعني عمر بن عبيد الله بن معمر - قال: وأما بنو
مخزوم، فزعمت أنهما احتملاها، قال: فرضي القوم، فأتيا الأحنف برضا القوم للحمالة، فرضي، ثم أتيا
الآخرين فأخبراهم برضا الأحنف، وقالا لهم: ارجعوا، فقالوا إنما يُربّثنا الأحنف، فلما رأى ذلك
عبد الله بن حكيم بن زياد بن حوي بن سفيان بن مجاشع بن دارم، وهو أحد القرينين، أتاهم فقال: أنا
في أيديكم رهينة بوفاء الأحنف لكم، فارتهنوه، ورضوا وتراجع الناس، ففي ذلك يقول الفرزدق يفخر
على جرير في كلمته التي قالها:
ومنا الذي أعطى يَدَيه رَهينةًلغارَيْ مَعَدّ يومَ ضربِ الجماجِم
رأتنا مَعَدٌ يومَ شالَتْ قُرومُهاقياماً على أقتارِ إحدى العَظائمِ
رأونا أحقّ ابني نزار وغيرهابِإصلاح صَدع بينهمْ مُتفاقِمِ
حقَنّا دماء المسلمينَ فأصبحتْلنا نعمةُ يُثنَى بها في المواسِمِ
عشيّة أعطَتنا عُمانُ أمورَهاوقُدْنَا مَعَدّا كُلّها بالخَزائِمِ
فقال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حدير عن مبارك بن سعيد بن مسروق، أخي سفيان الثوري، عن
إسحاق بن سويد، قال: فبدأ الأحنف فأتاهم، فحمد الله، ثم قال: وأما بعد يا معشر الأزد وربيعة، فإنكم
إخواننا وأخوالنا في الإسلام، وشركاؤنا في الصهر، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، ووالله لأزد
البصرة، أحب إليّ من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحبّ إليّ من تميم الشام، فإذا استشرت شأفتكم -
يعني هاجت كما يهيج الشرى - وحميت جمرتكم، وأبى حسك صدوركم، ففي أموالنا وأحلامنا سعة
لنا، ولكن قد رضيتم أن نحمل هذه الدماء في بيت المال من أعطياتنا، قالوا قد رضينا يا أبا بحر،
قال: قد رضيتم، قالوا نعم.
قال أبو عبيدة: ألا ترى أن ربيعة والأزد الطالبون، وأن القتلى منهم أكثر، وزعم أبو نعامة العدويّ،
أن مما حُمِل حُمِل، خمسون ألف
درهم لمُثلة مسعود. قال: فقالت الأزد وربيعة لا نرضى إلا أن يقوم
بها رجل، فقال الأحنف: دياتكم إلي، فقالوا: لا، لأنك رأس قومك، فإذا بدا لك ألا تفعل، لم تفعل، وإن
ارتددت بما قبلك أطاعوك، فانظر لنا رجلا غيرك ترضى دينه وشرفه.
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة بن حدير عن إسحاق ابن سويد، قال: فرجع الأحنف
فمشى غير واحد من وجوه مقاعس - قال: ومقاعس اسم جمع جميع بني عمرو بن كعب بن سعد بن
زيد، وهم بنو عبيد بن الحارث: منقر ومُرة رهط الأحنف، وعامر وسائر بني عبيد، عبد عمرو
وغيرهم من بني عبيد بن الحارث بن كعب، وصريم رهط عبس، وربيع رهط مُرة بن محكان ابنا
الحارث. قال: فعرضها الأحنف عليهم، فهابوها فأبوا - فقلنا لإسحاق: ومن هم يا أبا محمد؟ فقال:
عبد الله بن زيد بن سريع بن مرثد بن عُبادة بن النزال بن مرة بن عبيد، وصعصعة بن معاوية بن
عبادة بن نزال بن مرة بن عبيد، وجزء بن معاوية بن الحصين بن عُبادة بن النزال بن مرة بن
عبيد، قال: وذكر رجالا منهم أيضا هابوها، فأبوا أن يقبلوا ذلك - فعرضها الأحنف على إياس بن
قتادة بن أوفى بن موألة بن عبد الله بن عتبة بن مُلادس بن عبشمس بن سعد بن زيد مناة - قال: وأم
إياس من بني نزال بن مرة بن عبيد رهط الأحنف - فأجابه إلى حملها - وأوفى بن موألة كان من
أشراف بني سعد في الجاهلية، وله يقول اليربوعي في يوم طخفة:
يَطُفْنَ بِأوفى أوْ بِعَمرو بنِ خالدِعَباهِلُ لا يَعرِفْنَ أمّا ولا أبا
فعرض الأحنف إياساً على الأزد وربيعة، فقالوا: شريف مسلم رضينا به، قال: فأتاهم فحمل لهم.
قال أبو عبيدة: فحدثني هبيرة عن أبي نعامة، قال: فلما رجع إياس إلى قومه، وقد حمل دماء أولئك
الازد وربيعة قالوا: لا مرحباً، والله لتحملنّ لهم دماءهم ولتطلّن دماؤنا، فأين دماؤنا؟ قال: فأنا أحمل
دماءكم أيضا. فحملها فرضوا، وذلك في أوائل ذي القعدة سنة أربع وستين، وفي ذلك يقول القلاخ بن
حزن:
ثمّ بعثنا لهمْ إياساحمّالَ أثقالٍ بِها قِنْعاسا
إذا أردنا أنْ يَريسَ راسا
يريس يتبختر في مشيته، ولو كان من الرئاسة لكان يرأس. وعمد عمر إلى ما حمل لهم الغد فبعث
به إلى الأزد ولم يُدرك ذلك الزمان، يذكر ما ضوعف من دية مسعود وتعجيلها، ويزعم إنما أدركوا
ذلك بمالك بن مسمع:
قَتلنا بقتلى الأزدْ قتلى وضُوعفَتْدياتٌ وأهدَرنا دماء تميمِ
بعَشر ديات لابنِ عمرو فوُفيّتْعِيانّا ولم تجعل ضمارَ نُجومِ
نَزَلْتُمْ على حُكمْ الأغَرّ بنِ مسمععلى حُكمِ طلاّبِ التّراثِ غَشومِ
يعني بقوله أهدرنا دماء تميم. يقول: لم يحملها منا ولا من الأزد حامل في أعطياتنا، ولم نقم بها لهم
كما قام إياس لنا، ولم نرهنهم كما ارتهنا منهم. قال: ونُدّم الأحنف فندم وقال: كلمّوا إياس يردها علي
ويجعلها إلي، قال: فأتوا إياساً فكلموه في ردها على الأحنف، فقال: دعوني حتى أرى في ذلك. قال:
فلما أمسى، كتب من تحت الليل إلى العرفاء، ومن كان له عنده اسم من أولياء القتلى برقعة: أن
اغدوا إلى حقّكم بالغداة. قال: فغدا الناس، فأتى بهم بيت المال، فأعطى كل ذي طائلة بطائلته من
الفريقين، قال: والناس مجتمعون بعد على عبد الله بن الحارث الهاشمي، قال: والدليل على ذلك، أن
أهل البصرة إنما كتبوا إلى عبد الله بن الزبير بطاعتهم له، حين سكنت الفتنة في ذي القعدة سنة أربع
وستين، قال: فكتب عبد الله بن الزبير - رضي الله
عنهما - إلى أنس ابن مالك ﵁
أن صَلّ بأهل البصرة وكتب بعهد عمر بن عبيد الله بن معمر على أهل البصرة، في ذي القعدة سنة
أربع وستين، فلقيه رسول بن الزبير في طريق مكة يريد الحج، فرجع فكان على أهل البصرة، في
ذي القعدة سنة أربع وستين، قال: وكانت هذه الهزاهز ثمانية أشهر أو تسعة أشهر. قال: ففي ذلك
يقول إياس بن قتادة، وفي ندم الأحنف بن قيس:
إنّ مِنَ الساداتِ مَنْ لو أطعتَهُدَعاكَ إلى مارٍ يَفورُ سَعيرُها
وقالوا أعرِها خالَكَ اليومَ ذكرهاوهَلْ مثلَهُ في الناسِ مثلي يُعيرُها
فقلتُ لهمْ لا تَعجلوا إنّ حاجتيلأن تعلمَ الآفاقُ كيفَ مصيرُها
إذا ما مضى شهرٌ وعشرٌ فإنّهُبعيدٌ معَ الركبِ العجالِ مسيرُها
فلما مضى غِبُ الحديثِ وبرّزتْتنفُسَها ساداتُها وبُحورُها
وقال رجالُ ليتَها أنها لناوأيُّ رجالٍ بالأمورِ بصيرُها
سأورثُ قيساً بعدَ خندفَ مجدَهايكونُ لها بعدي سَناها وخيرُها
تدبّرتْ أذنابَ الحَمالاتِ بعدمامضى ذِكرُها لأهلِها وأجورُها
عَقدْتُ لها حبلَ الأمانة بينناوشرُ الحبالِ رَثُها وقصيرُها
وكنتُ متى أحملْ لقومٍ أمانةًفإن الوفاء بِرُها وظُهورُها
فرد عليه صعصعة بن معاوية فقال:
لقدْ ضاعَ أمرٌ يا إياسُ وليتَهُوخُطّةُ قومٍ كُنت أنتَ تُديرها
وحُقّ لها مِنْ خُطة إنْ تُدُبّرتْتَضيعُ وإبهامُ الحُبارى سفيرُها
قال أبو عبيدة: إنما قال: وإبهام الحبارى، لأن إياس بن قتادة كان قصيراً من الرجال، فنبزه بإبهام
الحبارى، يعني لقّبه بالقصر، قال: فما لزمه ذلك ولا ضره ما نبزه به.
وللحَمد حَوْماتٌ ترى لكَ دونَهامَهابلَ مقطوعاً عليكَ جُسورُها
قال أبو عثمان: فقلت لأبي عبيدة: فهذا الأحنف قد ذكر أن مسعوداً قتله الخوارج، وأقرّ بذلك فقال:
إنما ذلك قول الأحنف: اعلوا عليهم الريح، واستعينوا عليهم بالتحكيم، قال: فقال عامر أو مسمع
أخوه: العجب للأحنف، وهو يُزن بحلم وعقل ساد بهما، يستعين على ربيعة بالتحكيم وهو فيهم. فقال
عامر: والله لوددت أنّا عرمنا عشرة آلاف ألف درهم، وأنّ هذا الرأي خرج منا، فإنه قد أفنى فرساننا
ووجوهنا، وأقل عددنا، وإنه لا يزال فارس منا لا يُسقط الروع رمحه، قد خرج فقتل ضياعا. قال:
وقال عامر في مجلس آخر: العجب لمالك والأحنف، والله ما كان مالك في أمر يبرأ منه هؤلاء التجار
والموالي، والأحنف بإزائه في ذلك الأمر، فلم يضره ذلك عند الناس، فقال له ابن نوح: إنّ الأحنف
كان يتأول الدين، وإنّ مالكاً كان يتغشمر، ألا ترى أنه يوم مسعود لم يستحل حرمه، حتى قامت
البينة، وأنهم قد سفكوا الدماء، وركبوا المحارم. قال أبو عثمان: هذا خبر مسعود قد تم، وإلى هاهنا
سمعناه من الأصمعي وأبي عبيدة لم يجاوزا ذلك.
رجع إلى شعر الفرزدق:
هُنالِكَ لو تَبغي كُلَيباً وجَدتَهابَمنزِلَة القِردانِ تحتَ المَناسِم
قوله المناسم، قال: المنسمان ظُفرا خُفي البعير.
وما تجعلُ الظربَى القِصارَ أنوفُهاإلى الطّمّ مِنْ مَوجِ البحارِ الخضارِمِ
الطم بفتح الطاء في نسخة أبي عثمان، قال أبو عثمان: سمعت الأصمعي وأبا عبيدة يقولان: الظربى
جمع، واحده ظربان، قال: وهو دابة فويق السنور، منتن الرائحة قال: والطم العدد الكثير. والخضارم
من الأبار الغزار الكثيرة الماء، ويقال من ذلك بئر خضرم، وذلك إذا كانت غزيرة، قال: ويقال رجل
خضرم. قال: وذلك إذا كان
جواداً يعطي المال سحا، والخضرم البحر، قال: فكأنه مشتق من كثرة
الماء وغزارته، يقال رجل خضرم، إذا كان كثير الإعطاء، مأخوذ من كثرة ماء البئر وغزارتها، قال:
وذلك أن العرب تُشبّه الشيء، بالشيء وإن لم يكن من شكله ولا من طرازه.
لهاميمُ لا يسطيعُ أحمالَ مثلهِمْأنوحٌ ولا جاذٍ قصيرُ القوائِمَ
قوله لهاميم، يقول هم واسعة أجوافهم سادة، يلتهمون كل شيء لا يهولهم أمر شديد وقوله أنوح، وهو
أن يسعل الرجل إذا ثقل حمله وفدحه، يقول: فهم يحملون أثقالهم مُستضعلون لها، ولا يكرثهم ذلك،
كما يكرث غيرهم، فيسعلون من ثقل ما عليهم، وإنما هذا مثل ضربه لهم، لأنهم مستضلعون بما
عليهم من حمل. وقوله ولا جاذ، قال: الجاذي من الخيل، الذي في رُسغه انتصاب، قال: وذلك عيب
في الخيل، وهو أضغف له إذا لم يكن مفروشاً، وفرش الرجل أن ترى فيها كالعوج، ترى ذلك في
الحافر إذا كان الفرس قائماً، وإنما ضرب ذلك مثلا لهم لأنهم براء من كل عيب، الفرش تباعدُ ما بين
العُرقوبين من غير إفراط، فإن أفرطَ صار عقلا، وإذا انتصب رُسغُ الدابة كان أصلبَ له وأقوى،
وهو مدح، ألا ترى أنهم يُشبهونه برسغ الثور في انتصابه، فإذا لان ولم ينتصب كان عيباً.
يقولُ كِرامُ الناسِ إذ جَدّ جدناوبيّن عَنْ أحسابِنا كُلُ عالمِ
عَلامَ تَعَنّى يا جرير ولم تجدِكُلَيباً لها عادِيّةُ في المَكارِمِ
قوله عادية، يقول لم يكن لكليب قديم تُعرف به، فلا تعن في أمر لا تبلغه.
ولستَ وإنْ فَقّأتَ عينيكَ واجداًأباً لكَ إذْ عُدّ المَساعي كَدارِمِ
هوَ الشيخُ وابنُ الشيخِ لا شيخَ مثلَهُأبو كُلّ ذي بيتِ رفيع الدّعائمِ
تعنّى مِنَ المَرّوت يرجو أرومتيجَريرٌ على أمّ الجَحاشِ التّوائمِ
قال: المروت واد في بلاد بني كليب. قال: والأرومة الأصل. وقوله أم الجحاش، يعني الأتان. وقوله
التوائم، هو أن تلد المرأة اثنين في بطن واحد، وامرأة متئم وهو أن تلد اثنين في بطن.
وِنْحياكَ بالمَرّوتِ أهونُ ضَيعَةًوجَحْشاكَ مِنْ ذي المأزِقِ المُتلاحِمِ
النحي الزق، يعيّره بأنه راع، فالزق معه فيه اللبن لا يفارقه، قال: والمأزق المتلاحم، يريد المتضايق
لشدته، يقول: فأنت بنحيك أعلم منك بالحروب في شدتها، ضيق موضعها في القتال. قال: ومنه يقال
ملحمة، يريدون بالملحمة القتال الشديد المسرف القتل. ملحمة فيها لحمى أي قتلى.
فلو كُنتَ ذا عقل تبيّنت إنّماتَضولُ بأيدي الأعجزينَ الألائمِ
وروى أبو عمرو بالملائم، ويروى تنوء أي تنهض.
نماني بنو سعد بن ضَبّةَ فانتسبْإلى مثلهم أخوالِ هاج مُراحِمِ
وضَبّةُ أخوالي همُ الهامةُ التيبِها مُصرٌ دَمّاغَة للجَماجمِ
وهلْ مثلُنا يا ابنَ المَراغَة إذ دَعاإلى البأس داع أو عِظامِ المَلاحمِ
أي داعٍ يدعو إلى خلافة رجل يجعل خليفة. قال: والملاحم الفتن والقتال.
وما لكَ مِنْ دَلو تُواضِخُني بهاولا مًعْلم حام عَنْ الحَيّ صارِم
ويروى حامي الحقيقة. قال: المواضخة في السقي، أن تجذب كما يجذب صاحبك، وتنزع في الدلو
كما ينزع، وقوله ولا مُعلم، لأنه لا يعلم في الحرب إلا الأشداء. يقول: فليس لك فارس يُعرف بذلك.
قال الأصمعي: وإنما يُعلم الفارس، فيلبس ما يُشتهر به نفسه، ليراه الناس فيُعرف مكانه، لأنه لا يفر
عند اللقاء، وقال: إن حمزة ﵁ كان معلماً يوم أُحد بريشة نعامة، كانت في صدره
ليُعرف مكانه، فكان أسد الله وأسد رسوله ﷺ وكان الفارس والراجل يتعجبان
من صنيع حمزة ﵁ وهو يفري الفري فمن ثم سمي أسد الله.
وعندَ رسولِ اللهِ قامَ ابنُ حابسٍبخُطّة سَوّار إلى المَجد حازم
لهُ أطلقَ الأسرىَ التي في حِبالهِمَغَلّلَةً أعناقُها في الأداهِمِ
كفى أمهات الخائفينَ عليهمعَلاء المُفادي أو سهامَ المُساهمِ
قال أبو عثمان: قال الأصمعي، قال اليربوعي، حدثني الشرقيّ بن القُطامي عن الكْلبي، أنّ الأقرع
بن حابس كلّم رسول الله ﷺ في أصحاب الحجرات، وهم من بني عمرو بن
جندب بن العنبر بن عمرو بن تميم، وقال: يا رسول الله، ارْدُدْ سبايا قومي، وأنا أحمل الدماء، قال:
فرد النبي ﷺ السبي وحمل الأقرع الدماء عن قومه. قال: ففي ذلك يقول
الفرزدق وهو يفخر على بني نهشل، وبني فُقيم بن دارم، وجرير - وهو فُقيم وقيس ابن مالك
ومعاوية بن مالك، قال: وهما الكُردوسان -:
وعندَ رسولِ الله إذْ شَدّ قَبضَهُومُلئ مِنْ أسرىَ تميم أداهمُهْ
فككنا عَنِ الأسرىَ الأداهمَ بعدَ ماتخَمّطَ واشتَدّتْ عليهمْ شكائمُهْ
مَكارمُ لمْ تُدركْ فُقيمٌ قَديمَهاولا نهشَلٌ أحجارُهُ وتَوائِمُهُ
ألمْ تعلما يا ابني رَقاشِ بأننيإذا اختارَ حَربي مثلُكُمْ لا أسالمُهْ
قال: وفي ذلك يقول الفرزدق أيضاً:
ومِنّا الذي أعطى الرسولُ عَطِيّةأسارَى تمَيم والعُيونُ دَوامِعُ
فإنّكَ والقومَ الذينَ ذَكرْتهُمْرَبيعَةَ أهلَ المُقرَبات الصّلادِم
الصلادم الصلاب الشداد.
بناتُ ابنِ حلابٍ يرُحنَ عَليهِمِإلى أجَمِ الغابِ الطِوالِ الغواشِمِ
قوله بنات ابن حلاّب، قال: حلاب اسم فرس فحل كان لبني تغلب. قال: والغواشم التي تغشم
وتغصب، وأنشد:
وما طَلَبَ الأوتار مثلُ ابنِ حُرّةطَلوب لأوتار الرجالِ غَشومِ
أي يتعدى الحق ولا يرضى به حتى يجاوزه. قال: والغاب الرماح، وإنما شبّه كثرة الرماح بكثرة
القصب الذي يكون في الغاب، وهي الأجمة أيضاً.
فلا وأبيكَ الكَلب ما مِنْ مخَافَةإلى الشّأم أدّوا خالداً لمْ يُسالمِ
ولكنْ ثَوى فيهمْ عَزيزاً مَكانُهُعلى أنفِ راض مِنْ مَعَدّ وراغِمِ
قوله أدّوا خالداً لم يُسالمِ، يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية.
قال أبو عثمان: فحدثني أبو الحسن المدائني، قال: سار مُصعب بن الزبير من البصرة يريد قتال
عبد الملك بن مروان سنة سبعين، قال: وخلّف عمر بن عبيد الله بن معمر التيمي على الصلاة،
وعبّاد بن حصين بن يزيد بن عمرو بن غنم بن سيف بن حلزة بن أوس بن نزار ابن سعد بن
الحارث - والحارث هو الحبط بن عمرو بن تميم - على شرطته، فمضى فنزل باجمُيرا، وقد أقبل
عبد الملك يريد زُفر بن الحارث بقرقيسيا بالجزيرة، فقال خالد بن عبد الله لعبد الملك: إن مصعباً لم
يدع بالبصرة أحداً من أهل الشرف والنجدة إلا وقد أشخصه
معه، فإن وجهتني إلى البصرة رجوت أن أغلب عليها. فوجهه عبد الملك. قال: فأقبل خالد إلى البصرة،
فنزل على عمرو بن أصمع، ثم تحول عنه فنزل على مالك بن مسمع بن شيبان بن شهاب بن عبّاد بن قلع بن جحدر - ولشيبان بن شهاب يقول الأعشى:
مَنْ مُبْلِغُ شَيبانَ أنّالمْ نَكُنْ أهلَ الحَقارَةْ
يدعو إلى عبد الملك بن مروان، وتميم تقاتل عن ابن الزبير، وتدعو إليه ما خلا عبد العزيز بن
بشر، جَدّ نُميلة بن مُرة، وأبا حاضر الأسيدي صبرة بن شريس، قال فاجتمعت ربيعة مع مالك بن
مسمع، والأزد مع خالد بن مالك، قال: فاجتمعوا على جُفرة خالد، فسار إليهم عبّاد بن الحُصين ومن
معه من تميم، فاقتتلوا في جفرة خالد.
قال أبو عثمان: وسمعت أبا الحسن المدائني يقول: اقتتلوا في جُفرة خالد أربعة وعشرين يوماً، قال
ففُقئت عين مالك في بعض الأيام، يقال فقأها عبد بن حُصين، وقال بعضهم: بل فقأهل بعض
الأساورة، وهم الرماة الذين لا يكاد يسقط لهم سهم. فقال في ذلك عرهم بن قيس أحد بني العدوية:
تَقاضَوْكَ عَيناً مَضّةً فقَضَيْتَهاوفي عَيْنِكَ الأخرى عليكَ خُصومُ
قوله عيناً مضّة يريد شدة الوجع، يقال قد مضّه الجرح إذا أوجعه، وقال أبو عبد الله: أنشدنا محمد
بن يزيد:
تَعَلّمْ أبا غَسّان أنّكَ إنْ تَعُدْتَعُدْ لكَ بالبِيضِ الرّقاقِ تمَيمُ
أجَهْلا إذا ما الأمرُ غَشّاكَ ثَوْبَهُوحِلْماً إذا ما كَدّحَتْكَ كُلومُ
قوله كدّحتك، يريد أثّرت فيك، ومنه يقال لرجل مكدّح، وذلك إذا جرّب الأمور وعرفها، وكلوم
جراح.
فَولّيْتَ رَكْضاً نَحو ثَأج مُوالياًوجارُكَ يا بنَ الجَحْدَرِيّ مُقيمُ
قوله وجارك، يعني خالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد.
قال أبو عثمان، قال أبو عبيدة: فلما بلغ مصعباً خبر خالد، نكص راجعاً إلى البصرة، فلما سمع القوم
ذلك، رَسِّوا بينهم صُلحاً أربعين يوماً، على أنه من شاء من الفريقين منهم أن يرتحل إلى حيث شاء
ارتحل، ومن أقام أقام آمناً. وقال مالك: أدخلوا في كتابكم عبّاد بن الحصين، فإنا وجدناه أشدّكم حرباً،
وأوفاكم سلماً. قال: ففعلوا. ومضى مالك نحو ثأج هارباً. ومضى خالد بن عبد الله إلى الشام. وقدم
مصعب البصرة. فأرسل خداش بن زياد الكوفي، وكان من بني أسد، في أثر مالك فلم يلحقه. وبعث
إلى الرهط الذين حالفوه، فقال عمر بن عبيد الله: إني قد آمنتهم على دمائهم وأموالهم. فقال مصعب:
يا هذا، قد آمنتهم على دمائهم وأموالهم، أفامنتهم أن أشتمهم؟ قال: لا. قال: فبعث إليهم، فقال مصعب
لعبد الله بن عامر النّعّار، أحد بني مجاشع بن دارم: إنك إنما تبعث أعرابي قيس - يعني مالك بن
مسمع - لبول أخيه في فرج أختك - قال: وكانت أخت النعار عن أخي مالك بن مسمع - وقال لابن
أبي بكرة: يا ابن الفاعلة، إنما مثل أمك، مثلُ كُليبة وثبت عليها ثلاثة أكلب: كلب أسود، وكلب أحمر،
وكلب أبيض، فجاءت لكل كلب بنجله. وقال لحمران بن أبان: يا ابن الفاعلة، إنما أنت نبطي من
عين التمر، وزعمت أنّ أباك أبان، وإنما هو أبي. وقال لزياد ابن عمرو: يا ابن الكرماني أزعمت
أنك من الأزد، وأنت دهقان ابن علج، قطع أبوك على خشبة من كرمان إلى عمان، وشتم القوم، وعم
الأحنف بن قيس، وصعصعة بن معاوية، وأبا حاضر الأسيدي، وصفوان بن الأهتم، وعمرو بن
اصمع، وعبد العزيز بن بشر، جدّ نميلة بن مرة. فقال الفرزدق فيمن لحق بخالد من بني تميم، وخلع
بن
الزبير:
عَجِبْتُ لاقوامٍ تمَيمٌ أبوهُمُوهمْ في بني سعدٍ عِظامُ المَباركِ
وكانوا رُؤوسَ الناس قبلَ مَسيرِهمْمعَ الأزْد مُصفراً لحاها ومالِكَ
ونحنُ نفينا مالكاً عن بلادناونحنُ فقأنا عينهُ بالنيازكِ
أبا حاضرِ إنْ تَلْقَهُ الخيلُ تَلْقَهُعلى لاحِق إبزيمُهُ بالسّنابِكِ
الإبزيم حلقة الحزام، أي من شدة جريه تضرب حوافره بطنه.
فما ظَنّكمْ بابن الحَواريّ مُصعَبإذا افْترّ عن أنيابهِ غير ضاحِكِ
رجع إلى شعر الفرزدق:
وما سَيرّتْ جاراً لها مِنْ مخَافَةإذا حَلّ مِنْ بَكر رُءوسَ الغَلاصمِ
بِأيّ رشاء يا جريرُ وماتِحتَدَلّيْتُ في حَوماتِ تلكَ القَماقمِ
قال: الحومة مجمع الماء وكثرته، وكذلك حومة القتال أشد موضع فيه وأكثرع قتلا. قال: والقماقم
البحور شبّه السادة بالبحور، قال: والرشاء حبل البئر.
ومالَكَ بيتُ الزّبرقان وظلّهُومالَكَ بيتٌ عندَ قيسِ بن عاصمِ
قال: يريد قيس بن عاصم بن سنان بن خالد بن منقر بن عبيد. قال: والزبرقان لقب لقب به، واسمه
حصين بن بدر بن امرئ القيس بن خالد بن بهدلة بن عوف بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم،
قال: ولقيس بن عاصم يقول زيد الخيل:
ألا هَلْ أتى غَوثاً ومازنَ أننيحَللتُ إلى البيضِ الطوالِ السواعدِ
إلى الواخِدِ الوهّابِ قيسِ بنَ عاصِملهُ قادحا زَندي سنانِ بن خالدِ
ولكن بَدا للذْلّ رأسُكَ قاعداًبِقَرقرة بينْ الجداء التّوائم
قوله بقرقرة، هي القاع المستوي من الأرض. وقوله بين الجداء التوائم، يريد التل تلد اثنين في
بطن.
تَلوذُ بأحقِي نهشل مِنْ مجُاشِععياذَ ذَليل عارفاً للمظالمِ
ويروى عارف. وقوله عارفا نصب عارفا على الحال، ويكون على الاستغناء، ويكون على أنه
خارج من الحال. قال: والعارف المقر. يقول أنت مظلوم لا تقدر على أن تنتضر.
قال أبو عثمان: وخبرّنا أبو عبيدة، قال: وزعم خالد بن جبلة وسعيد ابن خالد أن فيها قوله:
ولا نقتُلُ الأسرى ولكنْ نفُكُهمْإذا أثقلَ الأعناقَ حملُ المغارِم
فهل ضربَةُ الرُوميّ جاعلةٌ لكمْأباً عن كليب أو أباً مثلَ دارم
فإنكَ كَلْبٌ من كُليب لكَلبَةغَذَتْكَ كليب في خَبيثِ المَطاعِم
وليسَ كليبيّ إذا جَنّ لَيلهُإذا لم يجد ريحَ الأتانَ بِنائِم
يقولُ إذا أقلو لى عليها وأقردَتْألا هل أخو عيشِ لذيذ بدائم
يُعَلقُ لمّا أعجبتهُ أتانُهُبأرآد لحييها حِيادَ الكَمائِم
فأجابه جرير فقال:
لا خيرْ في مُستعجلاتِ المَلاومِولا في خليل وصلُه غير دائم
قوله الملاوم واحدها ملامة. قال: والمعنى في ذلك، يقول لا خير في العجلة باللوم حتى تتثبت فتعلم
على ما تلوم صاحبك، فلعلك تلومه وأنت له ظالم.
ولا خيرَ في مالٍ عليهِ أليّةٌولا في يمينٍ غيرَ ذاتِ مخَارِم
قوله ألية يعني يميناً. وقوله مخارم، يعني جمع مخرم وهو طريق يمضي فيه التحليل والاستثناء.
قال: والمعنى في ذلك يقول لا تحلف يميناً ليس لك فيها مخرج ولا خير.
تَركتُ الصّبا مِنْ خَشيَة أنْ يهيجَيبِتُوضِحَ رَسمُ المَنزلِ المُتقادِمِ
وقالَ صِحابِي ما لَهُ قُلتُ حاجَةتهَيجُ صُدوعَ القَلبِ بينَ الحَيازِمِ
قوله الحيازم، قال: الحيزوم الصدر وما حوله.
تقولُ لنا سَلمَى مَنِ القَوم إذْ رأتْوُجوهاً كِراماً لُوّحَتْ بالسِمائِم
قوله لوّحت، يعني تغيّرا واسودّت من الرحلة في طلب المعالي، والوفادة إلى الملوك فقد غيّرها ذلك.
وقوله وجوهاً عِتاقاً يعني حساناً رقاقاً.
لقدْ لُمتنا يا أمّ غَيْلانَ في السرىونِمْتِ وما ليلُ المَطيّ بنائِم
يريد ما المطي بنائم ليله كلّه في طلب العلى. أم غيلان يعني ابنته. يقول لابنته لا تلومينا في السرى
في ليلتنا ونهارنا.
وأرفَعُ صَدرَ العَنْسِ وهي شِمِلّةٌإذا ما السرى مالَتْ بَلوثِ العَمائم
قوله أرفع صدر العنس يريد في السير، وهي شملة، يقول وهي خفيفة، يريد هذه الناقة التي نسير
عليها، يقول وإن كانت خفيفة فأنا
أرفع في السير صدرها، وإن كانت خفيفة في سيرها. وقوله مالت
بلوث العمائم، يقول: إذا نعس أصحابي وهم يسيرون، ففسد لوث عائمهم، قال: واللوث لف العمامة
على رءوسهم، يقول فإذا كان ذلك رفعت أنا في السير لجلدي، ودلالتي، وطول مقاساتي لذلك. قال
أبو عبد الله: يقال لاث العمامة يلوثها إذا لفها غير متعمل لإصلاحها، فإذا تعمّل لإصلاحها، قيل
رصفها، قال ابن الأعرابي: فإذا تغصّب بها، قيل اقتعطها، فإذا جعلها تحت حلقه قيل التحاها. قال أبو
عبد الله: حكي عن خالد بن عبد الله الصريفيني: ما استوت عمامة عاقل قط.
بأغْبرَ خَفّاقٍ كأنّ قَتامَهُدُخانُ الغَضا يَعلُو فُروجَ المَخارِم
قوله بأغبر خفّاق، يقول: نحن نسير ببلد خفّاق بالسراب. وقتامه غبرته. قال: والمخارم منقطع
الطريق في الجبال، واحدها مخرم، يقول فسيرنا في مثل هذه الأرض.
إذا العُفرُ لاذتْ بالكِناسِ وهَجّجَتْعُيونُ المُهارى مِنْ أجيج السّمائِم
العفر الظباء تعلوها حمرة. وقوله لاذت يقول دخلت العُفر تحت ظل شجرة، وإنما تفعل ذلك من شدة
الحر، قال: ولوذ كل شيء ناحيته، وقوله وهجّجت، يريد غارت عيون هذه المهارى، وهي إبل كرام
نسبها إلى مهرة، وهم قوم من العرب معروفون بنتاج كريم، يقول: فغارت عيون هذه الإبل، ورجعت
إلى الرءوس من الجهد والعطش والتعب.
وإنّ سَوادَ الليلِ لا يستَفزُنيولا الجاعلاتُ العاجَ فوقَ المَعاصِم
قوله لا يستفزني، يقول: لا يستخفني سواد الليل ولا يهولني. قال: والعاج الذبل، قال: والمعنى في
ذلك، يقول: إذا رأيت سواد الليل لم أهبه، ثم قال: ومع هذا لا يستخفني الغزل أيضاً ولا الصبا،
فأتحبّس عليه ولا يحبسني ذلك من تزيّن النساء.
ظَلِلْنا بِمُسْتَنّ الحَرورِ كأننالدى فَرسٍ مُستقبلِ الريحِ صائِم
قوله ظَللنا بمُستن الحرور، قال: مُستن الحرور كجرى الريح الحارة. وقوله صائم، يهني قائماً لدى
فرس، يريد عند فرس، يعني بيتاً بناه من برود وغيرها من الثياب يُستظل به.
أغرّ مِنَ البُلقِ العِتاقِ يَشُفُهُأذى البَقّ إلا ما احتمى بالقوائِم
قواله أغرّ، يقول: هذا الفرس في وجهه غرة، وهي البياض.
وظَلّتْ قَراقيرُ الفَلاةِ مُناخَةًبأكوارِها مَعكوسةً بالخَزائِم
قوله وظلّت قراقير الفلاة مناخة، يعني الأبل، وشبهها بالقراقير، وهي السفن الكبار، فهي تسير في
البر بما عليها كما تسير السفن الموقرة في الماء. وقوله بأكوارها، يريد أداتها أي وعليها أكوارها لم
تخط عنها. وقوله معكوسة بالخزائم، والعكاس أن يُعلّق الحبل في عنق البعير، ثم على أنفه ثم يشد
إلى فوق ركبتيه من ذراعه فيصار - يعني يمال - البعير، فلا يقدر أن يتحرك.
أنخنَ لتَغْويرٍ وقدْ وقَدَ الحَصَىوذابَ لُعابُ الشمسِ فوقَ الجَماجِمِ
قال: التغوير الاستراحة نصف النهار، وهو مثل التعريس في آخر الليل. قال: ولعاب الشمس شدة
حرها، وتوقدها، والتهابها، وهو أشد وقت الحر.
ومنقوشَة نقشَ الدنانيرِ عُوليَتْعلى عَجل فوقَ العِتاقِ العَياهِم
قوله ومنقوشة، يعني رحالاً تعمل باليمن ينقشونها ويحسنون عملها. وقوله فوق العتاق العياهم، هي
ضخام الإبل.
بَنَتْ ليَ يَربوعُ على الشّرفِ العُلىدَعائِم فوقَ ذَرعِ الدّعائمِ
قال الدعائم، دعائم البيت، وإنما ضربه مثلا للشرف. ويروى فوق كل الدعائم، يقول فشرفي يعلو
كل شرف.
فمنْ يستجرنا لا يخَفْ بعدَ عَقدناومَنْ لا يُصالحْنا يَبِتْ غير نائِمِ
بَني القَين إنّا لن يفوتَ عَدونَابِوترٍ ولا نُعطيهِم بالخَزائِم
ويروى ولا نعطي حذار الجرائم.
وأنيَ مِنَ القومِ الذينَ تَعُدُهُمْتميمٌ حمُاةَ المأزِق المُتلاحِمِ
المأزق معترك الخيل. والمتلاحم المتضايق. التحم بعضهم ببعض.
ترى الصيدَ حولي مِنْ عُبيد وجَعفربُناةً لِعادِيّ رفيع الدعائِم
ويروى دوني. وقوله ترى الصيد هم الأشراف الكرام. وقوله من عبيد وجعفر، يعني عبيد بن ثعلبة
بن يربوع. وعادي قديم.
تَشَمّسُ يربوعٌ ورائيَ بالقَناوتُلقَى حِبالي عُرضَةً للمُراجِم
قوله تشمّس يربوع، يريد تمتنع وتمنعني من ورائي بالقنا. وقوله عرضة، يقول هي قوية على
فعلها. وقوله للمراجم، يريد للمتقاذف، يقال من ذلك راجم فلان فلاناً إذا قاذفه. فقال له ورد عليه.
إذا خَطر حولي رياحُ تَضَمَّنَتْبفوزِ المعالي والثّأى المُتَفاقِم
خطرت ترفع الرماح وتخفضها للطعن، كما يخطر الفحل بذنبه، وهو أن يتبختر في مشيته، وقوله
رياح يريد رياح بن يربوع، المعالي من
الأمور واحدتها معلاة. والباء في قوله بفوز المعالي مقحمة، وأنشد في المعلاة للعجاج:
سامٍ إلى المَعلاة غير حَنبَل
قال: والمعالي جمع المُعلى من السهام، وهو أعلاها كلها، وأوّلها خُروجاً إذا ضرُب بها. قال والثأي
الفتق، والمتفاقم يريد الشديد.
وإنْ حَلّ بيتي في رَقاشِ وَجَدْتنيإلى تُدْرَء مِنْ حَومِ عِزّ قُماقِم
قوله في رقاش، هي رقاش بنت شهبرة بن قيس بن مالك بن زيد مناة ابن تميم، قال وهي أم كليب
وغدانة ابني يربوع، قال: وقد ولدت لدارم بن مالك نهشلاً وجريراً، وجرير هو فقيم بن دارم -
وقوله إلى تُدرء، يعني إلى دافع يدفع عني. قال: وإنما هو تُفعلُ من درأت، يعني دفعت والتاء زائدة
فيه. قال الراجز في مثل ذلك:
كَمْ ليَ مِنْ ذي تُدْرَء مِذبّيَغْرفُ مِنْ ذي حَدَبٍ لا يُؤبيِ
قوله لا يؤبي، يقول لا ينفد.
وقوله من حوم، حوم الماء كثرته ومعظمه، وإنما يريد به العز والشرف. وقوله قماقم، يعني بحراً
عظيماً كثير الماء. قال: وإنما يريد كثرة العدد، فضربه مثلا للشرف.
رأيتُ قُرومي مِنْ قُرَيبةَ أو طأواحمِاكَ وخيلي تَدعِي يالَ عاصِم
قوله قرومي، قال: القرم فحل الإبل، ثم نُقل فصار في الرجال، فقالو قرم القوم، أي سيدهم المعتمد
عليه، وأصل القرم في الإبل. وقوله من قريبة، قال: قريبة من بني طُهية، وهي أم أزنم بن عبيد،
وأما عاصم
بن عبيد، فأمه الضعيفة بنت ثوب بن عبد الله، من بني عبد الله بن غطفان.
وإنّ لِيربوعِ مِنَ العِزّ باذِخاًبعيدَ السّواقي خِندِفّي المَخارِمِ
قوله بعيد السواقي، يعني أن له عروقاً تسقيه من هاهنا وهاهنا. قال: والعرب تقول فلان كريم تسقيه
عروق كرام، وقال: رجل من بني سعد يقال له مزرّد بن عوف:
فلما التقيتا بالرماح عَلمْتُمُبِأنّ لَنا مِنَ الطّعان سَواقيا
أخذْنا يزيداً وأبنَ كَبشَةَ عَنْوَةًوما لم تَنالوا مِنْ لهُانا العَظائِم
قوله من لهانا، قال اللهوة القُبضة من الطعام تُلقى في الرحا وغيرها. وإنما ضربه مثلاً للعز
والمنعة.
ونحنُ اغْتَصبنا الحَضرميّ بنَ عامِرومَروانُ مِن أنفالنا في المقاسِمِ
قال: والحضرمي ابن عامر الأسدي، أسره أسيد بن حنّاءة السليطي، ومروان بن زنباع العبسي،
أسرته بنو حميري بن رياح يوم الصرائم. قال: وقد كتبنا حديثه.
ونحنُ تداركْنا بَحيراً ورَهْطَهُونحنُ مَنَعنا السّبيَ يومَ الأراقِمِ
يعني بحير بن عبد الله القشيري، وقد كتبنا حديثه ومقتله. قال: ومن روى ونحن تداركنا ابن حصن
ورهطه، فإنما يعني عيينة بن حصن ابن حذيفة بن بدر، وبني مرة بن عؤف بن سعد بن ذبيان،
أغاروا على التيم، فأصابوا سبيهم، فطلبتهم بنو يربوع، فأدركوهم على حقيل - وحقيل جبل -
فقاتلوهم قتلاً شديداً، واستنفذوا منهم سبي التيم،
وهزموهم، ففي ذلك يقول جرير:
تَدارَكنا عُيَيْنَةَ وابنَ شَمخِوقَدْ مروا بِهنّ علىَ حَقيل
فردّ المُرْدَفاتِ بناتِ تَيمٍليربوع فَوارِسُ غير ميلِ
قوله ابن شمخ، هو مالك بن حمار بن حزن بن خشين بن لأي بن شمخ، ويقال إنهم من بني جشم
بن معاوية بن بكر. قال مالك بن حمار يوم بُسيان:
ويلُ أمّ قومٍ صَبَحناهُمْ مُسَوّمَةًبَينْ الأبارِقِ مِنْ بُسيانَ فالأكَمِ
بسيان والأكم موضعان.
الأقرَبينَ فلمْ تنفَعْ قَرابَتُهُمْوالمُوجَعينَ فلمْ يُشفَوا مِنَ الألمِ
طَعَنْتُ بالرمحِ جَسّاساً وقلتُ لهْإني أمرؤ كانَ أصلي مِنْ بني جُشَم
قوله جساساً، يعني جساسا بن مُدلج أخا شيطان بن مُدلج. قال: وكان من فرسانهم. قال: وفرس
شيطان خميرة، وفيها يقول:
جاءتْ بما تَزْبي الدّهَيمُ لأهلهاخمُيرةُ أو مسرى خمُيرةَ أشأمُ
وبَينا أرَجّي أنْ تَؤوبَ بَمَغْنَمأتتني بألفي فارسٍ مُتَلَئّمِ
قال: وذلك أن خميرة كانت وديقاً، ومر جيش لبني أسد، فاستروحت ريح الحصن، فأقبلت نحوها،
فطردها الجيش، فأقبلت إلى أهلها، قال: فأوقعوا بهم. وقوله تزبي، يعني تجلب، يقال من ذلك زبى
الأمر إذا جلبه. قال جرير للتيم:
أتهجُونَ يَربوعاً وقدْ رَدّ سَبْيَكمْفَوارِسُنا والبِيضُ يُلوينَ بالخُمر
خَدَمْنَ بَني غَيظ بنِ مُرّةَ بعدَ ماسقَين النّدامَى مِنْ سرَاةِ بني بَدر
إذا ما أستبَوا خمراً نَقَلْتُمْ زِقاقَهاإليهمْ ولا يَسقُونَ تَيماً مِنَ الخَمرِ
ويروى إذا استبأوا خمرا. ويروى زقاقهم. وأما قوله: ونحن منعنا السبي يوم الأراقم، يعني به يوم
إراب، وقد مر حديثه فيما أمليناه.
ونَحْن صَدَعنا هامةَ ابن خويلدعلى حيثُ تَسْتَسقيهِ أم الجَواثِمِ
قوله ابن خويلد، هو يزيد بن عمرو بن الصعق، وهو خويلد بن نُفيل ابن عمرو بن كلاب. قال:
وذلك أنه أسره أنيف بن الحارث بن حصبة ابن أزنم بن عبيد بن ثعلية بن يربوع، بعد ضربة
بالسيف على رأسه أمّتهُ في يوم ذي نجب، وقد مر حديثه فيما أمليناه. وقوله أم الجواثم يعني الهامة.
قال: والجواثم الدماغ، وإنما يريد قول ذي الإصبع العدواني:
إنّكَ إلا تَدَعْ شَتْمي ومَنْقَصَتيأضرْبكَ حيثُ تقولُ الهامةُ أسقوني
قال: وجثوم الفرخ وقوعه وتَمكّنه على الأرض.
ونحنُ تَداركْنا المَجَبّةَ بعدَماتجاهَدَ جَريُ المُبقياتِ الصّلادِمِ
قال: يريد المجبّة بن الحارث من بني أبي ربيعة، قتله المنهال بن عصمة، أخو بني حميري بن
رياح في يوم عين التمر. قال: والمنهال ابن عصمة، هو الذي يقول فيه متمم بن نويرة:
لقدْ كفّنَ المِنهالُ تحتَ رِدائِهفتىً غير مِبطانِ العَشيَاتِ أروَعا
وقوله جريُ المبقيات، يريد التي فيها بقية جري. قال: والصلادم من الخيل الشداد.
ونحنُ ضربنا هامَةَ ابنِ محُرّقٍكذلكَ نَعصَى بالسيوفِ الصّوارِمِ
قوله هامة ابن محرق، قال: هو قابوس بن المنذر بن النعمان الأكبر، أسره طارق بن حصبة بن
أزنم بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع، ثم مَنّوا عليه وجزّوا ناصيته، وأطلقوه، وقد مرّ حديث فيما أمليناه.
النص من طبعة المجمع الثقافي بأبو ظبي (١٩٩٨م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع